• ×

النمص


الحمد لله الذي خلق بني آدم في أحسن تقويم، وجعل لهم السمع والبصر والأفئدة، وأنزل عليهم لباساً يواري سوءاتهم وريشاً ، وزيَّنهم بالزينة الظاهرة . واختص من سبقت لهم منه الحسنى بالزينة الباطنة ، وهي العلم والإيمان ، وألبسهم لباس التقوى . وأشهد أن لاإله إلا الله وحده لاشريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله . أما بعد :

     فقد جبل الله المرأة على طلب الزينة ، واستشراف الجمال ، لتكون محل سكن الرجال ، ومودتهم ، ورحمتهم ، كما قال تعالى :( وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) الروم (21) ، فيقع بذلك الاستيلاد ، والتناسل ، وتجري سنة الله في الاستخلاف في الأرض ، قال تعالى :( وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ)الأنعام (165).
     وتلك غريزة طبعية ، ونزعة فطرية ، لدى بنات حواء ، بل وعرف مستقر لدى جميع طوائف بني آدم ، قال تعالى : ( أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ ) الزخرف:18. وكما أن الشارع الحكيم قد حث على الزينة، ونعى على من حرمها، كما في قوله تعالى :(يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (31) قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنْ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ )(32) الأعراف، وأثنى على الجمال ، كما في قوله صلى الله عليه وسلم :( إن الله جميل يحب الجمال) صحيح مسلم 1/93، إلا إنه منع بعض الممارسات المتكلفة التي يعدها بعض الناس من الزينة والحُسن،وهي في الواقع تكلف، وقبح، وخروج عن مقتضى الفطرة. ولم تزل نساء المسلمين ، عبر القرون ، يأخذن بأسباب الزينة المباحة ، ويتهيأن لأزواجهن بما تسرهم رؤيته ، حتى هبت على المسلمين رياح التغيير العاصفة ، وما تحمله من غبار وشوائب دخيلة، وتأثرت بعض نساءنا بضغط البهرج الإعلامي الفاتن،فأصابهن لوثة في المزاج، وخروج عن سنن الفطرة،والشرع المطهر،ومنه النمص.
     تعريفه عند أهل اللغة :
     قال الجوهري : ( النَّمْص : نتف الشعر ... والنامصة التي تزين النساء بالنمص ) الصحاح :3/1060، وكذا قال ابن منظور ، وزاد : ( تنمصت المرأة :أخذت شعر جبينها بخيط لتنتفه ) ونقل عن الفراء :( النامصة : التي تنتف الشعر من الوجه ) لسان العرب :14/293، وكذا قال الفيروزبادي . القاموس:2/470.
     وقال ابن فارس : ( النون والميم والصاد أُصَيل يدل على رقة الشعر، أو نتف له . فالنَّمَص : رقة الشعر ، والمنماص : المنقاش ، وشعر نميص ، ونبت نميص : نتفته الماشية بأفواهها ) معجم مقاييس اللغة : 1011.
    
     تعريفه عند المحدثين :
     قال أبو داود : ( النامصة : التي تنقش الحاجب حتى تُرِقَّه، والمتنمصة : المعمول بها ) السنن :4/399
     وقال النووي : (النامصة : بالصاد المهملة، فهي التى تزيل الشعر من الوجه . والمتنمصة: التى تطلب فعل ذلك بها) شرح مسلم : 14/106.
     وقال الحافظ ابن حجر : (المتنمصة: التي تطلب النماص. والنامصة: التي تفعله . والنماص: إزالة شعر الوجه بالمنقاش. ويسمى المنقاش منماصا لذلك .ويقال إن النماص يختص بإزالة شعر الحاجبين لترفيعهما أو تسويتهما ) فتح الباري :10/377
     وقال ابن الأثير : (النامصة : التي تنتف الشعر من وجهها، والمتنمصة : التي تأمر من يفعل بها ذلك ) النهاية في غريب الحديث : 5/119.
     ويتضح من التعريفات السابقة ، ما يلي :
     1- اتفاق أهل اللغة، والحديث أن النمص هو النتف، أو الإزالة بالنتف أو النقش، فلا
     يتناول الحلق أو التقصير   بمجرد اللفظ. 
     2- أن اختلاف الآلة لا يخرج الفعل عن مسمى النمص .
     3- أن النمص يتعلق بالحاجبين ،والجبين ، وعموم الوجه ، من حيث اللغة ، ولا يختص بالحاجبين ، إلا على قولٍ غير منسوب ، حكاه ابن حجر .                
     حكمه :
     قال الإمام البخاري : حدثنا محمد بن يوسف حدثنا سفيان عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال : لعن الله الواشمات، والموتشمات، والمتنمصات، والمتفلجات للحسن، المغيرات خلق الله . فبلغ ذلك امرأة من بني أسد، يقال لها أم يعقوب، فجاءت، فقالت: إنه بلغني أنك لعنت كيت وكيت، فقال : ومالي لا ألعن من لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومن هو في كتاب الله ! فقالت: لقد قرأت ما بين اللوحين، فما وجدت فيه ما تقول. قال: لئن كنت قرأتيه، لقد وجدتيه . أما قرأت:   (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) قالت: بلى. قال: فإنه قد نهى عنه. قالت: فإني أرى أهلك يفعلونه.قال: فاذهبي فانظري.فذهبت، فنظرت، فلم تر من حاجتها شيئا. فقال: لو كانت كذلك ما جامعتنا .صحيح البخاري : 4/1853
     وقال الإمام مسلم :حدثنا إسحاق بن إبراهيم، وعثمان بن أبي شيبة، واللفظ لإسحاق، أخبرنا جرير عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال: لعن الله الواشمات، والمستوشمات، والنامصات، والمتنمصات، والمتفلجات للحسن، المغيرات خلق الله. قال: فبلغ ذلك امرأة من بني أسد،يقال لها أم يعقوب، وكانت تقرأ القرآن، فأتته، فقالت: ما حديث بلغني عنك، أنك لعنت الواشمات، والمستوشمات،والمتنمصات، والمتفلجات للحسن، المغيرات خلق الله ؟ فقال عبد الله : وما لي لا ألعن من لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم ! وهو في كتاب الله .فقالت المرأة: لقد قرأت ما بين لوحي المصحف، فما وجدته. فقال: لئن كنت قرأتيه لقد وجدتيه؛قال الله عز وجل: (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) فقالت المرأة: فإني أرى شيئا من هذا على امرأتك الآن. قال: اذهبي فانظري. قال: فدخلت على امرأة عبد الله، فلم تر شيئا. فجاءت إليه فقالت: ما رأيت شيئا. فقال: أما لو كان ذلك لم نجامعها. صحيح مسلم : 3/1678
     وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا عبد الوهاب بن عطاء أنبأنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن عزرة عن الحسن العرني عن يحيى بن الجزار عن مسروق أن امرأة جاءت إلى بن مسعود فقالت: أنبئت انك تنهى عن الواصلة .قال: نعم. فقالت: أشيء تجده في كتاب الله ، أم سمعته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال: أجده في كتاب الله وعن رسول الله. فقالت: والله لقد تصفحت ما بين دفتي المصحف، فما وجدت فيه الذي تقول. قال: فهل وجدت فيه: (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) قالت:نعم .قال: فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن النامصة, والواشرة، والواصلة ،والواشمة ، إلا من داء. قالت المرأة: فلعله في بعض نسائك. قال لها: ادخلي. فدخلت، ثم خرجت، فقالت: ما رأيت بأسا. قال: ما حفظت إذاً وصية العبد الصالح :( وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه ).المسند : 1/415 
     قال شعيب الأرناؤوط ، وصاحباه ، في تحقيق المسند :إسناده قوي : 7/58.وقد روى الإمام أحمد نحوه في أكثر من عشرة مواضع عن سبعة من الصحابة، ورواه عبد الرزاق (المصنف :3/145)، والنسائي (المجتبى : 8/146) ، والترمذي (5/104)،وأبو داود (4/399)،وابن ماجه (1/640)،والطبراني في الكبير(9468)
     فدل هذا الحديث الصحيح ، برواياته المتعددة ، على أمرين :
     أولاً : تحريم النمص تحريماً صريحاً ، لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عنه ، والأصل في    النهي التحريم ، سيما وقد اقترن به :                       
     ثانياً : أنه من كبائر الذنوب ، للعن النبي صلى الله عليه وسلم فاعلته ، والمفعول بها .
    
     شبهة ، وجوابها :
     زعم بعض الناس أن لعن النامصات والمتنمصات ، ونحوهن ، إنما هو من كلام ابن مسعود ، رضي الله عنه ، موقوفاً عليه ، وهذا زعم باطل من وجوه :
     أحدها : التصريح الصريح برفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ؛ ففي رواية الصحيحين : ( ومالي لا ألعن من لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم ) كما تقدم .
     الثاني : التصريح الصريح بنهي النبي صلى الله عليه وسلم عنه ؛ ففي رواية البخاري المتقدمة : ( فإنه قد نهى عنه ) وفي رواية أحمد المتقدمة : ( فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن النامصة ..)وهذه أعلى مراتب نقل الخبر من قبل الصحابي . انظر: المحصول للغزالي2/637 ، الإلماع للقاضي عياض (69) ، الكفاية للخطيب(3)
     الثالث : أن اللعن والتحريم من الأمور التوقيفية التي لا يمكن أن تصدر من أحد من الصحابة إلا بتوقيف ، فلو صدرت دون التصريح بالرفع، لعُدَّ من المرفوع حكماً ، كما هو مقرر في الأصول ، قال شيخنا محمد بن صالح العثيمين ، رحمه الله ، في أنواع المرفوع حكماً : ( السادس : أن يحكم الصحابي على شيء بأنه معصية ... وكذا لو حكم الصحابي على شيء بأنه طاعة .إذ لا يكون الشيء معصية أو طاعة إلا بنص من الشارع ، ولا يجزم الصحابي بذلك إلا وعنده علم منه ) مصطلح الحديث (52) ، فكيف مع وجود الرفع الصريح !
     واحتمال أن يكون ابن مسعود ، رضي الله عنه ، قاله تفقهاً واستنباطاً ، مدفوع بقصة أم يعقوب ، واعتراضها عليه ، وجوابه لها ، بما لا يدع مجالاً لهذا الاحتمال .
     الرابع : قرن تحريم النمص ، ولعن فاعله ، بأمور يعلم تحريمها ولعن فاعليها ، كالوشم .
    
     واستدل بعض أهل العلم ، قديماً وحديثاً ، على تحريم النمص ، والوشم ، والتفلج، ونحو ذلك، بكون ذلك من تغيير خلق الله ، الذي أمر به الشيطان، كما في قوله تعالى: ( وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذْ الشَّيْطَانَ وَلِيّاً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُبِينا ) النساء :119، وقد اختلف المفسرون في المراد بتغيير خلق الله على أقوال :
     أحدها : أنه تغيير دين الله ، ومنه تحليل الحرام وتحريم الحلال .
     الثاني : أنه تغيير خلق الله من البهائم بالخصاء .
     الثالث : أنه التغيير بالوشم ، والنمص ، والقشر ، والفلج .
     الرابع : أنه تغيير أمر الله .
     الخامس : أنه عبادة الشمس والقمر والحجارة ، وإنما خلقت للانتفاع بها .
     انظر: جامع البيان :5/282-285 ،زاد المسير 2/205-206 .
     قال الطبري : ( وأولى الأقوال بالصواب في تأويل ذلك قول من قال : معناه : ولآمرنهم فليغيرن خلق الله ، قال : دين الله، وذلك لدلالة الآية الأخرى على أن ذلك معناه ، وهي قوله : ( فطرة الله التي فطر الناس عليها، لا تبديل لخلق الله، ذلك الدين القيم ) وإذا كان ذلك معناه دخل في ذلك فعل كل ما نهى الله عنه من خصاء ما لا يجوز خصاؤه، ووشم ما نهى عن وشمه ووشره ، وغير ذلك من المعاصي ، ودخل فيه ترك كل ما أمر الله به ، لأن الشيطان لا شك انه يدعو على جميع معاصي الله، وينهى عن جميع طاعته ، فذلك معنى أمره نصيبه المفروض من عباد الله بتغيير ما خلق الله من دينه ، ولا معنى لتوجيه من وجه قوله "ولآمرنهم فليغيرن خلق الله" إلى أته وعد الأمر بتغيير بعض ما نهى الله عنه دون بعض ، أو بعض ما أمر به دون بعض. فإذا كان الذي وجه معنى ذلك إلى الخصاء والوشم دون غيره، إنما فعل ذلك لأن معناه عنده أنه عنى به تغيير الأجسام ، فإن في قوله جل ثناؤه إخباراً عن قيل الشيطان " ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام" ما ينبئ أن معنى ذلك على غير ما ذهب إليه ، لأن تبتيك آذان الأنعام من تغيير خلق الله، الذي هو أجسام، وقد مضى الخبر عنه أنه وعد الأمر بتغيير خلق الله من الأجسام مفسر ، فلا وجه لإعادة الخبر عنه به مجملاً ) جامع البيان:5/285.
     وبهذا يتبين أن إمام المفسرين ، رحمه الله ، لم يحمل عموم هذه الآية الجامعة على خصوص مسألة تغيير الأجسام، كما قد يُتوهم مما نقله الحافظ ابن حجر عنه من قوله: ( لا يجوز للمرأة تغيير شيء من خلقتها التي خلقها الله عليها بزيادة، أو نقص، التماس الحسن، لا للزوج ولا لغيره، كمن تكون مقرونة الحاجبين ،فتزيل ما بينهما، توهم البلج أو عكسه ومن تكون لها سن زائدة فتقلعها، أو طويلة فتقطع منها، أو لحية، أو شارب، أو عنفقة، فتزيلها بالنتف. ومن يكون شعرها قصيراً، أو حقيراً، فتطوله، أو تغزره بشعر غيرها. فكل ذلك داخل في النهي وهو من تغيير خلق الله تعالى .قال: ويستثنى من ذلك ما يحصل به الضرر والأذية، كمن يكون لها سن زائدة، أو طويلة تعيقها في الأكل، أو إصبع زائدة تؤذيها، أو تؤلمها، فيجوز ذلك . والرجل في هذا الأخير كالمرأة ) فتح الباري 10/377 .وإنما أدخل ما أدخل من صور التغيير لكونه في نظره مخالفاً لدين الله ، وأمره ونهيه الشرعيين ، لا لخلقه الجسماني لبني آدم، وإلا لحرم، طرداً للقاعدة ، تقليم الأظافر، ونتف الآباط ، وحلق العانة ، وكلها من سنن الفطرة. فصار الأمر متعلقاً بتحرير الحكم الشرعي حِلاً، وحرمةً ، بما يدل عليه الدليل، حسب اجتهاد المجتهد . ولهذا تعقبه النووي ، رحمه الله ، بالقول : ( ومذهبنا ما قدمناه من استحباب إزالة اللحية والشارب والعنفقة ـ يعني للمرأة ـ وأن النهي إنما هو في الحواجب ، وما في أطراف الوجه ) شرح صحيح مسلم :14/106 .
     وبهذا يتبين أنه لا يتوجه الاستدلال بآية النساء على تحريم النمص ونحوه ، بخصوص تغيير خلق الله الجسماني ، بل بعموم التحذير من تغيير شرع الله .فتعين الرجوع إلى الدليل الخاص الثابت في السنة النبوية . والله أعلم .
     وقد اتفق جمهور أهل العلم على تحريم النمص ، فقال ابن مفلح : (ويحرم نمص، ووشر، ووشم، في الأصح ) ورمز له بوفاق الأئمة الثلاثة لأحمد .الفروع :1/135، وحكى الكراهة عن بعضهم ، ثم قال : ( ومنصوص أحمد التحريم ) الآداب الشرعية : 3/339 . وحكى الجواز ، فقال : ( وأباح ابن الجوزي النمص وحده، وحمل النهي على التدليس ، أو أنه كان شعار الفاجرات ) الفروع : 1/135
     ولا شك أن ما ذهب إليه الجمهور هو المطابق للدليل . وأما الكراهة التي تنسب إلى بعض المتقدمين فهي كراهة التحريم ، لا الكراهة الاصطلاحية عند المتأخرين . وقد نبه على هذا المعنى المهم ابن القيم ، رحمه الله ، فقال : ( وقد غلط كثير من المتأخرين من أتباع الأئمة على أئمتهم بسبب ذلك، حيث تورع الأئمة عن إطلاق لفظ التحريم، وأطلقوا لفظ الكراهة ، فنفى المتأخرون التحريمَ عما أطلق عليه الأئمة الكراهة، ثم سهل عليهم لفظ الكراهة ، وخفت مؤنته عليهم ، فحمله بعضهم على التنزيه ، وتجاوز به آخرون إلى كراهة ترك الأَولى . وهذا كثير جداً في تصرفاتهم ، فحصل بسببه غلط عظيم على الشريعة ، وعلى الأئمة ) إعلام الموقعين :2/75
     فالقول بإباحة النمص قول شاذ، مبني على تعليل بمحض الرأي، في مقابلة الدليل ،
     وكذلك القول بجوازه بإذن الزوج ، فإنه لا يملك الإذن به ولا الأمر، لكونه منهياً عنه لذاته ، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ، وإنما الطاعة بالمعروف . وقد بوب الإمام البخاري ، رحمه الله ، في صحيحه : (باب : لا تطيع المرأة زوجها في معصية ) وساق فيه عن عائشة ، رضي الله عنها، أن امرأة من الأنصار زوجت ابنتها، فتمعط شعر رأسها، فجاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فذكرت ذلك له ، فقالت : إن زوجها أمرني أن أصل في شعرها، فقال : ( لا، إنه لُعن الموصلات ) صحيح البخاري : رقم (5205)
     هل يختص النمص بالحاجبين ، أم يتناول عموم الوجه ؟
     تقدم في التعريفات أعلاه أن النمص يتعلق بالحاجبين ،والجبين ، وعموم الوجه ، من حيث اللغة ، ولا يختص بالحاجبين ، إلا على قولٍ غير منسوب .وقد سئل شيخنا محمد بن صالح العثيمين، رحمه الله ، عن رأيه في نتف شعر الوجه للمرأة ، فأجاب :
     ( رأينا أنه من كبائر الذنوب، لأنه النمص الذي لعن النبي صلى الله عليه وسلم فاعلته النامصة والمتنمصة .. نعم ، لو كثر الشعر ، كأن يكون هناك شارب للمرأة بيِّن ، فلها أن تزيله ، وكذلك لو نبت لها لحية، فلها أن تزيلها . أما الشيء العادي ، فإن نتفه من كبائر الذنوب، كما سبق ) سلسلة كتاب الدعوة (12) الفتاوى 3/130
    
     هل يجوز تخفيف شعر الحاجبين بالحلق ، أو القص ، أو التحديد ؟
     قال المرداوي : ( وأخذ أحمد من حاجبيه وعارضيه ) الإنصاف : 1/250 .وقال النووي : ( وأما الأخذ من الحاجبين إذا طالا ، فلم أر فيه شيء لأصحابنا. وينبغي أن يكره ، لأنه تغيير لخلق الله ، لم يثبت فيه شيء ، فكره . وذكر بعض أصحاب أحمد أنه لا بأس به .قال :وكان أحمد يفعله . وحُكيَ أيضاً عن الحسن البصري) المجموع :1/290
     وسئل الشيخ عبد العزيز بن باز ، رحمه الله ، عن حكم تخفيف الشعر الزائد من الحاجب ، فأجاب : (   لا يجوز أخذ شعر الحاجبين ، ولا التخفيف منهما ، لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لعن النامصة والمتنمصة . وقد بين أهل العلم أن لأخذ شعر الحاجبين من النمص ) فتاوى المرأة :167 ، وقال في موضع آخر : ( قص شعر الحواجب، أو تحديده، بقص الجوانب، أو حلقه، أو نتفه، للزينة ، كما يفعله بعض نساء اليوم، فحرام ، لما فيه من تغيير لخلق الله ، ومتابعة الشيطان في تغريره بالإنسان، وأمره بتغيير خلق الله ) فتوى رقم (13329).
     وسئل شيخنا، محمد بن صالح العثيمين ، رحمه الله، عن حكم إزالة أو تقصير بعض الزوائد من الحاجبين ؟ فأجاب : ( إزالة الشعر من الحاجبين؛ إن كان بالنتف فإنه هو النمص ، وقد لعن النبي صلى الله عليه وسلم النامصة والمتنمصة، وهو من كبائر الذنوب . وخص المرأة لأنها هي التي تفعله غالباً للتجمل ، وإلا فلو صنعه الرجل لكان ملعوناً ، كما تلعن المرأة ، والعياذ بالله . وإن كان بغير النتف ؛ بالقص ، أو بالحلق ، فإن بعض أهل العلم يرون أنه كالنتف ، لأنه تغيير لخلق الله، فلا فرق بين أن يكون نتفاً أو أن يكون قصاً أو حلقاً . وهذا أحوط بلا ريب. فعلى المرء أن يتجنب ذلك، سواء كان رجلاً أو امرأة ) فتاوى العلماء للنساء :83 .
     فيتلخص مما مضى أن لأهل العلم في تخفيف شعر الحاجبين ، ثلاثة أقوال : الجواز، والكراهة ، والتحريم .
         
     حكم الحف ، والحلق ، والتقصير ، لبقية شعر الوجه :
     قال ابن منظور : ( والمرأة َتحُف وجهها حفاً وحفافاً، تزيل عنه الشعر بالموسى وتقشره ) لسان العرب :3/245. فهو بمعنى الحلق . وأما التقصير فمعروف .
     أخرج الطبري من طريق أبي إسحاق عن امرأته ، أنها دخلت على عائشة، وكانت شابة يعجبها الجمال، فقالت : المرأة تحف جبينها لزوجها؟ فقالت : أميطي عنك الأذى ما استطعت . قال الألباني : (ضعيف ، فإن امرأة أبي إسحاق لا أعرفها ) غاية المرام :77 . ورواه عبد الرزاق عن معمر، والثوري عن أبي إسحاق عن امرأة ابن أبي الصقر، أنها كانت عند عائشة ، فسألتها امرأة فقالت : يا أم المؤمنين ! إن في وجهي شعرات،أفأنتفهن أتزين بذلك لزوجي؟ فقالت عائشة :( أميطي عنك الأذى، وتصنعي لزوجك كما تصنعين للزيارة، وإذا أمرك فلتطيعيه، وإذا أقسم عليك فأبريه، ولا تأذني في بيته لمن يكره ) مصنف عبد الرزاق : 3/145 .
     قال ابن مفلح : ( ويكره للرجل نتف شعر وجهه ولو بمنقاش ونحوه ، وحفه ، والتخفيف . قال أحمد في الحف : أكرهه للرجال . وللمرأة حلقه، وحفه، والتخفيف. نص على الثلاثة . وذكر ابن عبد البر أنه يكره لها حفه ، ويكره نتفه ، سواء كان لها زوج أو لم يكن . قال أحمد : أكره النتف. وقال المروذي : وكره ، يعني أحمد ، أن يؤخذ الشعر بمنقاش من الوجه . وقال : لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المتنمصات . وقطع غير واحد بالكراهة . ومنصوص أحمد التحريم . وهل تعد الكراهة رواية عنه ؟ مسألة خلاف ) الآداب الشرعية 3/339.
     وكره ابن عقيل حفه كالرجل . الفروع : 1/135
     وقال النووي : ( يجوز التزين بما ذكر إلا الحف، فإنه من جملة النماص ) .
     فيؤخذ مما مضى أن للعلماء ، في الحف ، والحلق ، والتقصير ، لبقية شعر الوجه ، وكلها دون النتف، الذي هو النمص ، ثلاثة أقوال : التحريم ، والكراهة ، والإباحة .
     ما يلتحق بالنمص :
    طرأ في السنوات الأخيرة على نساء المسلمين ، بحكم انفتاح الأمم بعضها على بعض ، عادات وشيات لم تكن في أسلافهن . فمن ذلك ما تواضعت بعض الناس على تسميته ( التشقير ) ؛ وهو أن تعمد المرأة إلى حاجبيها فتصبغ أطرافهما ، وحافاتهما بلون مطابق للون البشرة ، فيظهر الحاجبان ، وكأنهما دقيقان ، رقيقان ، خلقةً . أو تصبغ كامل الحاجبين بذات اللون ، ثم ترسم بالقلم الأسود خطاً رفيعاً فوقهما .

روابط التنزيل

 200  0  0  1.8K  10-28-1428 11:20 صباحًا
التعليقات ( 0 )