• ×

مسائل في الإحرام للقادم إلى جدة


الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده .أما بعد :
فإن نبينا صلى الله عليه وسلم قد وقَّت المواقيت المكانية لأهل الأمصار، ثم قال : ( هنَّ لهم، ولمن أتى عليهِن، من غيرهن، ممن أراد الحج والعمرة. ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ.، حتى أهل مكة من مكة ) متفق عليه من حديث ابن عباس، وهذا لفظ البخاري.
فلا يحل لمريد النسك أن يتجاوز أياً من هذه المواقيت إذا مر بها، أو حاذاها، براً، أو بحراً، أو جواً. فإن تجاوزها، ولم يحرم، لزمه أن يرجع إلى الميقات الذي مر به، فيحرم منه. فإن أحرم بعده، لزمه، عند الفقهاء، دمٌ يجبر به ترك هذا الواجب.
وقد أشكل على كثير من الناس مسائل في الإحرام لمن قدم جدة، وما كان في حكمها دون المواقيت، كالشرائع ، وبيانها كما يلي :
أولاً: من قدم (جدة) مريداً للنسك، لزمه أن يحرم عند محاذاة الإحرام جواً، ولا يجوز له أن يؤخر الإحرام إلى نزوله في جده .
ثانياً: من قدم جدة بنية النسك، والنزهة أو العمل، معاُ، فلا يجوز له أن يؤخر إحرامه إلى بعد الفراغ من نزهته أو عمله، لأنه صدق عليه أنه مر بالميقات مريداً للنسك، فوجب عليه أن يحرم منه. والذي ينبغي لهؤلاء أن يبادروا بأداء العمرة بمجرد وصولهم جدة، ثم يحلوا منها، ويتفرغوا لأعمالهم أو نزهاتهم ، حيث أنه يشق عليهم أن يفعلوا ذلك بملابس الإحرام .
ثالثاً: من قدم جدة ، وهو من أهلها، ويريد في وقت من الأوقات أن يأتي بعمرة، لم يلزمه أن يحرم من الميقات، لأنه قادم إلى بلده .
رابعاً: من قدم جدة متردداً في أداء النسك، لم يلزمه أن يحرم من الميقات. فإن استقرت نيته على أدائه، أحرم من منزله في جده .
خامساً: من قدم جدة غير مريد للنسك، ثم طرأت عليه النية بعد وصوله، فإنه يحرم من منزله في جدة، ولا شيء عليه، ولا يلزمه الذهاب إلى أي من المواقيت، لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث السابق: (ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ) وجدة دون ذلك
سادساً: من مرَّ جدة مجتازاً إلى غيرها، وهو ينوي في آخر سفرته أن يأتي بعمرة، فلا يلزمه أن يحرم من الميقات الذي سبق دخوله جدة، لأنه حين مر به لم يكن مريداً لمكة، بل غيرها. فإذا عاد مريداً مكة أحرم من أول ميقات مر به . فمثلاً : من خرج من المدينة قاصداً الطائف، ومرَّ بجدة، أو أقام بها في طريقه إلى الطائف، فلا يلزمه أن يحرم من ذي الحليفة (أبيار علي) ، بل يحرم من قرن المنازل (السيل، أو وادي محرم) حين رجوعه من الطائف إلى مكة . ومن خرج من أبها يقصد الطائف، ثم يعتمر بعد ذلك، لم يلزمه أن يحرم من يلملم (السعدية) ، ولا يرجع إليه ، لأنه حين مرَّ به كان مريداً الطائف. فيحرم من قرن المنازل. ومن خرج من القصيم قاصداً الطائف، عن طريق جدة جواً، وهو يريد أن يختم سفرته بعمرة، لم يلزمه أن يحرم في الطائرة، بل يحرم إذا خرج من الطائف مريداً مكة من قرن المنازل، للتعليل السابق. ولو خرج رجل من أهل جدة يريد الطائف، ثم يعتمر بعد ذلك، أحرم من قرن المنازل. ولهذا لا حرج على المصطافين بالطائف الذين ينوون العمرة لاحقاً، أن يخرجوا إلى المنتزهات الواقعة على طريق الهدا، بعد الميقات، ولا يعد مرورهم هذا تجاوزاً للميقات، لأنهم حين مروا لم يكونوا مريدين للنسك، وإن كانت نية النسك مستصحبة في سفرتهم تلك .
وقد سئل شيخنا، محمد بن صالح العثيمين، رحمه الله، عن (رجل قدم من بلده بالطائرة، يريد الحج، ومر بالميقات، ولكنه يريد إذا نزل إلى جدة أن يذهب إلى المدينة أولاً، فلم يحرم في الطائرة، ولما نزلت الطائرة، ذهب بالسيارة إلى المدينة، ثم رجع من المدينة محرماً، فما حكم ذلك ؟ فأجاب فضيلته بقوله : لا بأس بهذا، فمن قدم من بلده قاصداً المدينة أولاً، ونزل في جدة، ثم سافر من جدة إلى المدينة، ثم رجع من المدينة محرماً من ميقات أهل المدينة فلا بأس ) المجموع : 21/313 . وسئل عن (أناس يأتون من بلادهم قاصدين المدينة، فيمرون بالميقات، فهل يلزمهم الإحرام من الميقات، ويذهبون إلى المدينة محرمين، أو يذهبون إلى المدينة دون إحرام، ثم إذا رجعوا من المدينة إلى مكة أحرموا من ميقات أهل المدينة ؟ فأجاب فضيلته بقوله : يذهبون بلا إحرام إلى المدينة؛ لأن هؤلاء لم يقصدوا مكة، وإنما قصدوا المدينة، فيذهبون إلى المدينة، وإذا رجعوا من المدينة حينئذ يكونون قد توجهوا إلى مكة، فيحرمون من ميقات أهل المدينة، وهي "ذو الحليفة" التي تسمى الآن "أبيار علي" ). وقال مثل ذلك فيمن جاء جدة عن طريق البحر . المجموع : 21/337 . وسئل عن ( جماعة خرجوا من الدمام، وفي نيتهم أن يؤدوا العمرة، فمروا بالقصيم، ثم المدينة، ثم تجاوزوا الميقات، ولم يحرموا، وذلك لأن في نيتهم البقاء في الطائف لمدة خمسة أيام، ثم بعدها يذهبون إلى الميقات، وهو السيل، ويحرمون منه، فما حكم هذا العمل ؟ فأجاب فضيلته بقوله : نسأل هل نية هؤلاء الإخوة أن يذهبوا إلى الطائف، أو أن يذهبوا إلى العمرة ؟ إذا كان نيتهم أن يذهبوا إلى الطائف، فيعني ذلك أنهم مروا بالمدينة في طريقهم إلى الطائف، لا إلى مكة، فيحرمون من السيل، وأما إذا كانوا إنما أرادوا العمرة، فإنه يجب عليهم إن يحرموا من ذي الحليفة التي تسمى أبيار علي، وإذا أخروا الإحرام إلى الطائف، فإن عليهم عند أهل العلم فدية على كل واحد،بتركه واجب الإحرام، إلا من لم يكن قادراً، فإن الله تعالى يقول" لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفساً إلا ما آتاها" فمن ليس قادراً على ذبح الفدية، فلبس عليه شيء) المجموع : 21/341.وسئل عن ( رجل قدم للحج، وميقاته يلملم، ولكنه لم يحرم من الميقات، ونزل بجدة، وذهب إلى المدينة للزيارة، ثم عاد إلى مكة، وأحرم من ذي الحليفة، فهل عليه شيء ؟ فأجاب فضيلته بقوله : هذا فيه تفصيل؛ إن كان قصده المدينة من الأصل، ثم يرجع فيحرم من ذي الحليفة، فلا شيء عليه، وإن لم يقصد، بأن كان يريد أن يذهب إلى مكة، لكن طرأ عليه في جدة أن يذهب إلى المدينة، فهذا عليه دم لتركه الإحرام من الميقات الذي مر به وهو مريد للحج ) المجموع : 21/345 . وسئل عن ( جماعة سافروا للحج، ثم تعطلت السيارة دون الميقات، وقطع الغيار لا توجد إلا في مكة، فهل المرسَل من قبل الجماعة لشراء قطع الغيار يجب عليه الإحرام لكونه سيمر بالميقات، وهو مريد للحج والعمرة، وبعد خروجه من مكة، وإصلاح السيارة يؤدي نسكاً مرةً ثانية؟ أم يبقى في إحرامه، ويشتري قطع الغيار، ويؤدي مع الجماعة ؟ فأجاب فضيلته بقوله : لا يجب عليه الإحرام حين دخوله لشراء قطع الغيار؛ لأنه مر بالميقات وهو لا يريد الحج ولا العمرة، وإنما يريد شراء حاجته ثم يرجع، وإذا رجع مع أصحابه أحرم معهم ) المجموع : 21/378
وبهذا يتبين أن العبرة بنية الإنسان حين مروره بالميقات؛ هل كان بنية قصد مكة لأداء النسك، أم بنية قصد مكة غير مريد للنسك، أم بقصد غير مكة وإن كان مريداً للنسك ؟ فلا يجب عليه إحرام إلا في الصورة الأولى .
فإن قال قائل: ما الفرق بين من قدم جدة، في طريقه إلى الطائف، وهو ينوي النسك، فلم يلزمه إحرام، وبين من قدم جدة، في طريقه إلى مكة، فلزمه الإحرام، وكلاهما نزل بجدة، وربما مكث فيها، وكيف اختلف الحكم والصورة واحدة ؟!
فالجواب : أن الفرق من ثلاثة أوجه :
الوجه الأول : اختلاف نية كل منهما عند مروره بالميقات، كما تقدم. ولا شك أن النية تؤثر في الأعمال . الوجه الثاني : أن منتهى سفر الأول الطائف، والطائف خارج المواقيت. ومنتهى سفر الثاني جدة، وجدة داخل المواقيت. الوجه الثالث: اختلاف الثواب؛ فالذي أنشأ السفر من بلده قاصداً مكة، يكون سفره سفر طاعة، والذي اجتاز المواقيت مريداً سوى النسك، كالنزهة ، سفره سفر إباحة ، لا يحصل له ذلك الثواب .وهذا فرق عظيم .والله تعالى أعلم .
وصلى الله على عبده ونبيه محمد، وعلى آله وصحبه وسلم .

روابط التنزيل

 200  0  0  1.3K  05-10-1425 10:09 صباحًا
التعليقات ( 0 )