• ×

الفروق بين التأمين التعاوني والتجاري


الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين ، وعلى الصحابة والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين . أما بعد :

     فإن مصطلح ( التأمين ) مصطلح حادث في الفقه الإسلامي ، نشأ الحديث عنه أثناء القرن الثالث عشر الهجري ، مع تنامي الاقتصاد الغربي ، وانحسار الاقتصاد الإسلامي ، في فترة ضعف الدولة العثمانية . ولعل أول من تناوله بالبحث الفقيه الحنفي محمد أمين بن عابدين ، رحمه الله ، المتوفى سنة 1252هـ ، في كتابه ( رد المحتار على الدر المختار ) .
     ونتيجة لحداثة المصطلح ، وتنوع صوره ، وكثرة الإضافات إليه ( تجاري ، تبادلي ، تعاوني ، اجتماعي ..الخ ) فقد وقع لبس في الحديث عنه ، والإحالة عليه . ويمكن أن نميز بادىء ذي بدء بين نوعين متقابلين صريحين ، هما :
1- التأمين التجاري : وهو ( عقد يلتزم المؤمِّن بمقتضاه أن يؤدي إلى المؤمَّن له، أو المستفيد الذي اشترط التأمين لصالحه ، مبلغاً من المال ، أو إيراداً مرتباً ، أو أي عوض مالي آخر ، في حالة وقوع الحادث ، أو تحقق الخطر المبين بالعقد ، وذلك في نظير قسط ، أو أي دفعة مالية أخرى يؤديها المؤمَّن له للمؤمِّن ) الخطر والتأمين ، لسلامة عبد الله . ص 92 .
وهذا هو النمط الغربي لعقد التأمين ، ولم يكن معروفاً لدى الأمة الإسلامية من قبل .
 وقد انقسم الفقهاء المعاصرون حيال هذا النوع إلى فريقين :
   أ – المانعون : وهم جمهورهم ، كابن عابدين ، ورشيد رضا ، ومحمد أبو زهرة، ومفتي مصر، والأردن ، وسوريا ، والمملكة العربية السعودية ، وتبنته هيئات شرعية كالمجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي ، ومجمع الفقه الإسلامي الدولي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي ، وهيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية . وبنوا فتواهم بالمنع على وجود الغرر ، والميسر ، والربا في عقد التأمين التجاري .
   ب- المجيزون : وهم نفر قليل من المجتهدين ، كالشيخ مصطفى الزرقا ،والشيخ عبد الوهاب خلاف ، والشيخ علي الخفيف ، وأخذت به الهيئة الشرعية لشركة الراجحي المصرفية . وقد بنوا فتواهم على مراعاة المصلحة والحاجة ، أو القياس على تحمل العاقلة لدية قتل الخطأ ، وعقود المضاربة ، وضمان خطر الطريق ، أو تنظيره بنظام معاشات التقاعد ونحو ذلك .
 
2- التأمين التطوعي : وهو أن يتبرع طائفة من الناس بشيءٍ من أموالهم ، غير محدد ، ولا ملزم ، وينخلعوا منه تماماً قربةً إلى الله تعالى ، بقصد جبر إخوانهم ، ورفدهم ، إذا وقع على أحدهم جائحة ، دون أن يشترطوا استرداد شيءٍ مما بذلوه ، أو الحصول على عائدات ربحية من جراء الاتجار به وتنميته . لكن لا يمنع أن يطال أحدهم شيءٌ منه عند الحاجة .
     وهذا النمط هو المعروف عند المسلمين ، وعليه النصوص الواردة في فضل الرفد والنهد ، كحديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو ، أو قل طعام عيالهم بالمدينة ، جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد، ثم اقتسموه بينهم في إناءٍ واحد ، بالسوية ، فهم مني وأنا منهم ) متفق عليه . قال البخاري : ( باب الشركة في الطعام والنهد والعروض ) وذكر حديث جابر بن عبد الله ، رضي الله عنه ، قال : ( بعث النبي صلى الله عليه وسلم بعثاً قبل الساحل ، فأمَّر عليهم أبا عبيدة بن الجراح ، وهم ثلاثمائة ، وأنا فيهم . فخرجنا ، حتى إذا كنا ببعض الطريق فني الزاد ، فأمر أبو عبيدة بأزواد ذلك الجيش فجمع ذلك كله ، فكان مزودي تمر ، فكان يقوتناه كل يوم قليلاً قليلاً حتى فني ، فلم يكن يصيبنا إلا تمرة تمرة فقلت : وما يغني تمرة ؟ فقال : لقد وجدنا فقدها حين فنيت . الحديث ) فتح الباري :5/158 . قال ابن حجر : ( وأما النهد فهو بكسر النون وبفتحها إخراج القوم نفقاتهم على قدر عدد الرفقة ...قال ابن التين : قال جماعة : هو النفقة بالسوية في السفر وغيره . والذي يظهر أن أصله في السفر ، وقد تتفق رفقة فيضعونه في الحضر ، كما سيأتي في آخر باب من فعل الأشعريين ، وأنه لا يتقيد بالتسوية إلا في القسمة ، وأما في الأكل فلا تسوية لاختلاف حال الآكلين ) السابق 5/ 159 .
     وهذا اللون ليس محل خلاف ، لأنه من باب التبرعات المحضة ، والإحسان المطلق، والتكافل. ويسميه بعض العلماء ( التأمين التعاوني ). فقد جاء في قرار هيئة كبار العلماء بالمملكة رقم (51) بتاريخ 4/4/1397هـ ما نصه : ( إن التأمين التعاوني من عقود التبرع التي يقصد بها أصالة التعاون على تفتيت الأخطار والاشتراك في تحمل المسؤولية عند نزول الكوارث ، وذلك عن طريق إسهام أشخاص بمبالغ نقدية تخصص لتعويض من يصيبه الضرر ، فجماعة التأمين التعاوني لا يستهدفون تجارة ولا ربحاً من أموال غيرهم ، وإنما يقصدون توزيع الأخطار بينهم والتعاون على تحمل الضرر )
      ولكن هذا الاسم تعرض لتجاذبات متعددة من قبل بعض المتفقهة ، وادعته شركات ، ونحلته أنشطتها التأمينية التي تتجاوز صورته البسيطة الواضحة،مما حدا برئيس الهيئة ، سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ، رحمه الله ، إلى إصدار بيان توضيحي في 22/2/1417هـ جاء فيه : ( إنه سبق أن صدر عن هيئة كبار العلماء قرار بتحريم التأمين التجاري بجميع أنواعه ، لما فيه من الضرر ، والمخاطرات العظيمة ، وأكل أموال الناس بالباطل ، وهي أمور يحرمها الشرع المطهر ، وينهى عنها أشد النهي . كما صدر قرار من هيئة كبار العلماء بجواز التأمين التعاوني ، وهو الذي يكون من تبرعات المحسنين ، ويقصد به مساعدة المحتاج والمنكوب ، ولا يعود منه شيء للمشتركين ، لا رؤوس أموال ، ولا أرباح ولا أي عائد استثماري ، لأن قصد المشترك ثواب الله سبحانه وتعالى ، بمساعدة المحتاج ، ولم يقصد عائداً دنيوياً ، وذلك داخل في قول تعالى ( وتعاونوا على البر والتقوى ، ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ) وفي قوله صلى الله عليه وسلم ( والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه ) وهذا واضح لا إشكال فيه . ولكن ظهر في الآونة الأخيرة من بعض الشركات تلبيس على الناس ، وقلب للحقائق ، حيث سموا التأمين التجاري المحرم تأميناً تعاونياً ، ونسبوا القول بإباحته إلى هيئة كبار العلماء من أجل التغرير بالناس والدعاية لشركاتهم ، وهيئة كبار العلماء بريئة من هذا العمل كل البراء ، لأن قرارها واضح في التفريق بين التأمين التجاري والتأمين التعاوني ، وتغيير الاسم لا يغير الحقيقة . ولأجل البيان للناس ، وكشف التلبيس ، ودحض الكذب والافتراء ، صدر هذا البيان )
     ولكن بعض الباحثين يتساءل : ( هل التأمين التطوعي هو الحل الوحيد ، والحلال الأوحد، الذي ليس بعده إلا الحرام ؟... هل ينحصر الحل والجواز فيه ، وتكون الحرمة والحظر فيما سواه؟ أم أن الفقهاء لم يتم تصورهم أو إدراكهم لأوجه التعاون والإحسان في الشركات التأمينية التعاونية ؟ ) انظر : بين التأمين التجاري والتعاوني محاور فاصلة . ص : 5   د. يوسف الزامل .
     ومن ثم فقد طرحت بدائل للتأمين التجاري ، عدها بعضهم نوعاً من التكييف والتطوير للتأمين التعاوني المباح ، وخلعوا عليها اسمه . وحيث لا مشاحَّة في الاصطلاح ، مالم يكن شرعياً ، يبقى النظر في حِل هذه البدائل ، وموافقتها للشريعة . ومن الاجتهادات الراهنة في تكييف التأمين التعاوني ، الصور التالية :
1-       التأمين التعاوني التبادلي : ( تأسيس شركة مساهمة ، أو محدودة المسؤولية ، ويفضل أن يكون البنك الإسلامي من مؤسسيها ، ويكون غرضها مزاولة أعمال التأمين التعاوني ، وإعادة التأمين ، وللشركة أن تستثمر فائض رأسمالها وأموالها في المشروعات التجارية أو الصناعية أو الزراعية ، بأي طريق مشروع ،كالمضاربة مثلاً ) بحث اللجنة العلمية في موقع الإسلام اليوم .ص  4 .
2-             ( أن تكوِّن أسرة أو جماعة صندوقاً ، ويدفعوا مبالغ يؤدى من مجموعها تعويض لأي فرد منهم يقع عليه الخطر ، فإن لم تف المبالغ التي دفعوها ، سددوا الفرق المطلوب ، وإن زاد شيء بعد التعويضات ، أعيد إليهم أو جعل رصيداً للمستقبل ) عقد التأمين هاني الجبير . مجلة البيان : عدد (184) ص (16) .
3-      التأمين الاشتراكي : ( طرفا عقد تعاون وإحسان ، أشبه ما لو كان كل من الشركاء يخرج من ماله قرضاً ، بإذن أن يستخدمه من يحتاجه ، أو يعوض بجزء منه ، لمن أصابه جائحة أو نازلة . وأما لو زادت قيمة الأسهم عن قيمتها الاسمية مع تكاليف تغطية الحوادث ، فإن هذه الزيادات لم تكن مشروطة من المتشاركين ، فترجع الأسهم حسب نسبة رؤوس أموالهم ، مع رؤوس أموالهم ، فلا تعد رباً ، لأنها ليست معقوداً عليها ، بل تكون أشبه بالمكافأة التطوعية الجائزة شرعاً ، من المدين إن لم ينتظرها الدائن عرفاً ، ولو يشرطها عقداًً ) بين التأمين التجاري والتعاوني .ص :2 .
( أن يكون المساهمون شركاء حقيقيين في شركة التأمين التعاوني ، فيعود عليهم الربح والخسارة ، وإلا عادت الصورة إلى التأمين التجاري ) بحث اللجنة العلمية. ص : 5 .
ويلاحظ في هذه التطبيقات لفكرة التأمين التعاوني المتفق على أصلها إضافات مختلفة، مثل :
1-             الإلزام بدفع قسط معلوم ابتداءً
2-             الإلزام بتسديد النقص الحاصل
3-             إعادة الفائض من الاشتراكات
4-             استثمار المال المجتمع ، وتوزيع الأرباح حسب نسبة المساهمة
وكل هذه الإضافات تقدح في المبدأ الأساسي الذي يميز التأمين التعاوني ، المتفق على صحته ، عن التأمين التجاري ، وهو التبرع المحض ، السالم من قصد المعاوضة ، وتخرجه إلى نوع من صور الشركة . 
     وقد ذكر المنظرون للتأمين التعاوني فروقاً عديدة بينه وبين التأمين التجاري ، عليها مدار الِحل والحرمة ، في نظرهم . وبفحص هذه الفروق ، وتبين ما هو مؤثر ، وما ليس بمؤثر ، بل مجرد وصف طردي ، يتبين حال هذه البدائل هل هي من قبيل التجاري المحض ، أم التطوعي المحض ، أم هي صورة مستقلة ، وكيفية بائنة منهما .
 
الفرق الأول : الالتزام بالتعويض :
    ( إن أبرز الفروق بين التأمين التعاوني والتأمين التجاري يتعلق بوجود الضمان ، أو الالتزام بالتعويض . فالتأمين التجاري قائم على المعاوضة بين القسط وبين ضمان التعويض، أما في التأمين التعاوني فإن التعويض يصرف من مجموع الأقساط المتاحة . فإذا لم تكن الأقساط كافية في الوفاء بالتعويضات طلب من الأعضاء زيادة اشتراكاتهم لتعويض الفرق . وإذا لم يمكن زيادة الاشتراكات للوفاء بالتعويض لم يقع التعويض ، أو وقع جزئياً بحسب الأرصدة القائمة في صندوق التأمين الذي تصب فيه اشتراكات الأعضاء ، إذ ليس هناك التزام تعاقدي بالتعويض كما هو الحال في التأمين التجاري ) ( لذا فإن مقدار التعويض غير ثابت ، بل قد يتغير بحسب الأقساط المحصلة ، وبحسب ملاءة الصندوق ) وقفات في قضية التأمين .ص :20 ، 27 .
المناقشة : الصحيح أن الفرق بين التأمينين ليس هو ( الالتزام بالتعويض ) في التجاري ، وعدمه في التعاوني ، بل باستبعاد نية المعاوضة أصلاً من الباذلين ، فضلاً عن مسألة الالتزام . ، وتمحضها للبر والاحسان . وأمر النية عظيم ، فإنها تفرق بين عملين متماثلين تماماً من حيث الظاهر ، فتجعل أحدهما صحيحاً ، والآخر فاسداً ، لا في العبادات فقط ، بل وفي المعاملات . وبناءً عليه فلو اشترك إنسان في جمعية تأمين تعاوني ، لا تلتزم له بتعويض ، لكنه قصد أن يعوض في حال وقوع جائحة عليه ، ولم يقصد التبرر المحض بنفع إخوانه ، فقد وقع في الميسر ، والغرر ، والربا ، بنيته . ولو قصد التبرع المحض ، لم يضره بعد أن يناله شيءٌ من العوض ، قل أو كثر .
الفرق الثاني : انفكاك الجهة :
     ( الجهة في التأمين التجاري من حيث المؤمِّن والمؤمَّن له جهة منفكة، إذ هما طرفان مستقلان يمثلان جهتين بينهما عقد معاوضة ... بينما في التأمين التعاوني فالجهة متحدة ، فهما طرفان متحدان متعاونان ؛ مؤمَّن له هو المؤمِّن نفسه ، فليسا طرفا عقد معاوضة لجهتين منفكتين ) بين التأمين التجاري والتعاوني : محاور فاصلة . ص :1
المناقشة : لا يظهر أن هذا فرق مؤثر في الحل والحرمة ، بل هو مجرد فرق وصفي ؛ إذ يمكن أن يكون المؤمِّن في التأمين التعاوني متبرعين لا يقبلون شيئاً من رصيد الصندوق ، فتكون الجهة منفكة . ويمكن أن يكون جميع المساهمين في الصندوق التجاري هم المؤسسون ، فتكون الجهة واحدة .
الفرق الثالث : الفائض :
     ( الفائض من التزامات صندوق التأمين التجاري يعتبر ربحاً لشركة التأمين التجارية ، وكذلك في حال عدم حصول الخطر . الفائض من التزامات صندوق التأمين التعاوني يعود إلى المشتركين كل بحسب نسبة اشتراكه ) بحث اللجنة العلمية . ص :6 .
المناقشة : عود الفائض إلى المشتركين في الصندوق التعاوني ينافي مبدأ التبرع ، وكونه أيضاً يعود إليهم على مقدار حصصهم يشعر بنية المعاوضة .
 
الفرق الرابع : العجز :
     ( في حالة وجود عجز في الصندوق يعتبر خسارة على شركة التأمين التجارية ، وعليها الالتزام بتغطية هذا العجز من رأسمالها أو من احتياطها حيث تعتبر هذه الخسارة ديناً على الشركة.
-وفي التعاوني – في حال وجود عجز يتعين على المشتركين سداده كل بقدر نسبة اشتراكه )السابق
المناقشة : إلزام المشتركين ببذل شيءٍ لم يلزمهم الله به ، لا يقع في باب القرب ، وإنما يقع بمقتضى عقود المعاوضات ، وهو ما يتنصل منه التأمين التعاوني .
 
     تلك أبرز الفروق التي يبرزها دعاة التأمين التعاوني ، غير التطوعي ، وهي في نظري فروق وصفية غير مؤثرة . والفرق المؤثر ، والحد الفاصل بين الحلال والحرام في هذه المسألة هو نية المعاوضة ، وتكييف الصورة بما لا يناقض تلك النية ، أو ينقلها من صفة التبرع إلى صفة الشراكة التي تشوبها محاذير التأمين التجاري ، المتفق على حرمتها ، من غرر ، وميسر، وربا .
     وفي ما شرعه الله لعباده ، ووسع الأمة عبر القرون ، من ضروب التكافل والإحسان ، ومن عقود الإرفاق ، غنية وكفاية . والله تعالى أعلم ، وصلى الله على عبده ونبيه محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً .

روابط التنزيل

 145  0  0  1.2K  01-04-1424 11:15 صباحًا
التعليقات ( 0 )