• ×

العواصم من القواصم

العواصم من القواصم

 

العواصم من القواصم

للاستماع  
 
 
 

نص الرسالة

   إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، القائلُ: (وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ {25}الأنفال. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله القائلَ: ( تعوذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن) رواه مسلم. أما بعد :

    فإن من سنة الله في الأولين والآخرين أن يبتلي ما في صدورهم، ويمحص ما في قلوبهم، بأنواع الفتن الكاشفة، والمحن القاهرة، ليعلم الذين نافقوا، ويعلم المؤمنين. والله عليم بذات الصدور. قال تعالى: ( ألم. أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون. ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين) العنكبوت:1-3.

 

تعريف الفتنة:

   قال الراغب:(أصل الفَتْن:إدخال الذهب النار لتظهر جودته من رداءته)المفردات372 وقال ابن منظور: ( قال الأزهري وغيره: جماع معنى الفتنة: الابتلاء والامتحان والاختبار. وأصلها مأخوذ من قولك: فتنت الفضة والذهب، إذا أذبتهما بالنار، لتميز الرديء من الجيد) لسان العرب:3344. مادة(فتن).

 

أنواع الفتن :

قال ابن القيم ، رحمه الله: ( الفتنة نوعان : فتنة الشبهات، وهي أعظم الفتنتين، وفتنة الشهوات. وقد يجتمعان للعبد، وقد ينفرد بإحداهما) إغاثة اللهفان: 2/160. ومعترك النزاع، وحلبة الصراع لهذه الفتن، القلوب، فعن حذيفة، رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: تعرض الفتن على القلوب كالحصير، عوداً عوداً، فأي قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء،وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء.

حتى تصير على قلبين: على أبيض مثل الصفا، فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود، مرباداً، كالكوز مجخياً، لا يعرف معروفا ولا ينكر منكراً، إلا ما أشرب من هواه) رواه مسلم.

والفتن أقسام وأنواع ؛ باعتبار ذاتها ، ومآلاتها ، ومتعلقاتها ، فمنها : فتنة الشهوات، وفتنة الشبهات، فتنة المؤمن ، وفتنة الكافر ، فتنة المحيا ، وفتنة الممات ، فتنة القبر، وفتنة النار ، فتنة الرجل في أهله وماله وولده وجاره، وفتن تموج كموج البحر .

ومرادنا هذا النوع الأخير الذي يعصف بعموم الناس ، ويجتاح الخاص والعام ، ويتتابع، ويتراكب، كموج البحر، وينشأ عنه الهرج والمرج، حتى يدع الحليم حيراناً. فعن حذيفة، رضي الله عنه، قال: بينا نحن جلوس عند عمر، إذ قال: أيكم يحفظ قول النبي صلى الله عليه وسلم في الفتنة؟ قال: فتنة الرجل في أهله وماله وولده وجاره تكفرها الصلاة والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. قال: ليس عن هذا أسألك، ولكن التي تموج كموج البحر. قال: ليس عليك منها بأس يا أمير المؤمنين. إن بينك وبينها بابا مغلقا. قال عمر: أيكسر الباب أم يفتح؟ قال: لا، بل يكسر.قال عمر: إذاً لا يغلق أبدا. قلت: أجل. قلنا لحذيفة: أكان عمر يعلم الباب؟قال: نعم، كما يعلم أن دون غد ليلة، وذلك أني حدثته حديثاً ليس بالأغاليط. فهبنا أن نسأله من الباب، فأمرنا مسروقا فسأله، فقال: من الباب؟ قال عمر) رواه البخاري.

فمنذ ذلك الحين، والفتن تتابع في هذه الأمة، تذكو تارة، فتلتهم من استشرفها، وتخبو أخرى، فيعافي الله من شاء. وقد جعل الله تعالى لعباده المؤمنين سبلاً وأسباباً تقيهم من الوقوع في أتونها. وحذر النبي صلى الله عليه وسلم أمته من مقدماتها، وتضاعيفها، وآثارها. ولم يحدث النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه ، ومن ثَمَّ أمته ، بهذه الأخبار لتكون مجرد علامة من علامات النبوة ، فحسب ، ولا ليستدفع بها قدر الله المحتوم الذي لابد كائن ، وإنما ليستنقذ بها من سبقت له من الله الحسنى ، ويأخذ بحجزهم عن النار ، إن هم اعتصموا بعواصم الشرع من قواصم الفتن .

 

وفيما يلي جملة من جملة من العواصم، والعرى الوثقى، لمن استمسك بها.

 

1- الاعتصام بالله :

قال تعالى: (وَمَن يَعْتَصِم بِاللّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) آل عمران:101، قال ابن كثير، رحمه الله: (الاعتصام بالله، والتوكل عليه هو العمدة في الهداية، والعدة في مباعدة الغواية، والوسيلة إلى الرشاد، وطريق السداد، وحصول المراد) التفسير: 2/86. وقال تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِير) الحجُ{78}‏.قال السعدي، رحمه الله: (أي امتنعوا بع، وتوكلوا عليه في ذلك، ولا تتكلوا على حولكم وقوتكم، هو مولاكم الذي يتولى أموركم، فيدبركم بحسن تدبيره، ويصرفكم على أحسن تقديره. فنعم المولى لمن تولاه فحصل له مطلوبه، ونعم النصير لمن استنصره، فدفع عنه المكروه) التفسير.

ومن الاعتصام بالله، الفزع إلى الصلاة، فـ(الصلاة نور) رواه مسلم. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة.رواه الطبري. فعن أم سلمة، زوج النبي صلى الله عليه وسلم، قالت: استيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة فزعا يقول: سبحان الله! ماذا أنزل الله من الخزائن! وماذا أنزل من الفتن! من يوقظ صواحب الحجرات، يريد أزواجه، لكي يصلين. رب كاسية في الدنيا عارية في الآخرة) رواه البخاري.

ومن الاعتصام بالله دعاؤه، سبحانه، والاستعاذة به من الفتن. فعن أنس، رضي الله عنه، قال: سألوا النبي صلى الله عليه وسلم حتى أحفوه بالمسألة، فصعد النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم المنبر فقال: لا تسألوني عن شيء إلا بينت لكم. فجعلت أنظر يمينا وشمالاً، فإذا كل رجل رأسه في ثوبه يبكي، فأنشأ رجل كان إذا لاحى يدعى إلى غير أبيه، فقال: يا نبي الله: من أبي؟ فقال: أبوك حذافة. ثم أنشأ عمر فقال: رضينا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد رسولاً. نعوذ بالله من سوء الفتن. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما رأيت في الخير والشر كاليوم قط! إنه صورت لي الجنة والنار حتى رأيتهما دون الحائط) رواه البخاري، وفي رواية: (عائذا بالله من سوء الفتن أو قال أعوذ بالله من سوأى الفتن)

 

2- الاعتصام بكتاب الله :

ختم النبي صلى الله عليه وسلم خطبته يوم عرفة، بقوله: (وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله) رواه مسلم.

وعن الحارث الأعور الهمداني قال: مررت في المسجد، فإذا الناس يخوضون في الأحاديث، فدخلت على علي فقلت: يا أمير المؤمنين، ألا ترى أن الناس قد خاضوا في الأحاديث؟ قال: وقد فعلوها؟ قلت: نعم. قال: أما إني قد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( ألا إنها ستكون فتنة. فقلت: ما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: كتاب الله؛ فيه نبأ ما كان قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم. وهو الفصل ليس بالهزل. من تركه من جبار قصمه الله،ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله. وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم. هو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلق على كثرة الرد،ولا تنقضي عجائبه. هو الذي لم تنته الجن إذ سمعته حتى قالوا: " إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد" من قال به صدق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدى إلى صراط مستقيم )خذها إليك يا أعور. قال أبو عيسى: هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وإسناده مجهول، وفي الحارث مقال . سنن الترمذي ج5/ص172.والدارمي، وابن أبي شيبة.وقال ابن كثير: وقد روي موقوفا عن علي رضي الله عنه وهو أشبه والله أعلم 1/28.

 

3- الاعتصام بالسنة :

عن أبي نجيح، العرباض بن سارية، رضي الله عنه، قال: وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون، فقلنا: يا رسول الله، كأنها موعظة مودع، فأوصنا. قال: ( أوصيكم بتقوى الله عز وجل، والسمع والطاعة، وإن تأمر عليكم عبد؛ فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا. فعليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ. وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل بدعة ضلالة ) رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح.

ومن أسباب الاعتصام بالسنة، إفشاء العلم، فعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( يتقارب الزمان، وينقص العلم، ويلقى الشح، وتظهر الفتن، ويكثر الهرج. قالوا: يا رسول الله، أيما هو؟ قال: القتل القتل) وفي رواية: (إن بين يدي الساعة لأياماً ينزل فيها الجهل، ويرفع فيها العلم، ويكثر فيها الهرج) وفي أخرى:(بين يدي الساعة أيام الهرج، يزول فيها العلم، ويظهر فيها الجهل) رواه البخاري

ومن الاعتصام بالسنة، الحذر من الابتداع، والإحداث، والتبديل، فعن عبد الله بن مسعود قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أنا فرطكم على الحوض، فليرفعن إلي رجال منكم، حتى إذا أهويت لأناولهم، اختلجوا دوني، فأقول: أي رب: أصحابي! يقول: لا تدري ما أحدثوا بعدك )رواه البخاري.

قال الحافظ ابن حجر: ( تضمن حديث الباب الوعيد على التبديل والإحداث، فإن الفتن، غالباً، إنما تنشأ عن ذلك) الفتح: 13/7.( بتصرف يسير).

 

4- لزوم جماعة المسلمين :

قال تعالى: (وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً) آل عمران: 103.

وعن أبي هريرة، رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( إن الله يرضى لكم ثلاثاً، ويسخطُ لكم ثلاثاً؛ يرضى لكم أن تعبدوه، ولا تشركوا به شيئاً، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم. ويسخطُ لكم ثلاثاً:: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال) رواه مسلم.

وعن ابن عباس، رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من رأى من أميره شيئا يكرهه، فليصبر عليه، فإنه من فارق الجماعة شبرا، فمات، إلا مات ميتة جاهلية) رواه البخاري. قال ابن أبي جمرة: (المراد بالمفارقة: السعي في حل عقد البيعة التي حصلت لذلك الأمير، ولو بأدنى شيء، فكنَّى عنها بمقدار الشبر، لأن الأخذ بذلك يؤول إلى سفك الدماء بغير حق) الفتح :13/10.

وعن ابن عمر،رضي الله عنهما،قال: قال رسول الله صلى الله عيه وسلم : ( من خلع يداً من طاعة، لقي الله ولا حجة له،ومن مات وليس في عنقه بيعة، مات ميتة جاهلية) رواه مسلم.

قال الحافظ ابن حجر: ( أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلب، والجهاد معه، وأن طاعته خير من الخروج عليه، لما في ذلك من حقن الدماء، وتسكين الدهماء، وحجتهم هذا الخبر، وغيره مما يساعده، ولم يستثنوا من ذلك إلا إذا وقع من السلطان الكفر الصريح، فلا تجوز طاعته في ذلك،بل تجب مجاهدته لمن قدر عليها) الفتح: 13/10

وعن حذيفة بن اليمان، رضي الله عنه، قال: كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني. فقلت: يا رسول الله، إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم. قلت:وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم، وفيه دخن. قلت: وما دخنه؟ قال: قوم يهدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر. قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: نعم؛ دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها. قلت: يا رسول الله، صفهم لنا.قال:هم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا.قلت:فما تأمرني إن أدركني ذلك؟قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم. قلت:فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟قال: فاعتزل تلك الفرق كلها،ولو أن تعض بأصل شجرة، حتى يدركك الموت وأنت على ذلك)رواه البخاري.

قال ابن بطال: (فيه حجة لجماعة الفقهاء في وجوب لزوم جماعة المسلمين، وترك الخروج على أئمة الجور، لأنه وصف الطائفة الأخيرة بأنهم دعاة على أبواب جهنم، ولم يقل فيهم: تعرف وتنكر، كما قال في الأولين. وهم لا يكونون كذلك إلا وهم على غير حق. وأمر مع ذلك بلزوم الجماعة) الفتح:13/47.

قال الطبري: (والصواب أن المراد من الخبر لزوم الجماعة الذين في طاعة من اجتمعوا على تأميره، فمن نكث بيعته خرج عن الجماعة قال وفي الحديث انه متى لم يكن للناس إمام فافترق الناس أحزابا فلا يتبع أحدا في لفرقة ويعتزل الجميع إن استطاع ذلك خشية من الوقوع في الشر) الفتح:13/47.

 

5- الصبر على جور الولاة :

عن عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه، قال: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنكم سترون بعدي أثرة، وأموراً تنكرونها. قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: أدوا إليهم حقهم، وسلوا الله حقكم) رواه البخاري.

وعن جنادة بن أبي أمية قال: دخلنا على عبادة بن الصامت، وهو مريض، قلنا: أصلحك الله، حدث بحديث ينفعك الله به، سمعته من النبي صلى الله عليه وسلم. قال: دعانا النبي صلى الله عليه وسلم، فبايعناه، فقال فيما أخذ علينا أن بايَعنا على السمع والطاعة، في منشطنا، ومكرهنا، وعسرنا، ويسرنا، وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، إلا أن ترو كفرا بواحاً، عندكم من الله فيه برهان) رواه البخاري.

قال الخطابي: (معنى قوله بَواحا: يريد ظاهراً بادياً، من قولهم باح بالشيء يبوح به بوحاً وبواحاً، إذا أذاعه وأظهره) الفتح:13/11. قال شيخنا، رحمه الله: ( لابد من شروط أربعة: 1- الرؤية-2- كونه كفراً لا فسقاً-3- كونه بَواحاً لا محتملاً-4-عندنا فيه من الله برهان. ولا بد من القدرة ) باختصار من التعليق الصوتي على كتاب الفتن .

قال الحافظ في معنى البرهان: (أي نص آية، أو خبر صحيح، لا يحتمل التأويل. ومقتضاه أنه لا يجوز الخروج عليهم ما دام فعلهم يحتمل التأويل) الفتح: 13/11.

وعن يزيد بن سلمة الجعفي، رضي الله عنه، أنه قال : يا رسول الله: إن كان علينا أمراء يأخذون بالحق الذي علينا، ويمنعونا الحق الذي لنا، أنقاتلهم؟ قال:( لا.عليهم ما حملوا، وعليكم ما حملتم) رواه الطبراني .وفي رواية عن أم سلمة، رضي الله عنها، : أفلا نقاتلهم؟ قال: ( لا. ما صلوا) رواه مسلم. ومن حديث عوف بن مالك، رضي الله عنه: قلنا: يا رسول الله: أفلا ننابذهم عند ذلك؟ قال:(لا.ما أقاموا الصلاة) وفي رواية: ( وإذا رأيتم من ولاتكم شيئاً تكرهونه، فاكرهوا عمله، ولا تنزعوا يداً من طاعة) رواهما مسلم .

 

6- تعظيم حرمات المسلمين:

قال تعالى: (وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً) النساء {93}.

وعن جابر بن عبد الله، رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس، يوم عرفة فقال: ( إن دماءكم، وأموالكم، حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا. ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة. وإن أول دم أضع من دمائنا،دم ابن ربيعة بن الحارث، كان مسترضعاً في بني سعد، فقتلته هذيل. وربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضع ربانا، ربا عباس بن عبد المطلب. فإنه موضوع كله ) رواه مسلم.

وعن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من حمل علينا السلاح فليس منا) رواه البخاري. وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يشير أحدكم على أخيه بالسلاح؛ فإنه لا يدري لعل الشيطان ينزغ في يده فيقع في حفرة من النار) رواه البخاري. وعن جابر أن رجلاً مر في المسجد بأسهم قد بدا نصولها، فأُمر أن يأخذ بنصولها، لا يخدش مسلما.رواه البخاري.وعن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا مر أحدكم في مسجدنا، أو في سوقنا، ومعه نبل، فليمسك على نصالها، أو قال: فليقبض بكفه أن يصيب أحداً من المسلمين منها بشيء) رواه البخاري.قال ابن العربي: (إذا استحق الذي يشير بالحديدة اللعن، فكيف الذي يصيب بها؟)الفتح:13/32.

 

7- الرجوع إلى أهل العلم :

عن أبي المنهال قال: لما كان ابن زياد ومروان بالشام، ووثب بن الزبير بمكة، ووثب القراء بالبصرة، فانطلقت مع أبي إلى أبي برزة الأسلمي، حتى دخلنا عليه في داره، وهو جالس في ظل علية له من قصب، فجلسنا إليه. فأنشأ أبي يستطعمه الحديث، فقال: يا أبا برزة، ألا ترى ما وقع فيه الناس؟ فأول شيء سمعته تكلم به: إني احتسبت عند الله أني أصبحت ساخطا على أحياء قريش. إنكم يا معشر العرب كنتم على الحال الذي علمتم من الذلة، والقلة، والضلالة. وإن الله أنقذكم بالإسلام، وبمحمد صلى الله عليه وسلم، حتى بلغ بكم ما ترون، وهذه الدنيا التي أفسدت بينكم. إن ذاك الذي بالشام، والله إن يقاتل إلا على الدنيا. وإن هؤلاء الذين بين أظهركم والله إن يقاتلون إلا على الدنيا. وإن ذاك الذي بمكة والله إن يقاتل إلا على الدنيا) رواه البخاري. وفي رواية: ( فقال أبي: فما تأمرني إذاً؟ فإني لا أراك تركت أحداً؟ قال: لا أرى خير الناس اليوم، إلا عصابة، خماص البطون من أموال الناس، خفاف الظهور من دمائهم)

 

8- النظر في العواقب :

قال ابن عيينة عن خلف بن حوشب: كانوا يستحبون أن يتمثلوا بهذه الأبيات عند الفتن، قال امرؤ القيس :

الحربُ أولُ ما تكون فـــتيةً *** تسعى بزينتها لكل جهـول

حتى إذا اشتعلت وشُب ضرامُها *** ولت عجوزا غيرَ ذاتِ حليل

شمطاءَ ينكر لونها وتغـــيرت *** مكــروهةً للشم والتقبيل

وكان خلف، رحمه الله، يقول: ( ينبغي للتاس أن يتعلموا هذه الأبيات في الفتنة) .

وعن أبي وائل قال: قيل لأسامة: لو أتيت فلانا فكلمته. قال: إنكم لترون أني لا أكلمه إلا أسمعكم! إني أكلمه في السر دون أن أفتح باباً لا أكون أول من فتحه) رواه البخاري. قال الحافظ: (يعني: لا أكلمه إلا مع مراعاة المصلحة، بكلام لا يهيج الفتنة ) الفتح: 13/65.وقال عياض:(مراد أسامة أنه لا يفتح باب المجاهرة بالنكير على الإمام، لما يخشى من عابة ذلك، بل يتلطف به، وينصحه سراً، فذلك أجدر بالقبول)الفتح:13/67

 

9- الحذر من فتنة المال :

عن أم سلمة، زوج النبي صلى الله عليه وسلم، قالت: استيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة، فزعا، يقول: (سبحان الله! ماذا أنزل الله من الخزائن، وماذا أنزل من الفتن؟ من يوقظ صواحب الحجرات؟ يريد أزواجه، لكي يصلين. رب كاسية في الدنيا عارية في الآخرة) رواه البخاري. قال ابن بطال: ( في هذا الحديث: أن الفتوح في الخزائن، تنشأ عنه فتنة المال، بأن يتنافس فيه فيقع القتال بسببه، وأن يبخل به فيمنع الحق، أو يبطر صاحبه فيسرف ) الفتح:13/30.

وعن عمرو بن عوف الأنصاري، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا عبيدة بن الجراح إلى البحرين يأتي بجزيتها، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو صالح أهل البحرين، وأمَّر عليهم العلاء بن الحضرمي. فقدم أبو عبيدة بمال من البحرين. فسمعت الأنصار بقدوم أبي عبيدة، فوافت صلاة الصبح مع النبي صلى الله عليه وسلم. فلما صلى بهم الفجر انصرف، فتعرضوا له، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رآهم، وقال: أظنكم قد سمعتم أن أبا عبيدة قد جاء بشيء؟ قالوا: أجل يا رسول الله. قال: فأبشروا، وأملوا ما يسركم، فوالله لا الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا، كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، وتهلككم كما أهلكتهم) متفق عليه.

وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يوشك الفرات أن يحسر عن كنز من ذهب فمن حضره فلا يأخذ منه شيئا) رواه البخاري.

وعن أبي بن كعب، رضي الله عنه، قال: لا يزال الناس مختلفة أعناقهم في طلب الدنيا؟ قلت: أجل. قال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (يوشك الفرات أن يحسر عن جبل من ذهب، فإذا سمع به الناس ساروا إليه، فيقول من عنده: لئن تركنا الناس يأخذون منه ليذهبن به كله. قال: فيقتتلون عليه، فيقتل من كل مائة تسعة وتسعون) رواه مسلم .

 

10- اعتزال الفتنة :

عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ستكون فتن، القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي. من تشرف لها تستشرفه. فمن وجد فيها ملجأً أو معاذاً فليعذ به) رواه البخاري.

قال الحافظ:( وفيه التحذير من الفتنة والحث على اجتناب الدخول فيها وان شرها يكون بحسب التعلق بها) الفتح:13/40.

وعن عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (تكون فتنة النائم فيها خير من المضطجع، والمضطجع فيها خير من القاعد، والقاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الراكب، والراكب فيها خير من المجري. قتلاها كلها في النار. قلت: يا رسول الله، ومتى ذلك؟ قال: ذلك أيام الهرج. قلت: ومتى أيام الهرج؟ قال: حين لا يأمن الرجل جليسه. قلت: فما تأمرني إن أدركت ذلك؟ قال: كف يدك ولسانك، وادخل دارك. قال: قلت: يا رسول الله، أرأيت إن دخل علي داري؟ قال: فادخل بيتك قال قلت: أفرأيت إن دخل علي بيتي؟ قال: فادخل مسجدك،واصنع هكذا؛ وقبض بيمينه على الكوع، وقل: ربي الله، حتى تموت على ذلك ) قال البزار في مجمع الزوائد(7/301): رواه أبو داود باختصار رواه أحمد بإسنادين ورجال أحدهما ثقات.

وعن خرشة بن الحر، مرفوعاً: (فمن أتت عليه فليمش بسيفه إلى صفاة فليضربه بها حتى ينكسر ثم ليضطجع لها حتى تنجلي) رواه أحمد وأبو يعلى.

وعن أبي بكرة، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إنها ستكون فتن. ألا ثُمَّ تكون فتنة، القاعد فيها خير من الماشي فيها، والماشي فيها خير من الساعي إليها. ألا فإذا نزلت أو وقعت، فمن كان له إبل فليلحق بإبله، ومن كانت له غنم فليلحق بغنمه، ومن كانت له أرض فليلحق بأرضه. قال:فقال رجل يا رسول الله: أرأيت من لم يكن له إبل ولا غنم ولا أرض؟ قال: يعمد إلى سيفه فيدق على حده بحجر، ثم لينج إن استطاع النجاء. اللهم هل بلغت! اللهم هل بلغت! اللهم هل بلغت! قال: فقال رجل: يا رسول الله، أرأيت إن أكرهت حتى ينطلق بي إلى أحد الصفين، أو إحدى الفئتين، فضربني رجل بسيفه، أو يجئ سهم فيقتلني؟ قال: يبوء بإثمه وإثمك، ويكون من أصحاب النار) رواه مسلم.

قال الطبري: اختلف السلف؛ فحمل ذلك بعضهم على العموم،وهم من قعد عن الدخول في القتال بين المسلمين مطلقا، كسعد، وابن عمر، ومحمد بن مسلمة، وأبي بكرة، في آخرين، وتمسكوا بالظواهر المذكورة وغيرها. ثم اختلف هؤلاء؛ فقالت طائفة بلزوم البيوت. وقالت طائفة بل بالتحول عن بلد الفتن أصلا. ثم اختلفوا؛ فمنهم من قال: إذا هجم عليه شيء من ذلك يكف يده، ولو قتل. ومنهم من قال: بل يدافع عن نفسه، وعن ماله، وعن أهله، وهو معذور إن قتل أو قتل. وقال آخرون: إذا بغت طائفة على الإمام، فامتنعت من الواجب عليها، ونصبت الحرب، وجب قتالها. وكذلك لو تحاربت طائفتان، وجب على كل قادر الأخذ على يد المخطئ، ونصر المصيب. وهذا قول الجمهور. وفصل آخرون فقالوا: كل قتال وقع بين طائفتين من المسلمين، حيث لا إمام للجماعة، فالقتال حينئذ ممنوع. وتنزل الأحاديث التي في هذا الباب وغيره على ذلك. وهو قول الأوزاعي. قال الطبري: والصواب أن يقال: إن الفتنة أصلها الابتلاء. وإنكار المنكر واجب على كل من قدر عليه. فمن أعان المحق أصاب، ومن أعان المخطئ أخطأ، وان أشكل الأمر فهي الحالة التي ورد النهي عن القتال فيها) الفتح: 13/40. وقال أيضاً: (لو كان الواجب في كل اختلاف يقع بين المسلمين الهرب منه بلزوم المنازل، وكسر السيوف، لما أقيم حد، ولا أبطل باطل، ولوجد أهل الفسوق سبيلا إلى ارتكاب المحرمات؛ من أخذ الأموال، وسفك الدماء، وسبي الحريم، بأن يحاربوهم، ويكف المسلمون أيديهم عنهم، بأن يقولوا هذه فتنة، وقد نهينا عن القتال فيها. وهذا مخالف للأمر بالأخذ على أيدي السفهاء) الفتح:13/43.

قال الحافظ: (ومن ثم كان الذين توقفوا عن القتال في الجمل وصفين أقل عددا من الذين قاتلوا. وكلهم متأول، مأجور، إن شاء الله، بخلاف من جاء بعدهم، ممن قاتل على طلب الدنيا) الفتح:13/44.

اللهم أرنا الحق حقاً، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً، وارزقنا اجتنابه، ولا تجعله مشتبهاً علينا، فنهلك. اللهم إنا نعوذ بك من الفتن ما ظهر منها وما بطن. اللهم إنا نعوذ بك أن نضِل أو نُضَل، أو نزِلَّ أو نزَل، أو نظلم أو نُظلم، أو نجهل أو يجهل علينا. اللهم احفظنا بالإسلام قائمين، وقاعدين، وعلى جنوبنا، ولا تكلنا إلى أنفسنا، ولا إلى أحد من خلقك طرفة عين، وكِلنا إليك وحدك، فإنك نعم المولى ونعم النصير.

وصلى الله على نبينا محمد ، وعلى آله وصحبه وسلم.

روابط التنزيل

 128  0  0  1.5K  05-20-1425 09:40 صباحًا
التعليقات ( 0 )