• ×

أ.د. أحمد القاضي

سؤالات عن عصمة الأنبياء

أ.د. أحمد القاضي

 0  0  777
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

السؤال: هل الأنبياء معصومون من الصغائر كما هم معصومون من الكبائر ؟ وهل تختلف عصمة النبي محمد صلّى الله عليه وسلّم عن عصمة باقي الأنبياء عليهم السلام؟ أرجو منكم الإجابة مع ذكر الدليل ، وتناول بعض الآيات بالشرح مثل :( عبس وتولّى) (واستغفر لذنبك) وهل يجوز للنبي أن يجتهد مع ذكر الدليل؟ جزاكم الله عنا وعن المسلمين خيرًا

 

بسم الله الرحمن الرحيم
 
     لا ريب أن أنبياء الله جميعاً، معصومون فيما يتحملونه من رسالات ربهم، ويؤدونه إلى أممهم؛ فلا ينسون، ولا يكتمون، ولا يزيدون. قال تعالى: (سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى) [الأعلى/6]، وقال : (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) [المائدة/67]، وقال : (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ . لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ . ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ . فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ) [الحاقة/44-47] .
    ولكن يجوز في حقهم حصول الأعراض البشرية؛كالنسيان، والسهو؛ قال تعالى: (وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آَدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا) [طه/115]، وقال صلى الله عليه وسلم : (إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ فَإِذَا نَسِيتُ فَذَكِّرُونِي) رواه البخاري والخوف، قال تعالى : (فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى) [طه/67] ، (فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ) [هود/70]، ويجوز في حقهم الغضب؛ قال تعالى : (وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ) [الأعراف/154] وقال : (وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا) [الأنبياء/87].
     والجمهور على الأنبياء غير معصومين من الصغائر. كأكل آدم، عليه السلام من الشجرة، ووكز موسى للقبطي، ولم يرد قتله، وحكم داود للخصم قبل سماع خصمه، وعبوسه صلى الله عليه وسلم في قصة الأعمى، وتحريمه صلى الله عليه وسلم العسل على نفسه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله: ( القول بأن الأنبياء معصومون من الكبائر دون الصغائر، هو قول أكثر علماء الإسلام، وجميع الطوائف، حتى إنه قول أكثر أهل الكلام ... وهو أيضاً قول أكثر أهل التفسير، والحديث، والفقهاء. بل لم ينقل عن السلف، والأئمة، والصحابة، والتابعين، وتابعيهم، إلا ما يوافق هذا القول) الفتاوى : 4/319
 
      ومن كمال عصمتهم أن الله تعالى لا يقرهم على الخطأ، والصغيرة، إذا وقع منهم، بحكم بشريتهم، بل ينبههم عليه، ويغفره لهم . ومن شواهد ذلك ما حكاه الله عن نبيه صلى الله عليه وسلم مع الأعمى : (عَبَسَ وَتَوَلَّى . أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى. وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى. أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى) [عبس/1-4]، وقوله : (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ . قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ) [التحريم/1، 2]. أما غيرهم من الناس، فإنهم إذا أخطئوا لا ينزل عليهم وحي يقوِّم خطأهم .
     ولا أعلم فرقاً بين النبي صلى الله عليه وسلم وسائر الأنبياء في هذا الباب. وكل ما صدر عنه صلى الله عليه وسلم في أمر الدين فهو بمنزلة الوحي المعصوم، لقوله تعالى: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى.إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى) [النجم/3، 4]. وربما اجتهد في أمر من أمور الدنيا، بناءً على غلبة ظنه، فأخطأ، كما جرى في قصة تأبير النخل، حين قدم المدينة وَهُمْ يُؤَبِّرُونَ النَّخْلَ ، يَقُولُ : يُلَقِّحُونَ ، قَالَ: مَا تَصْنَعُونَ ؟ قَالُوا: كُنَّا نَصْنَعُهُ ، قَالَ : لَوْ لَمْ تَفْعَلُوا كَانَ خَيْرًا ، فَتَرَكُوهَا فَشِيصَتْ ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لَهُ ، فَقَالَ : إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ ، فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ دِينِكُمْ فَخُذُوا بِهِ ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ دُنْيَاكُمْ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ ) رواه الطبراني.

 



جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 01:26 مساءً الخميس 8 ذو الحجة 1443 / 7 يوليو 2022.