• ×

الحياء كله خير


إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ,وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ,وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً ، أما بعد :
يطيب لي في هذا الصباح المبارك أن أتحدث عن موضوع شريف له مقام عظيم وله منزلة في الدين معروفة ذلكم هو موضوع : ( الحياء ) , والحياء زينة للمؤمن وهو زينة للنساء على وجه أخص ، وللحياء في الدين مقام عظيم ورد في فضله من النصوص الكثير ، فمن ذلك :
1. مارواه الإمامان البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( الإيمان بضع وسبعون شعبة ـ أو قال : بضع وستون شعبة ـ فأفضلها قوله لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الأيمان ) هذا الحديث العظيم الذي بيّن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيه شعب الإيمان وأنها تتناول اعتقاد القلب وتصديقه وتتناول عمل الجوارح وتتناول أيضاً عمل القلب ، فاعتقاد القلب وتصديقه يتمثل بقول لا إله إلا الله ، وهو أيضاً دليل على أن القول باللسان جزء من مسمى الإيمان , وقوله ( إماطة الأذى عن الطريق ) يدل على أن أعمال الجوارح من الإيمان أيضاً , وقوله ( والحياء شعبة من الإيمان ) يدل على أن أعمال القلوب أيضاً جزء من الإيمان وداخل في حده وتعريفه ولهذا اختار هذا الخلق خلق الحياء ليمثل بقية الأعمال القلبية الشريفة فالخوف والمحبة والتوكل وحسن الظن بالله والأنس به سبحانه كلها أعمال قلبية شريفة لكنه مثلها في هذا الحديث ( حديث شعب الإيمان ) بهذا الخلق الكريم بهذا العمل القلبي الذي ينبض به القلب وهو الحياء فقال : ( والحياء شعبة من الإيمان ) .
2. وفي الصحيحين أيضاً من حديث عمران بن الحصين رضي الله عنهما أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : ( الحياء لا يأتي إلا بخير ) وفي لفظ لمسلم ( الحياء خيرٌ كله ) أو قال : ( الحياء كله خير) وفي هذا الحديث قصة وهو أن عمران بن الحصين ـ رضي الله عنه ـ لما حدّث بهذا الحديث كان هناك فتىً من التابعين فقال يا أبا نجيد : إنا نجد في بعض الكتب أن الحياء منه سكينة ووقار ومنه ضعف فتغيّظ عليه عمران وقال : أقول قال صلى الله عليه وسلم ( الحياء خير كله ) وتقول في صحيفة كذا وكذا فأعاد الرجل فأعاد عمران حتى قال أصحابه الذين حوله يا أبا نجيد : والله إنه منا, والله إنه فينا , ـ يعتذرون لهذا المعترض ـ ، فقوله صلى الله عليه وسلم ( الحياء خير كله ) على ظاهره فكل الحياء خير لا يخرج من ذلك شي أبداً .
3. وفي صحيح مسلم عن سالم عن أبيه رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً يعظ أخاه في الحياء ( أي: أنه أكثر عليه وأمره بترك الحياء وقال أنه يضرك ومن هذا ) فقال ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ ( دعه فإن الحياء من الإيمان ، دعه الحياء من الإيمان ) كما في صحيح البخاري ومسلم .
4. وعن أنس رضي الله عنه مرفوعاً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ماكان الفحش في شيء قط إلا شانه , ولا كان الحياء في شيء قط إلا زانه ) . رواه ابن ماجه والترمذي وأحمد .
ولما أثنى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ على أشج بن عبدالقيس وهو الأشج العصري قال له :
( إن فيه خصلتين يحبها الله الحلم والحياء ) وفي لفظ : ( الحلم والإناة ) .
هذه المنزلة العظيمة للحياء في الدين والشرف الرفيع الذي يحتله هذا الخلق الكريم لابد لنا أن ندرك حقيقة الحياء .ما هذا الحياء الذي تبوأ هذه المنزلة وصار من زينة المؤمنين يقول ابن القيم رحمه الله : ( الحياء من الحياة ومنه الحياء للمطر , لكن هو مقصود وعلى حسب حياة القلب يكون فيه قوة خلق الحياء , وقلة الحياء من موت القلب والروح فكلما كان القلب أحيا كان الحياء أتم ). إذاً فالحياء أخذ اسمه من الحياة وذلك لأن وجود الحياء دليل على وجود الحياة في القلب ، فمن لا يستحي فقلبه ميت, ومن لا يقوم في قلبه حياء فقلبه ميت, وكلما زاد الحياء عند الإنسان كلما كان ذلك دليلاً على حياة قلبه .
وعرف الجرجاني في تعريفاته للحياء :
بأنه انقباض النفس من شيء وتركه حذراً عن اللوم فيه . ثم بيّن أنه نوعان :
1. نفسانيُ: وهو الذي خلق الله تعالى في النفوس كلها , كالحياء من كشف العورة ونحو ذلك .
2. وإيماني وهو أن يمنع المؤمن من فعل المعاصي خوفاً من الله تعالى .
بمعنى : أن خلق الحياء كسائر الأخلاق أصله في النفس لكن الإيمان يزكيه ويهذبّه ويوجهه الوجة الصحيحة كسائر الأخلاق , فمثلاً : الكرم خلقٌ في النفس وضده البخل وأيضاً خلقٌ في بعض النفوس لكن الإسلام والإيمان إذا أتى لرجل عنده أصل الكرم فإنه يوجه كرمه هذا ويحوله بدلاً أن يكون للرياء والسمعة وللفخر والحسب بين الناس يجعله قربة إلى الله تعالى ويجعله صدقةً على المساكين وصلة للأرحام وبراً بالوالدين , ويحولُ بينه وبين الإسراف , كما أن الإسلام إذا جاء إلى خلقٍ معاكس كخلق البخل فإنه يعالج صحابه ويحمله على العطاء ويحول بينه وبين الإمساك والتقتير, فكذلك خلق الحياء منه ماهو طبعيِّ جبلي في أصل الخلقة حتى أن بعض الناس من غير المسلمين يكون عند شيءٌ من الحياء , ويكون عنده لون من الأدب واستحياء من بعض المواقف , حتى ولو لم يكن مسلماً ، ومن المسلمين الذين نقص إسلامهم وإيمانهم ما لايكون عنده الحياء المطلوب الواجب شرعاً، فدور الإيمان ودور الدين أن يعمق هذا الخلق الكريم في النفس ويوجهه الوجة الصحيحة فلا يفقده صاحبه بحيث يقع فيما لا تحمد عقباه ويقع في خوارم المروءة وما يشينه عرفاً وشرعاً كما أنه أيضاً لا يزيد عنده إلى درجة الإحجام عن مواطن الخيرات والتقدم للمبرات والسعي في كل ماهو خير وصلاح .
وربنا سبحانه وتعالى من أسمائه الحسنى الحيي فهو سبحانه وتعالى حيي كريم فالحيي اسم من أسماء الله الحسنى والحياء صفة من صفات كماله اللائقة به سبحانه , فربنا سبحانه وتعالى الذي له الإسماء الحسنى والصفات العلى متصف بصفة الحياء لكن هذا الوصف له سبحانه كسائر أوصافه لا يماثله فيه مخلوق ولا يشابهه فيه أحد , ليس له ندٌ ولا نظيرٌ لا في ذاته ولا في أسمائه ولا في أفعاله ولا في أوصافه فحياؤه سبحانه حياء يليق بجلاله وكماله لا يشبه حياء المخلوقين فإذا كان في حياء المخلوق انقباض وانخساف وإحجام فالله تعالى ليس كذلك بل حياؤه سبحانه يليق كما هو الحال في جميع الصفات التي وصف الله تعالى بها نفسه أو وصفه بها نبيه صلى الله عليه وسلم .
فالله مثلاً سميع والمخلوق أيضاً سميع {إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً} الإنسان "2" , لكن سمع المخلوق ليس كسمع الخالق وبصر المخلوق ليس كبصر الخالق , بل وإن اتفقت الأسماء فإن المسمياتَ تختلف وكذلك هذا الوصف وهو وصف الحياء , فالله سبحانه وتعالى له حياء يليق به ولهذا قال الله تعالى في كتابه : {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا }البقرة26 , فنفي الله تعالى لهذا الأمر وهو أن يضرب مثلاً ببعوضة يدل على أن أصل هذا الوصف ممكن في حق الله تعالى بل هو صفة من صفاته كما ستدل عليه النصوص الأخرى .
ويقول الله تعالى في سورة الأحزاب { وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ }الأحزاب53 فهذا النفي يدل على أن أصل الصفة عند الله سبحانه وتعالى , وفي الحديث عن يعلى رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يغتسل بالبراز بلا إزارـ أي : في مكان بارز ظاهر وليس عليه إزارـ فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ ( إن الله عز وجل حيي ستير فإذا اغتسل أحدكم فليستتر ) رواه ابو داود. وعن سلمان ـ رضي الله عنه ـ عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : "إن الله حيي كريم يسحتي إذا رفع الرجل إليه يديه أن يردهما صفراً خائبتين " وهذا يبّين معنى حياء الرب سبحانه وتعالى فمن حياؤه أن إذا دعاه الداعي لا يرده خائباً , ولهذا جاء في الحديث الصحيح " أنه ما من عبد يدعوا في الأرض دعوة إلا أعطاه بها إحدى ثلاث : إما أن يعجل له دعوته وإما أن يدفع عنه الشر مثلها وإما أن يدخر له ذلك أحوج ما يكون إليها " رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه. فهذا لونٌ من حياء الله سبحانه وتعالى وهو أنه لا يرد الداعي ولا يره يديه صفراً خائبتين .
ومن حياء الله تعالى مارواه الإمام البخاري في قصة النفر الثلاثة الذين دخلوا المسجد وكان في حلقة فأما أحدهم فأوى وجد فرجة فأوى إلى الحلقة وأما الآخر فاستحا فجلس خارج الحلقة وأما الآخر فأعرض فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال عن حال هؤلاء الثلاثة : ( أما الأول فأوى فأواه الله وأما الآخر فاستحيا فاستحى الله منه ـ وهذا هو الشاهد إثبات صفة الحياء لله عز وجل ـ وأما الثالث فأعرض فأعرض الله عنه ) رواه البخاري في كتاب العلم .
ونبينا صلى الله عليه وسلم كان متصفاً بالحياء وهو الذي كمله ربه وشرفه بالأخلاق الفاضلة والصفات الجميلة العالية , كان ـ صلى الله عليه وسلم ـ مجمعاً لصفات الكمال البشري ولهذا قال الله عز وجل : ( وإنك لعلى خلق عظيم ) وكان خلقه ـ صلى الله عليه وسلم ـ القرآن ، فعن أبي سعيد الخدري ـ رضي الله عنه ـ قال : " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد حياءاً من العذراء في خدرها ـ ومن المعلوم أن العذراء في خدرها أشد ما تكون حياءاً ـ فإذا رأى شيئاً يكرهه عرفناه في وجهه" . أي كانت تعابيره صادقة ووجهه مرآة قلبه فإذا قام في قلبه شيء ظهرت آثاره مباشرة على تقاطيع وجهه وسبحات وجهه . حديث متفق عليه.
وروى الإمام البخاري أيضاً من حديث أبي ذر الطويل في قصة المعراج وترِداد النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بين ربه وبين موسى عليه السلام وموسى يطلب من النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يراجع ربه لحط عدد الصلوات من خمسين حتى بلغ خمساً في اليوم والليلة فلما كان الأمر كذلك وقال له موسى: ارجع إلى ربك فسأله التخفيف قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( استحييت من ربي) وروى الإمام مسلم عن أنس رضي الله عنه في قصة زواجه ـ صلى الله عليه وسلم ـ بزينب ـ رضي الله عنها ـ حينما بنى النبي صلى الله عليه وسلم وعمل وليمة العرس وجعل الناس يدخلون أفواجاً أفواجاً يقول أنس رضي الله عنه : وبقي طائفة منهم فأطالوا عليه الحديث ( أي : استمروا في الحديث) فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يستحيي منهم أن يقول لهم شيئاً ولهذا انزل الله سبحانه ما أنزل : ( ولا مستأنسين لحديث إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي منكم والله لا يستحي من الحق ) . فكان من خلق النبي صلى الله عليه وسلم الحياء في مثل هذه المواطن .
وكما روى الإمام مسلم أيضاً من حديث عائشة حينما كان النبي صلى الله عليه وسلم مضطجعاً في بيتها ، كاشف عن فخذيه أو ساقيه ، فستأذن أبو بكر رضي الله عنه فدخل ولم يغير النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ حاله ثم استأذن عمر ودخل ولم يغير النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فلما استأذن عثمان جلس وسوى ثيابه وحين سألته عائشة رضي الله عنها وهي التي لا تغيب عنها مثل هذه الملاحظة لذكائها وحرصها على طلب العلم وحفظها لسنة النبي صلى الله عليه وسلم وقالت : رأيتك فزعت حينما استأذن عثمان فجلست وسويت ثيابك فقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ (ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة ) وفي حديث آخر أيضاً عند مسلم يبين معنى استحياء النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من عثمان ففي رواية أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن عثمان رجل حيي وإني خشيت إن أذنت له على تلك الحال ألا يبلغ إليَّ في حاجته ) أي : النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ استحيى لحياء عثمان وهذا يدل على أن الناس ليسوا على طبقة واحدة في التعامل معهم والحياء منهم , فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يعامل عثمان بغير ما عامل به أبا بكر وعمر ومع أنهما أفضل منه كما هو معلوم , لكن لما كان عثمان شديد الحياء وربما لو دخل على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو على تلك الحال المتبسطة لأصابه حياء وحرج وحينئذٍٍ لا يبلغ حاجته من النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولا يفضي إليه بما جاء من أجله راعى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ هذا الأمر , فلذلك اعتدل في جلسته وسوى ثيابه , وهذا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهذا حياؤه وكان وجهه صلى الله عليه وسلم يتمعر عند المواقف التي تبعث على الحياء وكان ـ صلى الله عليه وسلم ـ يعرف في وجهه الكراهه وكان إذا سمع قولاً فاحشاً قال : ( مه . مه ) مُنكِراً على من يقول ذلك وذلك لقوة هذا الخلق العظيم في قلبه ـ صلى الله عليه وسلم ـ .
وكذلك حال الصالحين من هذا الأمة ومن سائر الأمم , فأنبياء الله كانوا على هذا الحال كان عندهم حياء عظيم , ومن هؤلاء موسى عليه السلام ففي الحديث الذي رواه الإمام البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : ( إن موسى كان رجلاً حيَّياً وذلك قوله تعالى ( يايها الذين امنوا لا تكونوا كالذين أذوا موسى فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيها ) رواه البخاري .
ولعل لهذا الكلام وهذه المقولة سبب , فقد كان بنو إسرائيل يؤذون موسى عليه السلام حتى أنهم كانوا يؤذونه في خاصة نفسه وقد كانت عادة بني إسرائيل أنهم لقلة حياءهم أنهم كانوا يغتسلون عراة ، أما موسى عليه السلام كما في صحيح البخاري فكان لا يرى من جلده شيء , فزعم بنو إسرائيل أنه إنما يخفي عيباً في بدنه فلذلك لا يغتسل عريان , فلما أراد الله تعالى أن يذهب عن نبيه هذه التهمة كان يوم في الأيام يغتسل في مكان ناءٍ وقد وقع ثوبه على حجر فتدحرج الحجر وجرى بثوبه فجعل موسى عليه السلام يتبع الحجر راكضا ويقول : ( ثوبي حجر, ثوبي حجر ) حتى مر بنفسه من بني إسرائيل حتى وهو على تلك الحال فرأوه ورأو أنه في سلامة وعافية وأن ما رُمِي من وصف يعيبه ليس فيه ( فبرأه الله ما قالوا وكان عند الله وجيهاً) .
كذلك روى الإمام البخاري رحمه الله في حديث الشفاعة الطويل أن الناس يوم القيامة يفزعون على آدم ، وآدم يحيلهم إلى نوح ، ونوح يحيلهم إلى إبراهيم ، وإبراهيم يحيلهم إلى موسى ، وموسى يحيلهم إلى عيسى حتى تنتهي النوبة إلى نبينا ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، ماسبب إحالتهم للناس وعدم قيامهم بالشفاعة للناس عند رب العالمين ؟ سبب لك بالنسبة لهم قول كل واحد منهم سوى عيسى عليه السلام أنه يقول ( لست هناكم ) ويذكر ذنبه فيستحي , آدم ونوح وإبراهيم وموسى كل منهم يذكر ذنباً أذنبه في الدنيا فيستحي أن يشفع عند الله عز وجل وهذا دليل على صدق هذا الشعور وصدق هذا الخلق في نفوسهم .
وكان أيضاً من حياء هذه الأمة مارواه الإمام مسلم وغيره من حديث علي رضي الله عنه قال : كنت امرءاً مذاءاً وإني استحيي فاسحييت أن أسأل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لمقام ابنته منه فلما كان في قلبه هذا الحياء لم يسكت ويمتنع عن السؤال وعن الفتيا بل نوّب أحداً غيره يقوم بالسؤال وذلك لما يجد من غلبة الحياء عليه .
وأختم بالأمثلة بقصة يعرفها كل إنسان تمثل حياء المؤمنات الصالحات وهي قصة ابنتي صاحب مدين هي جزء من قصة موسى الطويلة وفيه يقول الله تعالى : {فَجَاءتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاء قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا ... }القصص25 . تأمل هذا الأدب ( جاءته إحدهما ) لأنه لم يكن لهما ولي يستطيع ويقدر أن يأتي بنفسه فاضطرت إلى المجيء ولما جاءت ، جاءت وهي على استحياء ، تكاد أن تتعثر في مشيتها فالحياء يكون حتى في المشية بخلاف مانرى من كثيرٍ من فاقدات الحياء حين تمشي مشية الرجال وتمُد خطاها وكأنها في ميدان للفروسية أما هذه المؤمنة التقية الورعة الحيية فكما وصفها الله عزوجل ( جاءته تمشي على استحياء ) وقالت قولاً قاصداً قولاً معبراً لا توسع فيه ولا زيادة . قالت : ( إني أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا ) لو حاول كل واحد منا أن يختصر هذه العبارة أو هذا المعنى اختصاراً غير مخل لما أتى بأقل ماقالت هذه الفتاة المؤمنة ، بل إنني أقول إن الحياء كان عند الناس حتى في جاهلتيهم لأن الحياء وصف في أصله نفسيّ ولهذا روى الإمام البخاري عن أبي سفيان رضي الله عنه حين كان على الشرك وحينما استدعاه هرقل في زمن صلح الحديبية فسأله سؤالاً وكان قد نصب خلفه أصحابه لكي يبينوا كذبه لو كذب يقول أبو سفيان : لو لا الحياء أن يأثروا على كذباً لكذبت في تلك المسألة . لكن انظروا حتى وهو رجل جاهلي مشرك في ذلك الوقت منعه الحياء أن يؤثر عنه الكذب .
مثال آخر : في حديث رواه الإمام مسلم عن أبي موسى الأشعري ـ وهو حديث طويل فيه قصة مقتل أبي عامر رضي الله عنه ـ وكان قد أصابه رجل في ركبته بسهم فجاء إليه أبو موسى الأشعري وهو على تلك الحال فقال له من أصابك , فذّكر رجلاً فذهب أبو موسى يطلبه ليقتله يقول أبو موسى رضي الله عنه ، فقصدت له فعتمته فلحقته ـ أي ذلك الرجل المشرك ـ فلما رآني ولى عني ذاهباً ـ أي هرب ـ فاتبعته وجعلت أقول له : ألا تسيحي , ألست عربيا , ألا تثبت انظروا كيف أثار عنصر الحياء وقيمه الحياء في رجل مشرك أبو موسى رضي الله عنه يريد إن يستوقف هذا الفار وهذا الهارب فذكره بعروبته وأنه ليس من أخلاق العرب الفرار ، وقال له ألا تستحي , ألست عربياً , ألا تثبت , فكف الرجل فقاتله أبو موسى حتى قتله ـ رضي الله عنه ـ .
بل إن الشاعر الجاهل يقول في قصيدته :
وأغض طرفي إن بدت لي جارتي *** حتى يواري جارتي مأواها
إذاً هذا الخلق الكريم خلقٌ يتزين به الناس جميعاً لكنه لا يكتمل ولا يجتمع ولا يكون نافعاً لصاحبه يوم القيامة ولا مُقرِبا إلى الله تعالى إلا عند المسلمين الذين يعتقدون أنه قربة لله تعالى ويتابعون فيه نبيهم ـ صلى الله عليه وسلم ـ .
بعد ذلك نتحدث عن أمورٍ تنافي الحياء وليست من الحياء حتى تحذرها الأخت المسلمة وتكف عنها, فإن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى : ( إذا لم تستح فاصنع ماشئت ) فما معنى هذا الكلام ؟ ما معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( إذا لم تستح فاصنع ماشئت ) ؟
يقول ابن القيم في توجيه هذه الجملة قولان : أحدهما أنه أمر تهديد ومعناه الخبر أي: ما لم يستح صنع ماشاء ( إذا لم تستح فاصنع ماشئت ) ، مثل قول الله تعالى للكفار { اعْمَلُوا مَا شِئْتُم}فصلت40 , ( اعملوا ) هذا تهديد وليس المراد أن في ذلك إباحة لفعل للمحرمات أو ترك الواجبات أو البقاء على الشرك .
المعنى الثاني : أنه أمر إباحة أي : انظر إلى الأمر الذي تريد أن تفعله فإن كان مما لا يستحى منه فافعل. لكن المعنى الأول أصح وأشهر وهو الأكثرين .
والمراد بالمعنى الثاني ـ وإن كان معنى صحيحاً وتوجيهه صحيح ـ أي مثل ما قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ( استفت قلبك وأن أفتاك الناس وأفتوك ) أي : إذا لم تجد في هذا الأمر الذي تقدم عليه مايستحى منه عادة فافعل فإن ذلك يدل على صوابه وأوامر الشرع دائما موافقة للعقل والفطرة .
لذلك نقول إن الحياء زينة الفتاة المسلمة , إن الحياء أخص وصف تتزين به الفتاة المسلمة , وقد كانت نساء الأنصار ـ رضوان الله عليهن ـ يغلب عليهن الحياء حتى أخبرت عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت: رحم الله نساء الأنصار ما إن نزلت آية الحجاب حتى قامت إحداهن وشقت أسفل ثوبها فعتجرت به ـ أي غطت وجهها ورأسها ـ وصلين الفجر مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهن معتجرات وكن ـرضوان الله عليهن ـ إذا مشيين في السوق يؤثر الجدار في جلابيبهن لشدة إلتصاقهن بالجدران ، هذا هو حال المرأة المسلمة .
ولهذا نقول إن الحياء في هذا الزمان قد انحسر وانهزم في نفوس كثير من فتياتنا وبناتنا ولعل من أعظم أسباب ذلك هو ماتراه الفتيات في وسائل الإعلام من صور مشينة تخدش الحياء وكما قيل : ( فإن كثيرت الإمساس تفقد الإحساس ) أن الفتاة المؤمنة الصالحة التي تربت في بيت نقيٍ نظيفٍ طاهر حينما يجتال بصرها الصور الفاجرة الصور المحرمة وحينما يثب سمعها لسماع الأصوات الفاجرة المتهتكة فإن هذا الجوهر المصون في قلبها وهو الحياء ينخدش شيئاً فشيئاً حتى يكاد يذهب .
فلا بد للأخت المسلمة أن تنظر في الأسباب التي تفقد الحياء فتتجنبها حتى لا تفقد أعز ما تملك من خلقها ودينها .
من ذلك أيتها الأخوات ما وقعت فيه بعض بناتنا وأخواتنا ونسائنا هداهن الله مما يخالف هذا الخلق الكريم ما يكون في اللباس فمن ذلك مثلاً لبس القصير فكيف تطيب نفس الفتاة المؤمنة والمرأة المؤمنة أن تتزيا بزي الكفار وتتزيا بزي أهل النار من النساء اللاتي رآهن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في النار يعذبن ( كاسيات عاريات ) إما لأنهن يلبسن القصير فيكتسي بعض أجسامهن ويظهر البعض الآخر , وإما لأنهن يلبسن الضيق الذي يصف الجسم ويبين مفاتن المرأة . هذا صفة نساء أهل النار . فاتق الله يا أمة الله أن تتصفي بهذا الصفة فتُحشرِي معهن .
وإن ما يخدش الحياء في اللباس ما تفعله بعض الفتيات من لبس ملابس تحمل عبارات ورسوماً مخلة بالحياء كأن تكون عبارة أجنبية سيئة المعنى , قد لا تعني الفتاة هذه الكتابة لكن ينبغي أن تسأل وأن تقول على ما تدل فقد تدل على كلمة فاجرة خبيثة كما هو معلوم موجود مشاهد وعندنا عينات منه مما هو متداول في بعض المحلات وبعضها يحمل رسوماً أيضاً لا ينبغي للمرأة أن تحمله بل لا يجوز لها ذلك , كأن تكون صور لبعض أعلام الكفار وصلبانهم وشعارتهم الخاصة بهم ونحو ذلك .
وكذلك مما يخدش الحياء في اللباس والأصل فيه التحريم عموم التشبه وهو أن تلبس الفتاة لباساً من لباس الكافرات علم عليهن يعرف بأن هذا اللباس من لباس الإنجليز مثلاً أو لباس اليهود أو من لباس الأمريكان أو نحو ذلك من أمم الكفر .
وكذلك مما يتصل بهذا مما يخدش الحياء في اللباس ما تعمد إليه بعض نسائنا فتياتنا حينما ترتدي عبادة مُطرزة أو لها شي يلفت الإنتباه أو نحو ذلك , فكأنها تقول للآخرين هلمو إليَّ وانظروا إلى زينتي وهذا هو ما لا ترضاه الفتاة المؤمنة التقية .
ومما يخدش الحياء في اللباس أيضاً أن تكون الفتاة المسلمة أسيرة لمتابعة الموضات الوافدة فكلما تفتق ذهن الغرب عن شيء من هذه الموضات , وقذفت زبالة أفكارهم بشيء من هذا إذا بفتياتنا يجرين خلفها إما بلباس , أو قصة شعر , أو نحو ذلك , فالواجب على الفتاة المسلمة في لباسها أن يكون مظهرها دالاً على مخبرها وألا يكون الأمر متناقض بل يكون الظاهر موافق للباطن .
أيضاً مما ينافي الحياء , وليس من الحياء في أمر المخاطبة والمكالمة والحديث ما يجري من بعض فتياتنا أحيانا غفلة وأحيانا رقة دين , ما يجري في الهاتف حيث تتوسع الفتاة المؤمنة في الحديث مع الرجال بدون مبرر . أنا لا أتحدث فتيات يعاكسن أو يقبلن المعاكسة هذا خارج الحديث وهؤلاء الفتيات أو النساء هن في قسم الفاسقات ولسن في قسم المؤمنات التقيات لكنني ألفت الإنتباه إلى أن بعض أخواتنا الصالحات الغافلات قد تتوسع في الحديث مع الرجال في الهاتف بدون مبرر فيتصل الرجل ليسأل عن أحد من أهل البيت فتجيب بجواب مطول ثم ربما يطمع الذي في قلبه مرض فتزيد في الكلام معه وربما ضحكت وربما ..... إلخ .
هذا ينبغي للأخت المسلمة أن تتمثل في قصة بنت صاحب مدين وأن تتذكر أن تقول قولاً قاصداً يكفي ويشفي لا مزيد فيه ولا توسع .
كذلك عند الباب عندما يُطرق الباب فترد على من باب أو على طريق ( انترفون ) أو غير ذلك فالواجب عليها أن تختصر في الكلام وتجيب على قدر السؤال وإذا رأت من المتكلم زيادة لا داعي لها قطعت الكلام وسكتت .
كذلك مع الباعة في الأسواق ، بعض النساء هداهن الله ولعل هذا غفلة منهن حينما تدخل المحل تأخذ تماكس البائع ـ أي : تكاسره في السعر ـ وربما ألانت العبارة إلى درجةٍ بالغة , وهذا مالا يجوز بل الواجب على الفتاة المسلمة أن تتقي هذا الموقف وأن تصطحب زوجها أو أخاها أو نحو ذلك من قربتها ليقوم بالحديث عنه , فإن غلبت الروم وكان لابد من ذهابها بمفردها فلتذهب مع بعض صويحباتها , فإن قُدِر أنها بقيت لوحدها فلتقتصد بالكلام ولا تتزيد فيه فإن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم .
كذلك أنبّه في هذا الباب وهو ما يتصل بالحديث والكلام على ما يقع من بعض النساء والفتيات من توسع في الكلام مع غير ذوي المحارم من قرابتهن بعض النساء تعتقد أن ابن عمها أو ابن خالتها أو ابن عمتها أو نحو ذلك أو حتى زوج أختها أو أخو زوجها أو نحو ذلك من الأقارب الذين يكثر الإحتكاك بهم ودخولهم إلى المنازل أن الحديث معهم لابأس فيه ولا غبار عليه , والحق أن الأمر أشد وأخطر فالواجب على المرأة أن تتقي هذا أكثر ولهذا لما قال الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ لإصحابه : ( إياكم والدخول على النساء ) فقال رجل يارسول الله (أرأيت الحمو ) ـ وهو أخو الزوج ـ فقال الرسول صلى الله عليه وسلم ( الحمو الموت ) ( الحمو الموت ) وذلك لأن حديث المرأة وإختلاطها بهؤلاء ودخولهم عليها مما يبرر إجتماعياً ويفسر , فلذلك كان الحذر منه على درجة أشد فعلى الأخت المسلمة أن تتقي الله ـ سبحانه وتعالى ـ وفي الحديث مع غير ذوي المحارم وألا تتوسع في ذلك
كذلك أشير أيتها الأخوات الكريمات وأسأل عزوجل الله لنا ولكن التوفيق إلى أمرٍ خطيرٍ شاع في هذا الأيام وهو التساهل في أمر الخلوة لا أتصور فتاة مسلمة . أخت مسلمة . زوجة مسلمة . أم مسلمة . ترضى لنفسها أن تكون هي وأجنبي في مقام واحد ليس بينها ثالث إلا الشيطان , هذا ومع ذلك فإن هذا يجري كثيراً ، يجري كثيراً في البيوت , ويجري كثيراً مع السائقين , حينما تقول : ( مالقيت أحد . ماوجدت أحد يذهب معي ) ونحو ذلك أو تصطحب معها ما لا تقوم به حجة كأن تصطحب معها طفلاً صغيراً لا يدفع عن نفسه ولا عن غيره ، فالواجب على المرأة أن لا تركب مع سائق إلا ومعها محرم تجنباً للخلوة المحرمة وقد أخبر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بأنه ( ماخلا رجل بإمرأة إلا وكان الشيطان ثالثهما ) .
وكذلك الخلوة في المحلات إذا أقبلت على المحل وكنت لوحدكي ورأيتي المحل فارغاً فلا تدخلي على صاحب المحل لأن هذا لون من الخلوة لاسيما هذه المحلات التي توجد في دهاليز الأسواق النائية عن المجرى العام للشارع .
هذه بعض التنبيهات الذي تتعلق بأمر الحياء والتي تنافي الحياء ولا يليق بالمرأة المسلمة أن يحصل عنها هذا الشيء لكنني أعقب على أمر هو في الحقيقة لا ينافي الحياء ولا يعارضه وهو ما نبهت إليه عائشة في الحديث الذي رواه الإمام البخاري تعلقياً قالت رضي الله عنها : ( نعم النساء نساء الأنصار ، لم يمنعهن الحياء ، أن يتفقهن في الدين ) .
وساق الإمام البخاري , قالت جاء أم سليم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : يارسول الله إن الله لا يستحى من الحق , فهل على المرأة غسل إذا احتلمت فقال ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ : (إذا هي رأت الماء ) فهذه المرأة العاقلة اللبيبة الحازمة سألت هذا السؤال مع أنه مما يثير الحياء في أصله لكن لغلبت المصلحة سألت لنفسها ولبنات جنسها ، فكثير من النساء لا يعلم بهذا الأمر, ولهذا لا يجوز للفتاة المسلمة أن تكتم شيء من خصوصياتها بحجة الحياء ، بعض الفتيات يصيبها الحيض مثلاً أو مثلاً الإحتلام أو نحو ذلك فتستحي من السؤال وقد تتعبد لله عزوجل على غير طهارة لا يمنعها إلا الحياء فهذا حياء مذموم ليس بحياء في الحقيقة بل خجل وانكسار وقد أخبر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (بأن اثنان لا يتعلمان المستحي والمستكبر ) , ومثل هذا الأمر لا يستحيى منه وإن غلب الحياء صاحبه في مثل هذه الأمور فيفعل فعل علي رضي الله عنه ليوكّل أحداً يسأل له ويأتيه بالإجابة .
هذا وأسأل الله سبحانه وتعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يوفقنا وإياكن لما يحب ويرضاه وأن يزيننا بزينة الإيمان وأن يهدينا لأحسن الأخلاق وأحسن الإعمال فإنه لا يهدي لأحسنها إلا هو ،وأن يصرف عنا سيء الأخلاق وسيء الإعمال فإنه لا يصرف سيئها إلا هو .وجزى الله الجميع خير الجزاء وجعل ما نقول حجة لنا لا علينا وأن يجعلنا وإياكن ممن يستمع القول فيتبع أحسنه .
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ونبيه محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

 

 
فتاوى ملحقة بالمحاضرة
السؤال الأول :
فتاة تسأل عن حكم لبس الفساتين القصيرة عند المحارم وتسأل عن حكم البنطلون والبلوزة ذات الأكمام القصيرة عند المحارم ؟
الجواب :
جميع هذه الصور قد أشرنا إلى القاعدة العامة فيها وقلنا أن هذا ما يخدش الحياء فلا يجوز لبس القصير عند المحارم , ولا كذلك البنطال وقد منع شيخنا محمد بن صالح العثيمين ـ رحمه الله ـ من لبس البنطال ( البنطلون ) لما فيه من الفتنة .
السؤال الثاني :
ما حكم وضع العطر والخروج إلى الأسواق ؟
لا يجوز للمرأة أن تتطيب وتخرج إلى السوق , بل ولا تتطيب وتخرج للمسجد فإن فعلت ذلك فهذا لون من الزنا ومقدماته لأنها تعرض نفسها للفتنة .
السؤال الثالث :
ما حكم كشف الطبيب على المرأة المسلمة ؟
لا يجوز إلا عند الضرورة بأن لا يوجد طبيبةٌ مسلمة , وأن يتعيّن هذا الكشف يعني يحتاج الأمر وليس من باب التوسع , فإذا تعين ذلك جاز دفعاً للضرورة .
السؤال الرابع :
ما حكم لبس العدسات الملونة وغير الملونة ؟
أما لبس العدسات على سبيل العلاج فهذا لا بأس به كلبس النظارات , كأن تلبس عدسات لاصقة لتعديل البصر هذا لا شيء فيه أما لبس العدسات فقد أفتى شيخنا محمد بن صالح العثيمين ـ رحمه الله ـ أنها إذا كانت على هيئة ألوان عيون حيوانات كالقطط ونحوها أن هذا من التشبه المحرم ولا يجوز .
السؤال الخامس :
أن بعض المعلمات تُفضل بعض الطالبات الممتازات وتزيدهن اهتماماً على غيرهن من المستوى المتوسط فما تعليقكم حفظكم الله .
الواجب على الجميع ، كل من كان له ولاية ورعاية واستأمنه الله سبحانه وتعالى على أحد من خلقه أن يعدل بينهم , يجب على كل معلمٍ ومعلمة وكل مسؤولٍ ومسؤولة أن يتقوا الله تعالى فيما استرعاهم عليه فإن الله سبحانه وتعالى لم يجعل ذلك لهم تشريفاً بل هو تكليف وتشريف في آنٍ واحد, فيجب العدل ، وإذا كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : في شأن الأبناء على ما يوجد من المحبة الطبيعية والحنان قال ( اتقوا الله واعدلو بين أولادكم ) فكيف الأمر بشيء ليس فيه دافع طبعي وحنان أصلي فيجب على كل معلمٍ ومعلمة وكل مسؤولٍٍ ومسؤولة أن يتقوا الله فيمن تحت ولايتهم وأن يعاملوهم معاملة واحدة لا تفريق فيها بين أحد لسبب من الأسباب الشخصية, لكن من أحسن فيقال له أحسنت ومن أساء فيقال له أسأت , فيجوز للمعلمة بل له ينبغي لها أن تثني وتشكر الطالبة المتفوقة وأن تعلي ذكرها بين زميلاتها ليقتدين بها ، وأيضاً تلوم أن وتعاتب الطالبة المقصرة بسبب تقصيرها ، أما الإعتبارات الأخرى فلا يجوز ولا تسلم من الإثم حينئذٍ .
السؤال السادس :
امرأة متزوجة وزوجي مدمن على شرب الدخان ويلعب الورقة ـ البلوت ـ ليلة الخميس وقد نصحته مراراً ولا ينتفع فهل تأثم في بقائه معه ؟
ليس في بقائها معه حرج لهذا الوصف الذي ذكرت وهو شرب الدخان أو لعب الورق بل الواجب عليها أن تحسن عشرته وأن تستمر في نصيحته ولتحمد الله ـ تعالى ـ على أنها لا تجد عليه إلا هذين الوصفين على أنهما شر لكن هناك من ابتليت برجل لايصلي أو لا يصلي مع الجماعة أو رجل يشرب خمراً ـ نسأل الله العافية ـ فلنحمد الله ـ تعالى ـ على أنها لا تجد عليه إلا هذين الوصفين، ومع ذلك فإنه ينبغي لها أن تستمر بنصحه ودعوته ولا تنفره أو تحمله على أن تأخذه العزة بالإثم وإن تدعوا له بظهر الغيب لعل الله أن يعافيه مما ابتلاه .
السؤال السابع :
هل الدعاء في صلاة الاستخارة يكون قبل التسليم أو بعده :
هذا مما اختلف فيه ، وظاهر الحديث يدل على أنه بعده لأن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول: ( إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم ليقل ... ) فكلمة ( ثم ) تدل على وجود تراخي في الأمر , وبعض العلماء قال إن الدعاء والإنسان متلبس بالعبادة خير وأكمل وأتم من خروجه منها ويصدق على من دعا الله سبحانه ـ وتعالى ـ قبل أن يسلم أنه ركع ركعتين , ولكن في ظني أن المعنى الأول أقرب إلى اللغة بدلاله كلمة ( ثم ) لقوله ( ثم ليقل ) .
السؤال الثامن :
ماحكم الغش سواء كان بفتح الكتاب , أو بنقله من الكتاب أو نقله من زميلتها أو تملي الاجابة لزميلتها أو الكتابة على الطاولة ؟
الغش بجميع أنواعه محرم مهما تعدت صورة وقد قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ( من غش فليس منا ) , بل إن الغش في هذه الأمور العلمية خطره أعظم لأنه يفوت فرصة الفهم والتحصيل العلمي على المتعلمة , لأنها إذا نقلت من زملتها فالغالب أنها تنقل نقلاً تصويراً , هي والآله الفوتغرافية سواء , لأنها تريد فقط تعبئة السطور بأي كلام كان وتفوّت على معلمتها هدفاً تربوياً وهو أن تسعى الطالبة لاستخراج المعلومة من خلال التقليب بالكتاب واستباط الجواب ، فالغش بجميع أنواعه محرم لا يجوز.
السؤال التاسع :
حكم لبس النقاب ؟
النقاب إنما ورد النهي عن لبسه للمحرمة , والنقاب التي تعمد عليه بعض النسا ء الآن وهو ما يكون على هيئة شق ويظهر بعض الوجه هو بهذه الصفة لا يجوز لأنه يظهر الوجنتين وشيء من الجبهة وغير ذلك ، فينبغي على النساء أن يحافظن على هذه الإسلوب التي تفعله نساءنا ولله الحمد من قديم مايسمى ( الغدفة ) فإنه ترى من خلالها وتستر وجهها .
السؤال العاشر :
ما موضع قطع القبلة ، وما مقدراه ، والذين يقطعون القبلة وهل تعاد الصلاة عند قطعها ؟
موقف الإنسان إذا كان قام يصلي ينبغي أن يكون له سترة وأن يكون بينه وبين سترته قدر ممر شاة يعني في حال سجوده يكون بينه وبين موضع السترة قدر ممر شاة , وفي حال قيامه يكون بينه وبينها مقدار ثلاث أذرع , هذا هو موقف الإنسان لدى السترة ، فإذا هم أحد أن يمر بين الإنسان وبين سترته فإنه يجب عليه أن يدافعه دافعاً شديداً ، حتى لو قاتله في ذلك قتالاً كما قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقد قال : ( فقاتله فإن معه القرين ) أما إذا لم يكن قد وضع لنفسه سترة ومر أحد من بعيد بحيث لا تناله يده فإن هذه ليس قطعاً , لكن إذا مر أحد بينه وبين سترته التي وضعها فينظر فهناك ما يقلل الصلاة ولا يبطلها , وهناك ما يبطل الصلاة وقد أخبر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بأن المرأة والحمار والكلب الأسود أنها تقطع الصلاة أي أنها تفسدها وتبطلها , فيجب على الإنسان أن يعيد صلاته , والمقصود بالمرأة هي: المرأة البالغة التي قد حاضت لا الطفلة الصغيرة ، أماما سوى الثلاث المعدودة في هذا الحديث فإنها تنقص الصلاة لكنها لا تبطلها .
السؤال العاشر :
ما حكم لمس المصحف من خارجه أو لمس طرف منه دون طهارة ؟
بين أهل العلم خلاف في مس المصحف , وهل يشترط له الطهارة أو لا , والأحوط أن الإنسان لا يمس المصحف إلا متوضأ وغلافه منه .
السؤال الحادي عشر :
هل الإنسان إذا نسي التشهد الأول يسجد سجود السهو أم يتم إعادتها أم يكمل صلاته سواءاً سهواً أو شكاً :
إذا قام المصلى عن التشهد الأول فإن لم يستتم قائماً وجب عليه الرجوع , بأن يعتدل فإنه يرجع ويؤدي التشهد الأول ثم يسجد للسهو بعد السلام لأنه حصل في الحقيقة زيادة حركة في صلاته وهي ذلك القومة التي لم تتم فلذلك عليه أن له يسجد بعد السلام ، أما إذا اعتدل قائماً فإنه يتم صلاته ويسجد قبل السلام لأنه صلاته قد نقصت هذا في حال التيقن أما إن كان عند الإنسان شك قي هذا فإنه ينظر إن ترجح عنده أحد الأمرين عمل بما ترجح به , وفق ما ترجح ويسجد بعد السلام وإن لم يترجح عنده أحد الأمرين فإنه يبني على اليقين وحينئذٍ يسجد قبل السلام .
السؤال الثاني عشر :
إذا نذر أن يذبح شاة هل يأكل منها ؟
أولاً: ننبه إلى أنه لا ينبغي للإنسان أن ينذر مثل ما يفعل كثير من الناس يقول : إن فعل الله لي كذا . إن حصل علي كذا فلله علي أنذر أن أفعل وأفعل ... , ذهب بعض العلماء إلى تحريمه وأقل أحواله في الحقيقة الكراهة ولهذا قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : ( النذر لا يأتي بخير , وإنما يستخرج به من البخيل ) فلا ينبغي للإنسان أن يلزم نفسه بما لم يلزمه الله به ، لكن إن فعل فإنه يجب أن يوفي بنذره إذا كان نذر طاعة وهذه التي نذرت أن تذبح شاة يجب أن ننظر : إن كانت نذرت أن تذبح الشاة لتوزعها على الفقراء فإنه لا يجوز لها أن تأكل منها ، وإن كانت قصدت أن تذبح شاة لتتقرب إلى الله بنفس الذبح لأن مجرد الذبح وإراقة الدم مع ذكر الله ـ تعالى ـ عليه هو بحد ذاته عبادة وقربة إلى الله سبحانه وتعالى ،فإن لم تكن أرادت التوزيع على الفقراء فلها أن تأكل منها وتطعم منها أصداقائها منها على سبيل الهدية ولها أيضاً أن تتصدق فينظر ماذا قام في قلبها حين نذرت .
السؤال الثالث عشر :
إذا وجدت الطالبة أشياء مفقودة كالذهب والمال داخل المدرسة أو خارجها ما الحكم فيها؟
هذه الأمور تسمى لقطة أي : مايلتقط فما دامت أنه تتبعه همة أواسط الناس فيجب فيه التعريف أن تعرف حولاً كاملاً بخلاف لو وجدت شيئاً مما لا تتبعه همة أواسط الناس كأن تجد قلم رصاص ، أو مساحة , أو نحو ذلك فهذا لا بأس بالتقاطه وأخذه هذا أمر عادي إلا أن تعرف صاحبه أصلاً أي : أنه لا يلزمها التعريف , لكن إن وجدت ذهباً ونحو ذلك فإذا كان ذلك داخل مؤسسة معينة كالمدراس مثلاً فإن عليها أن تسلمه إلى إدارة المدرسة ، لتقوم الإدارة عن الإعلان عن وجود شيء مفقود وتأتي صاحبته وتأخذه .
السؤال الرابع عشر :
هل يجوز سب الأبناء بلفظ : خنزير ، فاجر ، طاغوت . والمؤمن بحالة الغضب ؟
لايجوز ذلك أبداً بل إن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ نهى عن هذا الأمر بعينه ، ففي الحديث الذي رواه الإمام المسلم رحمه الله أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان في سفر فكان مع رجل منهم بعير أذاه وأتعبه في مسيره فقال : ( يامعلون ) أو كلمة نحوها فقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : سيبه لايتبعنا أو لايصحبنا ملعون ثم قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ( لا تدعوا على أنفسكم ولا على أموالكم فعسى أن يوافق ذلك ساعة إجابةٍ من الله فيستجيب لكم ) , فينبغى للوالدين أو الأخوة والأخوات إذا حصل منهم تغيظ وغضب على بعض صبيانهم أن يتقوا الله ـ عز وجل ـ وأن لا يدعوا بسوء , وأن يعودوا ألسنتهم على كلمة طيبه يقولونها في حال الغضب كأن يقولون : الله يهديك ، الله يصلحك ، هداك الله , أو كلمة نحوها . وإذا عوّد الإنسان نفسه على ذلك سبقت إلى لسانه وسلم من مغبتها إن شاء الله .
و صلى الله وسلم على أشرف الأنبياء والمرسلين

 

1. محاضرة لفضيلة الشيخ / أحمد بن عبدالرحمن القاضي في الثانوية الأولى بعنيزة 24/6/1415هـ بعنوان : الحياء كله خير .

روابط التنزيل

 213  0  0  4.4K  03-07-1429 10:16 صباحًا
التعليقات ( 0 )