• ×

منزلة المسجد في المجتمع الإسلامي


إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ، ومن سيئات أعمالنا . من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له . وأشهد أن لا إله إلا الله القائلُ : ( إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ) (التوبة:18) . وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، القائلَ ( من بنى مسجداً يبتغي به وجه الله ، بنى الله له مثله في الجنة ) متفق عليه . أما بعد :

     فيطيب لي أن ألبي دعوة إخواني في ( الجمعية السعودية لعلوم العمران ) في منطقة القصيم ، بالمشاركة في ندوة ( تصميم وبناء المساجد في ضوء الشريعة الإسلامية ) بالحديث عن بعض الجوانب الشرعية المتعلقة بعمارة المساجد ورفعها .
 
المساجد الأولى :
1- المسجد الحرام : قال تعالى : (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدىً لِلْعَالَمِينَ . فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً)(آل عمران: الآيتان :96 ،97 ) . وقال : (وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) (البقرة:125) وقال : (وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) (الحج:26)
 
2- المسجد الأقصى : قال تعالى : (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (الاسراء:1) .
3- المسجد النبوي : قال تعالى : ( لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ)(التوبة: من الآية108) .قال صلى الله عليه وسلم : (هو مسجدي هذا) رواه أحمد .
     تلك سمة المساجد في دين الله : بركة ، وهدى ، وأمن ، ومثابة . وتلك سمة روادها : صلاة ، وتوحيد ، وركوع ، وسجود ، وتقوى وطهر. كما وصفها، ووصفهم في آية أخرى ، فقال : ( فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ . رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ) (النور:36،37) .
     فالمسجد بيت الله في الأرض ، بؤرة النور ، ومركز الاشعاع ، وهو مهوى أفئدة المؤمنين ، ومستراح نفوسهم . كما أنه منتداهم الاجتماعي الذي تتصافح فيه قلوبهم قبل أيديهم ، ويتفقد غنيهم فقيرهم ، ويعلِّم عالمهُم جاهلَهم . بل كانت تعقد فيه الألوية ، وتستقبل الوفود ، وتنشد الأشعار ، وتقام فيه الاحتفالات . لقد كان المسجد، باختصار، قلب المجتمع النابض، وسرة الحي. فلا عجب أن كان أول مشروع عمراني في دولة الإسلام الأولى .
 
عمارة المساجد :
     عمارة المساجد نوعان :
  1- عمارة معنوية : بالصلاة، والذكر ، والاعتكاف ، وقراءة القرءان ، ونحو ذلك من القرب ، كما قال صلى الله عليه وسلم للأعرابي الجاهل ، الذي بال في المسجد : ( إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ، ولا القذر، إنما هي لذكر الله عز وجل ، وقراءة القرءان ) .
   2- عمارة حسية : تتمثل ببنائها بالمواد الخام المتاحة ، وتطهيرها من الأنجاس الحسية ، وتهيئتها للمصلين ، والعاكفين ،كما يفهم من النصوص التالية :
    روى البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن أنس بن مالك ، رضي الله عنه ، قال : (قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ، فنزل في علو المدينة ، في حي يقال لهم بنوعمرو بن عوف، فأقام فيهم أربع عشرة ليلة ، ثم إنه أرسل إلى ملإ بني النجار ، فجاؤوا متقلدين بسيوفهم ، قال : فكأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على راحلته ، وأبو بكر ردفُهُ ، وملأ بني النجار حوله ، حتى ألقى بفناء أبي أيوب . قال : وكان يصلي حيث أدركته الصلاة ، ويصلي في مرابض الغنم . ثم إنه أمر بالمسجد ، قال : فأرسل إلى ملإ بني النجار ، فجاؤوا ، فقال : ثامنوني بحائطكم هذا ، قالوا : لا والله ، ما نطلب ثمنه إلا إلى الله . قال أنس : فكان فيه ما أقول ؛ كان فيه نخل ، وقبور المشركين ، وخِرَب ، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنخل فقطع، وبقبور المشركين فنُبشت ، والخِرَب فسويت . قال : وصفوا النخل قِبلةً ، وجعلوا عِضادتيه حجارةً . قال : فكانوا يرتجزون ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهم يقولون :
     اللهم لا خيرَ إلا خيرَ الآخرة *** فانصر الأنصار والمهاجرة
وفي رواية للبخاري ، وأبي داود ، فجعلوا ينقلون الصخر وهم يرتجزون :
      اللهم إن الخيرَ خيرُ الآخرة **** فاغفر للأنصار والمهاجرة
وزاد رزين : ( وكان رسول الله صلىالله عليه وسلم ينقل اللَّبِن معهم ، ويقول :
       هذا الحِمال لا حِمال خيبر *** هذا أبرُّ ربِّنا وأطهر
ولقيه رجل وهو ينقل التراب ، فقال : يا رسول الله ، ناولني لبِنَتك أحملها عنك . فقال اذهب فخذ غير هذا ، فلست بأفقر مني إلى الله . قال : وجاء رجل كان يحسن عجن الطين ، وكان من حضرموت ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : رحم الله امرءاً أحسن صنعته ، وقال له : الزم أنت هذا الشغل ، فإني أراك تُحسِنه )
 
ترميم المساجد ، وصيانتها :
     روى البخاري وأبو داود عن عبدالله بن عمر،رضي الله عنهما، قال : ( كان المسجد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مبنياً بالَّلبن ، وسقفُه بالجريد ، وعُمُدُه خشب النخل ، فلم يزد فيه أبو بكر شيئاً ، وزاد فيه عمر، وبناه على بنائه في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالَّلبن والجريد ، وأعاد عُمُدَه خشباً ، ثم غيره عثمان ، وزاد فيه زيادة كثيرة ، وبنى جُدُرَه بالحجارة المنقوشة والقصَّة ، وجعل عُمُده من حجارة منقوشة ، وسقفه ساجا ) وفي رواية لأبي داود أيضاً : ( أن مسجد النبي صلى الله عليه وسلم كان سواريه على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من جذوع النخل ، وأعلاها مظلل بجريد النخل ، ثم إنها نَخِرت في خلافة أبي بكر ، فبناها بجذوع النخل ، وجريد النخل ، ثم إنها نخِرَت في خلافة عثمان ، فبناها بالآجُرِّ ، فلم تزل ثابتةً حتى الآن ) القَصَّةُ : الجِصُّ بلغة أهل الحجاز .
 
من أحكام المساجد :
     1- رفعها : قال تعالى : (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ ِ) (النور:36) قال ابن كثير : ( أمر الله برفعها ، أي بتطهيرها من الدنس واللغو ، والأفعال   والأقوال التي لا تليق فيها ) ومن ذلك اللغط ، والخصومة ، والأصوات المنكرة ؛ كنغمات الجوالات ، ونحوها .
     2- تنظيفها ، وتطييبها : عن عائشة ،رضي الله عنها، قالت أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ببناء المساجد في الدور ، وان تنظف وتطيب . رواه أحمد وأهل السنن . قال سفيان : بناء المساجد في الدور، يعني : القبائل ) .
ومن ذلك تبخيرها ، ومراعاة التهوية الجيدة في التصاميم الهندسية ، وتنحية دورات المياه عن موضع الصلاة ، منعاً للروائح المستكرهة .
     3- اتخاذ المنابر في المساجد الجامعة : عن جابر بن عبدالله ،رضي الله عنهما ، أن امرأة قالت : يا رسول الله ، ألا أجعل لك شيئاً تقعد عليه ، فإن لي غلاماً نجاراً ، قال : إن شئت . فعملت المنبر . ) رواه البخاري . وينبغي ألا يبالغ في رفعه ، فقد روى عبدالله بن عمر، رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بدَّن ، قال له تميم الداري : (ألا أتخذ لك منبراً يجمع ، أو يحمل ، عظامك؟ قال : بلى ، قال : فاتخذ له منبراً ، مرقاتين ) أخرجه أبو داود بسند حسن .
      4- اتخاذ المطاهر ( دورات المياه ) قريباً منها: ففي حديث واثلة بن الأسقع،رضي الله، مرفوعاً ، وفي إسناده ضعف : ( واتخذوا على أبوابها المطاهر ) رواه ابن ماجه. قال ابن كثير : (يعني المراحيض التي يستعان بها على الوضوء ، وقضاء الحاجة . وقد كانت قريباً من مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم آبار يستقون منها ، فيشربون ، ويتطهرون ، ويتوضؤون وغير ذلك ) .تفسير القرءان العظيم 6/65 .
     5- تجنب زخرفتها ومحاكاتها لمعابد الكفار : فقد قال الإمام البخاري : قال عمر: (ابنِ للناس ما يكنُّهم ، وإياك أن تحمِّر ، أو تصفِّر ، فتفتن الناس ) . وروى أبو داود عن ابن عباس ،رضي الله عنهما، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما أمرت بتشييد المساجد ) قال ابن الأثير : ( شاد البنيان يَشيده شيداً ، إذا جصصه ، وعمله بالشِّيد ، وهو كل ما طُليت به الحائط من جص وغيره ) النهاية في غريب الحديث : 2/517.
 قال ابن عباس : ( لتزخرفُّنها كما زخرفت اليهود والنصارى ).رواه البخاري تعليقاً، ووصله أبو داود بسند صحيح .الزخرفة : النقوش ، وتذهيب الحيطان ، وتمويهها بالذهب . وعن أنس ،رضي الله عنه، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد) رواه أحمد وأصحاب السنن إلا الترمذي .
     وهذه المغالاة والإسراف في مباني تظهر جلياً في معابد الكفار ، كما في كاتدرائيات النصارى ، وكنائسهم التاريخية ! وكأنهم بذلك يعوضون الخواء الروحي في صلواتهم ، بالشعور بالدهشة والانبهار من رؤية الأساطين الشاهقة ، والتماثيل المنحوته ، والصور الفنية المبثوثة في أرجاء معابدهم . وربما تسللت كثير من أنماط الغلو في عمارة المساجد من جراء محاكاة الفاتحين العثمانيين لأوربا الشرقية ، وتأثرهم بصنيع النصارى في كنائسهم . وقد حدَثت أم سلمة ، وأم حبيبة ،رضي الله عنهما، رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كنيسة رأتاها بأرض الحبشة ، وذكرتا له من حسنها ، وتصاوير فيها، فقال : ( إن أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً ، وصوروا فيه تلك التصاوير . أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة ) متفق عليه .
     وليس المقصود أن تكون عمارة المساجد متضعة ، وحالتها رثة !كلا . بل المقصود أن تجتنب المغالاة ، والمباهاة ، وإحداث الزخارف والنقوش، التي تلهي المصلين وتلحق المسلمين بمشابهة أهل الكتاب والوثنيين في معابدهم . فينبغي أن يكون المستوى العمراني للمساجد متناسباً مع المستوى العمراني للأحياء السكنية في أي مكان ما . 
     6- تحريم البصاق فيها : فعن أنس بن مالك،رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( البصاق في المسجد خطيئة ، وكفارتها دفنها ) متفق عليه . وقد ثبت من طرق متعددة أن النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى في جدار المسجد نخامة تغيَّظ ، وحكَّها ، وجعل مكانها خَلُوقاً ، ونهى عن ذلك .
     7- النهي عن إنشاد الضالة : فعن أبي هريرة ،رضي الله عنه، أنه سمع رجلاً ينشد ضالةً في المسجد ، فليقل : لا ردها الله عليك ، فإن المساجد لم تبن لهذا ) رواه مسلم .
     8- النهي عن البيع والشراء فيها : عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن البيع والشراء في المسجد ) رواه أبوداود ، والترمذي والنسائي ، بسند حسن .
      لقد كان المسجد على مر التاريخ نواة المدائن الإسلامية ، وقصبتها ، وعاصمتها، الروحية ، والاجتماعية . فلا غرو أن يكون محط عناية المسلمين على اختلاف تخصصاتهم، وأن يسعوا للارتقاء بأدائه ليبلغ المستوى الذي كان عليه في فجر الإسلام. وتلك مهمة تستدعي تضافر جميع الجهود . والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل .

روابط التنزيل

 186  0  0  7.6K  10-22-1424 10:27 صباحًا
التعليقات ( 0 )