• ×

تعقيبات على الورقات المسماة (عقيدة أهل السنة والجماعة)


بسم الله الرحمن الرحيم
تعقيبات على الورقات المسماة ( عقيدة أهل السنة والجماعة )
 
     الحمد لله الذي هدانا للإسلام ، وحبب إلينا الإيمان ، وعلمنا القرءان . والصلاة والسلام على معلم الناس الخير، محمد بن عبد الله، الذي أرسله ربه بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ، وكفى بالله شهيدا . أما بعد :
 
     فقد عرض علي بعض الأفاضل وريقات عنوانها : ( عقيدة أهل السنة والجماعة ) صيغت على صفة السؤال والجواب ، قصد بها مؤلفها ، فيما يبدو ، تلقين العامة ما يراه عقيدة صحيحة ، ونسبها إلى أهل السنة والجماعة . ولما كانت تتضمن حقاً وباطلاً رأيت من النصح لكاتبها ، ومن بلغ من المسلمين ، أن أبين ما تضمنته من خطأٍ ، سيما والخطب جلل ، والمقام خطير، يتعلق بما يلقى به العبد ربه يوم القيامة . وقد أعرضت عن بعض ما يحُتمل فيه الخلاف، تجنباً للإطالة، واكتفيت ببيان ما لا يسع السكوت عنه
 
الموضع الأول
     قال الكاتب : (2- س: كيف تصح العبادة ؟ تصح عبادة الله ممن يعتقد وجود الله و لا يشبهه بشيء من خلقه . قال تعالى: ( ليس كمثله شيء ) الحديث : ( لا فكرة في الرب ) رواه أبو القاسم الأنصاري . قال الغزالي: ( لا تصح العبادة إلا بعد معرفة المعبود ) أ.هـ
التعقيب : هذا الجواب فيه خطأٌ وقصور ، من وجوه :
أولاً : أن العبادة لا تصح إلا بشرطين : الإخلاص لله ، والمتابعة للرسول . قال تعالى : ( الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً ) الملك : 2 . وقال : ( فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحدا ) الكهف : 110 . قال الحافظ ابن كثير ، رحمه الله : ( وهذان ركنا العمل المتقبل ؛ لابد أن يكون خالصاً لله ، صواباً على شريعة رسول الله صلى الله عليه وسلم ) التفسير : 5/205 .
ثانياً : أن الكاتب صحح عبادة من جمع وصفين : اعتقاد وجود الله ، ونفي التشبيه !! ولا ريب أن هذا تعريف قاصر ، غير جامع ، ولا مانع . ولم يقل به أحدٌ من أهل السنة والجماعة ، الذين نسب الكاتب عقيدته إليهم . فمشركو العرب يعتقدون بوجود الله ، بل وبربوبيته، ولا يشبهون الله بخلقه، ومع ذلك لم تصح عبادتهم ، قال تعالى : ( وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباءً منثوراً ) الفرقان : 33 . وسبب ذلك أنهم لم يوحدوه بالعبادة ، بل أشركوا معه غيره .
ثالثاً : أن الكاتب اقتصر على نفي التمثيل ، واستدل له بقوله تعالى : ( ليس كمثله شيء) وأعرض عن قسيمه ، وهو إثبات صفات الكمال لله ، الذي دلت عليه تتمة الآية ( وهو السميع البصير ) فما سر هذا التحكم والتفريق بين ما جمعه الله في آية واحدة ؟! فالواجب أن نثبت لله ما أثبته لنفسه من الصفات ، إثباتاً بلا تمثيل ، وننزهه عما نزه نفسه عنه تنزيهاً بلا تعطيل . فالممثل يعبد صنماً ، والمعطل يعبد عدماً ، والموحد يعبد الله الذي ليس كمثله شيء وهو السميع البصير .
رابعاً : لم يعزُ الكاتب ما سماه حديثاً : ( لا فكرة في الرب ) . وقد ورد بمعناه ألفاظٌ متقاربة، مثل: ( تفكروا في خلق الله ، و لا تتفكروا في الله ، فإنكم لن تقدروا قدره )، و ( تفكروا في الخلق ، ولا تفكروا في الخالق ، فإنكم لا تقدروا قدره ) و ( تفكروا في كل شيءٍ ، و لا تفكروا في الله ) ونحوها ، وهذه الأخبار أسانيدها ضعيفة ، والمقام يحتاج إلى تفصيل :
1-    فإن كان المراد بالتفكر في الله ، التفكر في ذاته ، وكيفية صفاته ، فهو محال عقلاً ، محرمٌ شرعاً ، وأي عقلٍ يمكنه أن يتصور ذلك !! تعالى ربنا وتقدس ، لا تبلغه الأوهام ، و لا تدركه الأفهام . سبحانه وبحمده .
2-    وإن كان المراد بالتفكر في الله ، التفكر في معاني أسمائه وصفاته ، وآثارها ومقتضياتها في النفس والآفاق ، فهذا أفضل ما أدركته العقول ، واكتسبته القلوب ، فإن العلم بالله أشرف العلوم على الإطلاق ، وعليه مدار العبودية ظاهراً وباطناً ، ومرجعها إلى ما يقوم بالقلب من العلم بأسمائه وصفاته . وهذا معنى قول الغزالي ، رحمه الله : ( لا تصح العبادة إلا بعد معرفة المعبود ) وهو ما لم يذقه أهل التمثيل، ولا أهل التعطيل أو التجهيل.
 
الموضع الثاني
      قال الكاتب : ( 4- س : ما معنى التوحيد ؟
هو إفراد القديم من المحدث ، كما قال الإمام الجنيد . والقديم هو الذي لا أول له . والمحدث المخلوق . قال تعالى ( ليس كمثله شيء ) الحديث : ( سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم : أي العمل أفضل ؟ فقال : إيمان بالله ورسوله ) رواه البخاري ) أ.هـ
التعقيب : هذا الجواب عدول عن نص القرءان وبيانه ، إلى تعريفاتٍ دونه بياناً . فالتوحيد الذي بُعث به أنبياء الله جميعاً هو إفراد الله بالعبادة، كما قال الله عنهم: ( وما أرسلنا من قبلك من رسولٍ إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون ) الأنبياء : 25 . وقد امتثلوا جميعاً أمر ربهم ، فبادؤوا أقوامهم بهذه الجملة التي قالها نوح، وهود، وصالح، وشعيب، عليهم صلوات الله وسلامه أجمعين : ( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ) الأعراف : 59 ، 65 ، 73 ، 85 . والتوحيد نوعان :
أحدهما : توحيد علمي ، في الإثبات والمعرفة ، أي إثبات وجود الرب سبحانه ، وربوبيته ، وأسمائه ، وصفاته ، وأفعاله . وهذا النوع مبثوث في كتاب الله ، كما في سورة الإخلاص ، وأول سورة الحديد، وآخر سورة الحشر. وقد كان يقر به المشركون من حيث الجملة .
الثاني : توحيد عملي ، وهو توحيد القصد والطلب ، أي توحيد العبادة ، بعدم صرف نوع من أنواعها لغير الله ، وأنه المستحق وحده للعبادة دون ما سواه . وهذا معترك النزاع ، وحلبة الصراع بين الرسل وأقوامهم ، كما في سورة الكافرون ، وعامة سورة الأنعام ، ويونس ، وقصص الأنبياء في سورة الأعراف ، وغيرها .
     وبهذا يتبين أن تفسير بعض الناس للتوحيد بأنه ( إثبات الصانع ) جزءٌ من معنى التوحيد ، بل هو مقتصرٌ على توحيد الربوبية المغروس في الفطر ، ولم يذهب إلى نقيضه طائفة معروفة من بني آدم ، ولم ينكره المشركون ، كما حكى الله عنهم : ( ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم ) الزخرف : 9 . فأقروا بتوحيد الربوبية والأسماء والصفات . ومع ذلك فإن كثيراً من المتكلمين والنظَّار يتعبون أنفسهم في إثباته ، ويجعلونه غاية مطالبهم ، ويهملون ، أو يقصرون فيما بعث الله به الرسل ، وأنزل لأجله الكتب ، وهو توحيد العبادة، الذي أمر الله به نبيه : ( قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصاً له الدين ) الزمر:11 . وهو معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم ، الذي استدل به الكاتب: ( إيمان بالله ورسوله ) أي : الإقرار بوجود الله ، وربوبيته ، وألوهيته ، وأسمائه ، وصفاته ، وتوحيده بذلك ، واتباع نبيه ورسوله صلى الله عليه وسلم في كيفية عبادة ربه ، وعدم الابتداع .
     وليُعلم أن ( القديم ) ليس من أسماء الله الحسنى ، لأن أسماء الله توقيفية ، لا يسمى إلا بما سمى به نفسه ، أو سماه به نبيه صلى الله عليه وسلم . ويغني عنه ، وأحسن منه، اسمه ( الأول ) ، فقد فسره النبي صلى الله عليه وسلم بقوله في مناجاة ربه : ( اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء ) رواه مسلم : رقم ( 2713) .
 
الموضع الثالث
     قال الكاتب : ( 5- س : تكلم عن وجود الله ؟ الله موجود لا شك في وجوده ، موجود بلا كيف ولا مكان …الخ )
قوله ( بلا كيف ) نفي مجمل يحتاج إلى بيان :
1-     فإن كان المراد نفي التكييف ، بمعنى أنه لا يمكن لمخلوقٍ أن يحكي كيفية ذات الله أو صفاته ، فهذا حق لا مرية فيه ، وهو ممتنع عقلاً ، حرامٌ شرعاً . ومن ادعاه فهو كاذب كافر . قال الإمام مالك بن أنس ، رحمه الله ، لمن سأله عن كيفية الاستواء : ( الكيف مجهول ) وفي رواية : ( الكيف غير معقول ) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ، للالكائي : 3/398 .
2-    وإن كان المراد نفي الكيفية ، فهذا تعطيل محض ، يقتضي إنكار وجود الله . فصفات الله تعالى لها كيفية تليق بجلاله ، لكنها مجهولة لنا ، لأنه سبحانه لا تبلغه الأوهام ، ولا تدركه العقول . فالممتنع هو التكييف، الذي هو حكاية الصفة ، لا الصفة التي أثبتها لنفسه .
وكذلك قول الكاتب : ( ولا مكان ) لفظٌ مجملٌ يحتاج إلى تفصيل وبيان :
1-    فإن أراد أن الله سبحانه لا يحيط به شيءٌ من مخلوقاته ، ولا يحتاج إلى شيءٍ منها لا العرش ولا السماوات ، فهذا حقٌ لا مرية فيه . لأنه الغني سبحانه ، وجميع مخلوقاته مفتقرة إليه ، وهو القيوم سبحانه ، فلا قيام لغيره إلا به ، وهو الكبير العظيم سبحانه ، لا يحيط به شيءٌ من خلقه. قال تعالى:( ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره )الروم : 25 وقال : ( إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ) فاطر : 41 .
2-    وإن أراد بنفي المكان أن الله تعالى ليس في العلو ، وأنه ليس فوق سماواته ، وأنه ليس مستوياً على عرشه استواءً يليق بجلاله ، فقد أعظم على الله الفرية ، وأنكر صريح الكتاب والسنة ، وخالف إجماع سلف الأمة ، وناقض العقل ، وخرج عن مقتضى الفطرة قال بعض أكابر أصحاب الشافعي : ( في القرءان ألف دليل أو أزيد ، تدل على أن الله تعالى عالٍ على الخلق ، وأنه فوق عباده ) وذلك بذكر العلو ، والفوقية ، والاستواء، وصعود الأشياء ، وعروجها ، ورفعها إليه ، أو نزولها منه ، مما يطول المقام بسرده . قال الأوزاعي ، رحمه الله: ( كنا والتابعون متوافرون نقول : إن الله تعالى ذكره فوق عرشه ، ونؤمن بما جاءت به السنة من الصفات ) . وقد صنف الإمام الذهبي ، رحمه الله ، كتاباً حافلاً بالأدلة من الكتاب والسنة والآثار عن السلف في إثبات علو لله تعالى علواً حقيقياً، سماه : ( العلو للعلي الغفار ) ، وكذلك قرر غيره من المصنفين ، كأبي عثمان الصابوني الشافعي ، رحمه الله ، في عقيدة السلف ، وأبي القاسم اللالكائي الشافعي ، رحمه الله ، في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ، وغيرهم كثير. ولم يقل أحد من السلف قط أن الله ليس في السماء ، و لا أنه بذاته سبحانه في كل مكان ، ولا أن جميع الأمكنة بالنسبة إليه سواء ، ولا أنه لا داخل العالم ولا خارجه ، ونحو ذلك من العبارات التي أحدثها المبتدعة ، وخرجوا بها عن منطوق الكتاب والسنة ، ومدلولهما ، وعن فهم السلف الصالح . والواجب على أهل الإيمان لزوم خبر الله ورسوله نفياً وإثباتاً ، وعدم العدول إلى ألفاظٍ مجملةٍ ، موهمةٍ ، لم ترد في الكتاب والسنة بنفي ولا إثبات .
 
الموضع الرابع
     قال الكاتب: ( 10-س: هل يأتي الدعاء بغير معنى العبادة ؟ نعم .   قال تعالى : ( لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضاً ) ثم قال :
( 11- س : ما حكم نداء نبي أو ولي ولو كان غائباً ، أو طلب شيءٍ منه لم تجر به العادة ؟
يجوز ذلك ، لأن مجرد ذلك لا يعد عبادة لغير الله . وليس مجرد قول : ( يا رسول الله ) إشراكاً بالله . وقد ثبت أن بلال بن الحارث المزني أتى قبر الرسول عام الرمادة ، أيام عمر، فقال : ( يا رسول الله ، استسق لأمتك ، فإنهم قد هلكوا ) رواه البيهقي وغيره، فلم ينكر عليه عمر ، ولا غيره ، بل استحسنوا فعله . قال تعالى : ( ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباً رحيماً ) والحديث: قول ابن عمر: ( يا محمد ) لما خدرت رجله . رواه البخاري في الأدب المفرد .)
 
التعقيب : قرن الكاتب بين هذين السؤالين ليوهم – هداه الله – أن دعاء غير الله ، بما لا يقدر عليه إلا الله ، ولو كان غائباً ، ليس دعاء عباده !! والجواب عما أورده من وجوه :
أولاً : أن دعاء الرسول الذي نهى الله المؤمنين عنه، نداءٌ لحي حاضر، باسمه الصريح ، أو بكنيته ، إما لإخباره ، أو استفتائه ، أو طلب ما أقدره الله عليه. وليس نداءً لغائب، أو طلب شيءٍ منه لم تجر العادة به . بل كان حين دعوه ونادوه ، حياً بين ظهرانيهم ، يمشي على الأرض ، ويجيب الخطاب ، صلى الله عليه وسلم . فأراد الله أن يؤدب عباده المؤمنين في حال مناداة نبيه . قال ابن عباس ، رضي الله عنهما: ( كانوا يقولون: يا محمد ، يا أبا القاسم ، فنهاهم الله ، عز وجل ، عن ذلك ، إعظاماً لنبيه ، صلوات الله وسلامه عليه . قال : فقالوا : يا رسول الله ، يا نبي الله ) هذا أحد التفسيرين ، والثاني : ( لا تعتقدوا أن دعاءه على غيره ، كدعاء غيره ، فإن دعاءه مستجاب ، فاحذروا أن يدعو عليكم ، فتهلكوا ) تفسير ابن كثير : 6 /89 .فلا دلالة في الآية على جواز نداء نبيٍ ، أو ولي ، غائب ، لا بما جرت به العادة ولا بما لم تجر به .
ثانياً : أن القصة التي استشهد بها الكاتب منكرة سنداً ومتناً ؛ ففي سندها مالك الداري ، مجهول الحال ، كما أن السائل مبهم ، وإنما سماه (بلالاً) سيفُ بن عمر التميمي ، الإخباري المرمي بالوضع .قال فيه ابن حبان :( يروي الموضوعات عن الأثبات ، وقالوا: أنه كان يضع الحديث ) .
     وأما نكارة متنه ، فلأن عمل الصحابة ، رضوان الله عليهم ، على خلافه ، فلم يأت أحدٌ منهم ؛ لا عمر ولا غيره من العشرة المبشرين ، إلى قبره صلى الله عليه وسلم يسأله الاستسقاء لأمته ، مع كمال علمهم ، ووفرة شفقتهم ونصحهم ، بل إن أمير المؤمنين عمر ، رضي الله عنه ، لما وقع الجدب عام الرمادة ، عدل إلى الاستسقاء بالعباس – أي بدعائه – رضي الله عنه ، لكونه عم النبي صلى الله عليه وسلم ، ولو كان نداء النبي صلى الله عليه وسلم ، وطلبه أن يستسقي لأمته جائزاً ، لما عدل عمر عن النبي إلى عم النبي صلى الله عليه وسلم .
ثالثاً : أثر ابن عمر، رضي الله عنهما ، لماَّ خدرت رجله ، رواه البخاري في الأدب المفرد ، وابن السني في عمل اليوم والليلة ؛ في بعض النسخ بذكر اسم النبي صلى الله عليه وسلم مجرداً ، وفي أُخر مصدراً بياء النداء . والجواب من وجوه :
1-    أن الأثر ضعيف ، بسبب عنعنة أبي إسحاق السبيعي في جميع طرقه ، وهو مدلس . وأشد منه ضعفاً ما يروى عن ابن عباس ، فإنه موضوع .
2-            أنه منكر المتن من ثلاثة أوجه :
أحدهما : أن الله نهى عباده المؤمنين أن ينادوا النبي صلى الله عليه وسلم باسمه المجرد ، كما تقدم في معنى قوله تعالى : ( لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضاً ) فكيف يتصور صدور ذلك من ابن عمر ، رضي الله عنهما ، مع شدة اتباعه !!
الثاني : أنه من المتقرر لدى كل مسلم ، ناهيك عن الصحابة الكرام ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب الناس إليهم . فلا حاجة أن يقول قائل لمن خدرت رجله : اذكر أحب الناس إليك ! ولاكتفى بالقول : اذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم .
الثالث : أن المناسب لمن قيل له اذكر كذا ، أن يلفظ اسمه ، أو لقبه ، أو كنيته ، دون ياء النداء . فلو قيل لشخصٍ : اذكر أعز أصدقائك، لقال : فلان ، ولم يقل : يا فلان.
3-أنه على فرض صحة الأثر، فليس فيه مستمسك لمن جوز سؤال غير الله ، ما لم تجر العادة به ؛ فهو لم يقل : يا محمد أزل خدري ، أو أشكو إليك خدر رجلي . وغاية ما فيه أن يجد بعض الناس بمحض التجربة أن ذكر محبوبهم ، يبعث فيهم نوع نشاط ، وانبساط ، يذهب عنهم ما قد وقع لهم من فتورٍ ونحوه ، على حد قول الشاعر :
     وإني لتعروني لذكراك هزة            كما انتفض العصفور بلله القطر.
     وما ذهب إليه الكاتب من محاولة الخلط بين دعاء المخاطبة ، ودعاء العبادة ،يفضي إلى هدم ركن الدين الأعظم، الذي دل عليه قوله تعالى:( وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحداً ) الجن:18 
 
الموضع الخامس
     قال الكاتب : ( 12-س: بين معنى الاستغاثة والاستعانة مع الدليل ؟
الاستغاثة هي طلب الغوث عند الضيق، والاستعانة أعم وأشمل. قال تعالى: ( واستعينوا بالصبر والصلاة ) . الحديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( تدنو الشمس من رؤوس الناس يوم القيامة ، فبينما هم كذلك ، إذ استغاثوا بآدم ) رواه البخاري . وفي هذا دليل على أن الاستعانة بغير الله جائزة ، ولكن مع اعتقاد أنه لا ضار و لا نافع على الحقيقة إلا الله .) أ.هـ
التعقيب: في هذا الكلام خلط، ولبس للحق بالباطل ؛ فإن الاستعانة والاستغاثة ونحوهما نوعان :
أحدهما : أن تُطلب من حي ، حاضر ، قادر ، فلا حرج في ذلك ، ولم يزل ذلك دأب الناس ، ومقتضى معاشهم . ومن شواهده قوله تعالى في قصة موسى ، عليه السلام :  ( فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه ) القصص : 15 ، ومقتضى قوله تعالى : ( وتعاونوا على البر والتقوى ) المائدة : 2 ، وما استشهد به الكاتب من استغاثة الخلائق بأبيهم آدم في المحشر أن يشفع لهم عند ربهم لفصل القضاء . ويلتحق بهذا النوع ، بل يجب أو يستحب ، الاستعانة بالأعمال والأحوال المشروعة ، كما في قوله تعالى : ( واستعينوا بالصبر والصلاة ) البقرة : 45 .
الثاني : أن تُطلب من ميت ، أو غائب ، أو عاجز عجزاً أصلياَ ، مثل سؤال غير الله المدد ، والفرج ، والشفاء من المرض ، والنصر على الأعداء ، وكشف السوء ، وغيرها من الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله ، فهذا عين الشرك الأكبر الذي بعث الأنبياء بحربه ، والبراءة من أهله ، وضرورة توحيد الله به . ومن أدلة ذلك قوله تعالى في الاستعانة : ( إياك نعبد وإياك نستعين ) وتقديم المعمول ( إياك ) يفيد الاختصاص ، وقوله صلى الله عليه وسلم لابن عباس ، رضي الله عنهما : ( إذا سألت فاسأل الله ، وإذا استعنت فاستعن بالله ) رواه أحمد والترمذي . وقال تعالى في الاستغاثة : ( إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألفٍ من الملائكة مردفين )الأنفال: 9. فلم يستغيثوا بالنبي صلى الله عليه وسلم في ذلك الموقف العصيب ، ولم يطلبوا منه المدد ، بل استغاثوا بربهم ومعبودهم وحده ، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم : ( اللهم أنجز لي ما وعدتني ، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض ) رواه مسلم .
     فلا بد من التمييز بين نوعي الاستعانة والاستغاثة ، ولا يجوز إطلاق القول بجوازهما بغير الله ، ولا يكفي تقييد ذلك باعتقاد أنه لا نافع ولا ضار على الحقيقة إلا الله ، فإن مجرد هذا الاعتقاد لم ينفع المشركين ، ولم يرفع عنهم وصمة الشرك ، قال تعالى عنهم : ( قل من بيده ملكوت كل شيءٍ وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون . سيقولون لله قل فأنى تسحرون . بل أتيناهم بالحق وإنهم لكاذبون ) المؤمنون : 88-90. فما أغنى عنهم اعتقادهم بتوحيد الربوبية في الملك والتدبير ، إذ وقعوا في شرك العبادة بدعاء غير الله ، والاستعانة والاستغاثة بغير الله . ولهذا جعل الله إجابة دعاء المضطر، من مستعين ومستغيث، وكشف الضر عنه، دليلاً على استحقاقه لتوحيد الألوهية ، فقال : ( أمَّن يجيب المضطر إذا دعاه ، ويكشف السوء ، ويجعلكم خلفاء الأرض ، أءله مع الله قليلاً ما تذكرون ) النمل : 62 .
الموضع السادس
     قال الكاتب : ( 13- س : تكلم عن التوسل بالأنبياء ؟
يجوز التوسل بهم بالإجماع ، والتوسل هو طلب جلب منفعة أو اندفاع مضرة بذكر نبي أو ولي إكراماَ للمتوسل به ، مع اعتقاد أن الله هو الضار والنافع على الحقيقة ، قال تعالى : ( وابتغوا إليه الوسيلة ) . الحديث : الرسول علم الأعمى أن يتوسل به ففعل الأعمى ، فرد الله بصره إليه ) رواه الطبراني وصححه) ، ثم قال الكاتب : ( 14- س : تكلم عن التوسل بالأولياء ؟
يجوز التوسل بهم ، ولا يعرف في ذلك مخالف من أهل الحق سلفاً وخلفاً . الحديث : أن عمر توسل بالعباس قائلاً : اللهم إنا نتوسل إليك بعم نبينا . قال : فيسقون ) رواه البخاري .) أ.هـ
التعقيب : في هذه القطعة أخطاءٌ وتلبيسات ؛ فقد عرَّف الكاتب التوسل بتعريفٍ محدث ، مخالفٍ للمراد به في نصوص الكتاب والسنة ، واستعمال الصحابة . فلفظ:  ( الوسيلة ) يراد به معنيان صحيحان باتفاق المسلمين ، وهما :
1- الإيمان به وطاعته سبحانه ، وهو المراد بقوله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة ) المائدة : 35 ، قال شيخ المفسرين ، ابن جرير الطبري ، رحمه الله : ( اطلبوا القربة إليه بالعمل بما يرضيه ) 6/226 ، وحكاه عن أبي وائل، وعطاء، والسدي، وقتادة، ومجاهد، والحسن ، وعبد الله بن كثير، وابن زيد، أنها القربة . ولم يحك قولاً سواه . وحكاه ابن كثير ، رحمه الله ، عن ابن عباس أيضاً ، ثم قال : ( وهذا الذي قاله هؤلاء الأئمة لا خلاف بين المفسرين فيه ) 3/103. فكيف تجرأ الكاتب على حمل الآية على معنىً محدث ، غير مراد لله تعالى بإجماع المفسرين ؟! وكذلك قوله تعالى: ( أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب) الإسراء :57 ، قال ابن جرير: ( أيهم بصالح عمله واجتهاده في عبادته أقرب عنده زلفة ) 15/104 
2-التوسل بدعائه صلى الله عليه وسلم في حياته : وهو الذي كان يفعله الصحابة رضوان الله عليهم ، كما قال عمر : ( اللهم إنا كنا إذا أجدبنا توسلنا إليك بنبينا فتسقينا ) أي بدعائه ، لا بذاته . ولهذا عدلوا عن التوسل به بعد مماته إلى التوسل بعمه العباس ، فقال : ( وإنا نتوسل إليك بعم نبينا ، فاسقنا ) أي بدعاء العباس . ولو كان توسلهم بذاته صلى الله عليه وسلم لما عدلوا عنه إلى التوسل بذات العباس ، كما أوهم الكاتب . وإنما عدلوا عن التوسل بدعائه صلى الله عليه وسلم إلى التوسل بدعاء العباس ، لأن ما يفعل بحياته قد تعذر بموته ، فلا يصح شرعاً ولا عقلاً أن يطلب منه الدعاء ، إلى أن يرد الله روحه يوم القيامة ، فحينئذ يطلبون منه الشفاعة عند ربه ، فيدعو بما يفتح الله عليه من محامد ، ويقول : أمتي ، أمتي . وأما حديث الأعمى فصريح أنه توسل بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم وشفاعته ، فقد طلب منه الدعاء بقوله : ( ادع الله أن يعافيني . فقال : إن شئتَ دعوتُ لك ، وإن شئتَ أخَّرتُ ذاك ، فهو خير. فقال : ادعه . فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه ، فيصلي ركعتين ، ويدعو بهذا الدعاء : اللهم إني أسألك ، وأتوجه إليك بنبيك محمد ، نبي الرحمة ، يا محمد إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه ، فتقضى لي ، اللهم فشفعه فيَّ ، وشفعني فيه . قال : ففعل الرجل ، فبرأ ) رواه أحمد ، والترمذي والطبراني . فقول الأعمى في دعائه : (اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك ) كقول عمر : ( اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبيك ) أي بدعائه ، لا بذاته . ولو كان توسل بذاته لكان غيره من العميان ، الذين لم يدعُ لهم النبي صلى الله عليه وسلم ، ترد إليهم أبصارهم .
     وهذان المعنيان من معاني التوسل محل إجماع المسلمين ؛ لأن الأول ، وهو التوسل بالإيمان به وطاعته ، أصل الدين . والثاني ، وهو التوسل بدعائه صلى الله عليه وسلم وشفاعته ، فعل صحابته بإقراره . وأما التوسل الذي عناه الكاتب ، وهو التوسل بذاته بجلب منفعة،أو دفع مضرة فلم يكن الصحابة يفعلونه ، لا في حياته ، ولا بعد مماته ، لا عند قبره ، ولا بعيداً عنه ، لا في الاستسقاء ، ولا في غيره من النوازل . وادعاء الإجماع على جوازه مجازفة وغلط ؛ فأبو حنيفة وأصحابه يمنعونه ، وينهون عنه . قال القُدوري : (قال بشر بن الوليد حدثنا أبو يوسف قال أبو حنيفة : لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا بالله ، وأكره أن يقول : بمعاقد العز من عرشك ، أو بحق خلقك ، وهو قول أبي يوسف . قال أبو يوسف :بمعقد العز من عرشه هو الله ، فلا أكره هذا ، وأكره أن يقول : بحق فلان ، أو بحق أنبيائك ورسلك ، أو بحق البيت الحرام والمشعر الحرام ) . 
     وقول القائل : ( أسألك بفلان ، أو بحق فلان ، أو بجاه فلان ) ونحوها نوعان :
1-    فإن أراد بالباء ( باء القسم ) فحرام قطعاً ، لأنه لا يجوز أن يقسم على المخلوق بمخلوق فكيف على الخالق ؟!
2-    وإن أراد ( باء السببية ) أي بسبب جاهه وحرمته عندك ، فهذا محل نزاع ، لا إجماع . والصحيح المنع ، فليس مجرد جاههم وقدرهم مما يقتضي إجابة دعائه والانتفاع به . وإنما ينفعهم هم . وينفعه هو إذا دعوا له ، وشفعوا فيه . وينفعه إذا تأسى بهم في طاعتهم لله ، وامتثال أمره ، واجتناب نهيه . وجمهور الأئمة كمالك ، والشافعي ، وأبي حنيفة وإحدى الروايتين عن أحمد ، على منع الإقسام بالنبي صلى الله عليه وسلم على الله ، فضلاً عن الملائكة ، وسائر الأنبياء ، ناهيك عن الأولياء ، والتوسل كالحلف .
وبهذا يتبين أن قول الكاتب : ( يجوز التوسل بهم – يعني بذوات الأولياء- ولا يعرف في ذلك مخالف من أهل الحق سلفاً وخلفاً ) ضرب من التلبيس على الناس . وقد استزل الشيطان بعض هؤلاء المتوسلين بذوات من يعتقدونهم أولياء إلى ألوان من الشرك الأكبر، كدعائهم من دون الله ، وطلب تفريج الكربات ، وقضاء الحاجات ، والغلو في أشخاصهم ، باعتقاد حلول البركة بمجرد النظر إليهم ،أو مسهم، أو مس بعض ما يتصل بهم ، ونحو ذلك من النسك الوثني .
 
الموضع السابع
     قال الكاتب : ( 15- س: بين معنى حديث الجارية ؟
الحديث مضطرب ، ومن جرى على تصحيحه فليس معناه أن الله ساكن السماء . قال النووي في شرحه على الحديث ( قول أين الله ، سؤال عن المكانة لا عن المكان ) معناه ما اعتقادك من التعظيم في الله . وقولها ( في السماء ) أي رفيع القدر جداً . ولا يجوز اعتقاد أن الرسول سألها عن المكان ، ولا اعتقاد أن الله ساكن السماء . قال الإمام علي ( لا يقال أين لمن أيَّن الأين ) في كتاب الرسالة القشيرية ، لأبي القاسم القشيري، وقال أبو حنيفة في كتاب الفقه الأبسط : ( كان قبل المكان ، كان ولم يكن أين ولا خلق وهو خالق كل شيء ) قال تعالى : ( ليس كمثله شيء ) الحديث : ( كان الله ولم يكن شيء غيره ) رواه البخاري .) أ.هـ
التعقيب : قد سبق الكلام في ( الموضع الثالث ) على مسألة ( المكان ) بما أغنى عن إعادته .
والكلام هنا على حديث الجارية ، من وجوه :
أولاً : لم يذكر الكاتب من روى حديث الجارية ، خلافاً لطريقته في سائر الأحاديث التي أوردها ! وحكم عليه بالاضطراب !! والحديث صحيح محفوظ ، رواه الإمام مسلم برقم (537 ) .
ثانياً : لم يقل أحدٌ من أهل السنة ( أن الله ساكن السماء ) بل قالوا كما قال ربهم عن نفسه ، وكما وصفه نبيه صلى الله عليه وسلم أنه ( في السماء ) . وليس معنى ذلك عندهم أن السماء تحيط به ، سبحانه وتعالى وتقدس ، كما تقدم ، بل لها معنيان صحيحان :
1-    أن (في) بمعنى (على) ، فحروف الجر تتناوب في اللغة العربية ، وهذا كثير في القرءان الكريم كقوله : ( ولأصلبنكم في جذوع النخل ) طه: 71 . أي : عليها ، وقوله: ( قل سيروا في الأرض ) الأنعام :11 .وقوله: ( فامشوا في مناكبها ) الملك :15 .فمعنى ( على السماء )حينئذ : أي فوقها .
2-     أن ( السماء ) بمعنى العلو . قال الزَّجاج : ( السماء في اللغة يقال لكل ما ارتفع وعلا ) لسان العرب :6/378 . وحينئذ يكون المعنى : في العلو .
ثالثاً : لا ريب أن الله تعالى له العلو المطلق ، بأنواعه الثلاثة :
1-            علو القدر : فله الأسماء الحسنى، والصفات العلى، والمثل الأعلى في السماوات والأرض.
2-            علو القهر : فهو القاهر فوق عباده ، وله أسلم من في السماوات والأرض طوعاً وكرهاً.
3-            علو الذات : ومعناه أن الله بذاته فوق جميع مخلوقاته ، مستوٍ على عرشه ، بائن من خلقه ليس حالاً في خلقه ، وليس شيء من خلقه حالاً فيه سبحانه . هذا هو منطوق الكتاب والسنة ، وإجماع سلف الأمة ، ومقتضى العقل والفطرة .
لكن بعض المتأخرين من أهل الكلام المتأثرين بالمنطق اليوناني ، استوحشوا بعض ألفاظ الكتاب والسنة ، وسلطوا عليها معاول النحت والنقض ، وطفقوا يتعسفون التأويلات المتكلفة ، يحملون عليها نصوص الكتاب والسنة ، دون موجب . وسر ذلك أنه سبق إلى أذهانهم أن ظواهر بعض النصوص تستلزم التشبيه ، ففروا إلى التعطيل . وحاشا أن يلزم كلام الله تعالى لازمٌ فاسد ، فإنه سبحانه : 1- أعلم بنفسه –2- وأصدق قيلاً –3- وأحسن حديثاً . وحاشا أن يلزم كلام نبيه لازم فاسد ، فإنه : 1- أعلم الناس بربه –2- وأصدقهم –3- وأفصحهم 4- وأنصح الناس للناس صلى الله عليه وسلم، فيستحيل مع هذه المقتضيات التامة أن تحتاج نصوص الوحيين إلى تدخل متحذلق ، بدعوى رفع الالتباس عن الناس . فهل هم أعلم بالله من الله ؟! وهل بيانهم أبين من الكتاب المبين الذي جعله الله هدى وشفاءً لما في الصدور ؟! أم هم أغْير على الله من رسول الله ، وأشد تحقيقاً ، وأعظم شفقةً منه على الأمة ، حتى يستدركوا عليه صلى الله عليه وسلم ، ويقول قائلهم : مراده كذا ، وليس مراده كذا ؟!! تالله إن هذا لضرب من التقدم بين يدي الله ورسوله (يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم) الحجرات1
وهل كان يعجز رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول للجارية : ما اعتقادك من التعظيم في الله حتى يعدل عنه إلى قوله : أين الله ؟! سيما والمقام مقام تبيُّن واختبار ، لا مقام أحاجي وإلغاز .
رابعاً : ما نسبه الكاتب إلى بعض العلماء أعلاه ، فبيانه كالتالي :
1-    لم يذكر النووي ، رحمه الله ، في شرحه لصحيح مسلم ، العبارة التي ساقها الكاتب ، ولم يعزها الكاتب إلى مصنف آخر . ومنهج النووي عند ذكر آيات الصفات وأحاديثها أن يقرر مذهبين : مذهب السلف في ترك التأويل ، ومذهب الخلف في التأويل ،كما صنع في هذا الموضع ، وفي مواضع أخرى من شرح كتاب الإيمان في صحيح مسلم . ولا شك أن المذهب الحق مذهب السلف الصالح وهو الإثبات بلا تمثيل، لا التحريف ، ولا التعطيل ، ولا التجهيل ، الذي يسميه أصحابه التفويض .
2-    لا يصح عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه ، ما يخالف الصحيح الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . فكيف يتصور مؤمن أن يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:( أين الله ) ثم يقول علي، رضي الله عنه: ( لا يقال أين ) !! كما أن جملة    ( أيَّن الأين ) ليست من كلام العرب ، والصنعة عليها بادية .
3-    ما نسبه إلى أبي حنيفة ، رحمه الله ، فيما سماه كتاب الفقه الأبسط ، إن صح عنه فمراده المكان المخلوق ، والأين المتعلقة بمخلوق . قال أبو مطيع البلخي، راوي ( الفقه الأكبر ): ( قال أبو حنيفة عمن قال : لا أعرف ربي في السماء أم في الأرض ، فقد كفر ، لأن الله يقول :( الرحمن على العرش استوى ) ، وعرشه فوق سبع سماوات . قلت : فإن قال :إنه على العرش استوى ، ولكنه يقول : لا أدري العرش في السماء أم في الأرض ؟ قال : هو كافر ، لأنه أنكر أن يكون في السماء ، لأنه تعالى في أعلى عليين ، وأنه يدعى من أعلى ، لا من أسفل ) فإذا كان أبو حنيفة ، رحمه الله ، كفر الواقف المتردد ، فكيف بالنافي الذي يقول : ليس في السماء !! ولا ريب أن الله تعالى كان ولم يكن شيء غيره ، وهو الأول فليس قبله شيء ، وهو الظاهر ، فليس فوقه شيء .
 
الموضع الثامن
قال الكاتب ( 19-س : بين حكم مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم؟جائز بالإجماع …الخ )
التعقيب: هذا حق ، ولكن ينبغي أن يقيد بما قيده به النبي صلى الله عليه وسلم بقوله لوفد بني عامر حين قالوا له : أنت سيدنا ، فقال : السيد الله تبارك وتعالى . قالوا : وأفضلنا فضلاً ، وأعظمنا طولاً ، فقال: قولوا بقولكم ، أو بعض قولكم ، ولا يستجرينكم الشيطان )رواه أبو داود والنسائي بسند صحيح، وقوله:( لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم ؛ إنما أنا عبد،فقولوا: عبد الله ورسوله) متفق عليه .
وكثير ممن ينظمون المدائح النبوية ، يخرجون عن الرسوم الشرعية إلى ألوان من الغلو المذموم .
الموضع التاسع
     قال الكاتب : تكلم عن أنواع البدع ، وما الدليل على وجود بدعة حسنة ؟
البدعة لغة هي كل ما أحدث على غير مثال سابق له ، أما من حيث الشرع فتنقسم إلى بدعة هدى وبدعة ضلالة . قال تعالى : ( ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله ) الله مدح فعل أتباع عيسى المسلمين من انقطاعهم عن الشهوات مما لم يفرض عليهم وذلك ابتغاء رضوان الله . الحديث : ( من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده ) رواه مسلم . وقد أحدث الصحابة ومن بعدهم كثيراً من الأمور الحسنة في الدين وتلقتها الأمة بالقبول كعمل المحاريب ، والأذان الثاني – كذا ، ولعل مراده الأول – لصلاة الجمعة ، وتنقيط المصحف وعمل المولد النبوي الشريف ) أ.هـ
التعقيب : على هذا الجواب من وجوه :
أولاً : عرف الكاتب البدعة لغةً ، ولم يعرفها شرعاً ، بل اقتصر على تقسيمها . وقد عرفها الإمام الشاطبي ، رحمه الله ، بقوله : ( طريقة في الدين مخترعة ، تضاهي الشرعية ، يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه ) الاعتصام :37 .
ثانياً : قول الكاتب : ( تنقسم إلى بدعة هدى وبدعة ضلالة ) مصادمة صريحة لقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( وكل بدعة ضلالة ) رواه مسلم . و (كل) من ألفاظ العموم ، كما هو متقرر عند الأصوليين ، مستغرق لجميع أفراده ، بلا حصر . فالبدعة في دين الله مذمومة مطلقاً ، ليس فيها هدى ، بل محض ضلال. قال صلى الله عليه وسلم : ( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ) متفق عليه . وفي رواية لمسلم: ( من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد ).  
ثالثاً : قول الكاتب ( الله مدح فعل أتباع عيسى المسلمين …الخ ) غلطٌ فاحش ، وقلبٌ لمراد الله قال الحافظ ابن كثير : ( هذا ذم لهم من وجهين ، أحدهما : في الابتداع في دين الله ما لم يأمر به الله. والثاني : في عدم قيامهم بما التزموه ، مما زعموا أنه قربة يقربهم إلى الله،عز وجل) التفسير:8/29                                   
     ومن عجبٍ أن الكاتب علق مدحهم على انقطاعهم عن أمورٍ أحلت لهم ‍‍‍‍‍‍‍‍!! روى الشيخان من حديث أنس رضي الله عنه قال : جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادته، فلما أخبروا كأنهم تقالُّوها ، فقالوا: وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم؟ قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، فقال أحدهم : أما أنا فإني أصلي الليل أبداً ، وقال آخر : أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر : وأنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبداً . فجاء إليهم النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : أنتم الذين قلتم كذا وكذا ؟ أما والله إني لأخشاكم لله ، وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء. فمن رغب عن سنتي فليس مني) فهؤلاء الرهط خالفوا السنة المحمدية ، ووقعوا في البدعة التَرْكية .
رابعاً : استدلال الكاتب بحديث: ( من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها ) لا يسعفه فيما أراد من تأنيس البدعة ، بل هو عليه ، لا له . وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قيده بقوله : ( في الإسلام ) أي : مما له أصل في الشريعة ، لا مما هو خارج عما رسمه الشارع . ويبين ذلك جلياً سبب الحديث؛فقد روى الإمام مسلم عن جرير بن عبد الله، رضي الله عنه، قال: جاء ناس من الأعراب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، عليهم الصوف ، فرأى سوء حالهم قد أصابتهم حاجة ، فحث الناس على الصدقة ، فأبطؤا عنه ، حتى رؤي ذلك في وجهه . قال ثم إن رجلاً من الأنصار جاء بصرةٍ من ورق ، ثم جاء آخر ، ثم تتابعوا حتى عرف السرور في وجهه، فقال : من سن في الإسلام …الحديث ) فدل على أن المراد : أن يفتتح عملاً مشروعاً في أصله، كالصدقة ، أو يحيي سنةً مندثرة ، لا أن يحدث في دين الله ما ليس منه ، من الأحوال والأذكار والكيفيات المبتدعة ، التي لا أصل لها في الدين ، وليس عليها عمل الصحابة والتابعين .
خامساً : ما مثَّل به الكاتب مما أحدثه الصحابة ، رضوان الله عليهم ، لا يدخل في حد البدعة أصلاً ؛ إذ المقصود بالبدعة مضاهاة الشرعية ، أي مشابهتها، كما قال الشاطبي، ومثَّل لذلك بقوله : ( ومنها التزام الكيفيات والهيئات المعيَّنة ، كالذكر بهيئة الاجتماع على صوت واحد، واتخاذ يوم ولادة النبي صلى الله عليه وسلم عيداً، وما أشبه ذلك ) الاعتصام :39 .
     وأما اتخاذ المحاريب فلأجل الدلالة على القبلة ، وأما النداء الأول فقد أحدثه الخليفة الراشد عثمان ، رضي الله عنه ، لما كثر الناس بالمدينة ليتهيئوا للجمعة ، وأما تنقيط المصحف فلرفع الالتباس عن القارىء . وكل هذه الأمثلة لا يقصد بها التعبد ، بل هي من باب المصالح العامة ، أو السياسة الشرعية ، كطريقة الاستخلاف في عهد أبي بكر ، وتدوين الدواوين في عهد عمر ، وجمع الناس على مصحف واحد في عهد عثمان ، مما يتلاءم مع مقاصد الشريعة ، ويندرج تحت نصوص عامة متعددة ، ويجري على قواعد معقولة ، ويرجع إلى حفظ الضروريات ، ورفع الحرج . أما البدع فإنها تفتقر إلى ذلك كله ؛ فهي استدراك على الشريعة ، ولا تتعلق بمعقول ، بل بأمور تعبدية ، كما أنها تفضي إلى التشديد ، لا إلى رفع الحرج عن الأمة .
 
الموضع العاشر
     قال الكاتب : ( 37-س : تكلم عن صفة الكلام لله تعالى .
الله يتكلم لا ككلامنا،كلامه ليس حرفاً ولا صوتاً ولا لغةً . قال تعالى:( وكلم الله موسى تكليما ) قال الإمام أبوحنيفة في الفقه الأبسط : ( ويتكلم لا ككلامنا ، نحن نتكلم بالآلات والحروف والمخارج . والله متكلم بلا آلة ولا مخرج ) . أ . هـ
التعقيب: الواجب في باب أسماء الله وصفاته لزوم ما دل عليه الكتاب والسنة لفظاً ومعنى، وإثبات ما أثبتاه، ونفي ما نفياه، إثباتاً بلا تمثيل ، ونفياً بلا تعطيل (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) فالله جل وعلا يتكلم بكلام حقيقي، يليق بجلاله،كما أكَّد ذلك بالمصدر في قوله: ( وكلم الله موسى تكليما ) النساء :164 ، يُسمعه من شاء من خلقه، كالملائكة ، وقد سمعه الأبوان في الجنة، وسمعه موسى عليه السلام في الطور ، وسمعه محمد صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج حين فرض عليه الصلوات الخمس ، ويسمعه عيسى عليه السلام يوم القيامة ، ويسمعه أهل الجنة ، كما تواترت بذلك الأدلة من الكتاب والسنة . وتارةً يكون مناداةً ، وتارةً يكون مناجاةً ، كما قال :     (وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجياً) مريم :52، (وناداهما ربهما)الأعراف:22. والمناداة والمناجاة لا تكون إلا بصوت ، كما في الحديث القدسي الذي رواه أبو سعيد الخدري ، رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( يقول الله تعالى : يا آدم ! فيقول لبيك وسعديك فينادي بصوت : إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثاً إلى النار ) الحديث . متفق عليه .
     وكلامه سبحانه حروف وأصوات تليق به ، لا تشبه حروف المخلوقين وأصواتهم، كما أن سمعه وبصره لا يشبه سمع المخلوقين وأبصارهم .           
     وكلامه سبحانه متعلق بمشيئته ، فهو يتكلم متى شاء، بما شاء، كيف شاء ، لم يزل ، ولا يزال متكلماً ، لأنه لم يزل ولا يزال خلاَّقاً ، فعَّالاً لما يريد ؛ قال سبحانه : ( إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون ) الإسراء : 40 . فكلامه سبحانه قديم النوع ، حادث الآحاد ، أي أنه باعتبار أصله صفة ذاتية ، وباعتبار آحاده وأفراده صفة فعلية .
الموضع الحادي عشر
     قال الكاتب:( 28-س:ما معنى قوله تعالى:(الرحمن على العرش استوى)؟
قال الإمام مالك : استوى كما وصف نفسه . ولا يقال عنه كيف ، وكيف عنه مرفوع . والكيف صفة المخلوق. ومن صفة المخلوق الجلوس والاستقرار والمكان . وقال القشيري : استوى أي حفظ وقهر وأبقى . ولا يجوز اعتقاد أنه جالس على العرش لأن هذه عقيدة اليهود وفيها تكذيب لقوله تعالى : ( فلا تضربوا لله الأمثال ) . قال تعالى : ( وبرزوا لله الواحد القهار) الحديث : قال الإمام علي : إن الله خلق العرش إظهاراً لقدرته ، ولم يتخذه مكاناً لذاته ) رواه أبو منصور البغدادي .) أ.هـ
التعقيب: تقدم ذكر جملة من المسائل المتعلقة بصفات الله تعالى في المواضع : 1 ، 3 ، 7 ، 10 فلتراجع . والتعقيب هاهنا من وجوه :
أولاً : لم يميز الكاتب كلامه من كلام الإمام مالك ، رحمه الله . والمحفوظ عنه ما رواه اللالكائي بسنده عن جعفر بن عبد الله قال : ( جاء رجل إلى مالك بن أنس ، فقال: يا أبا عبد الله ( الرحمن على العرش استوى ) كيف استوى ؟ قال : فما رأيت مالكاً وجد من شيء كموجدته من مقالته وعلاه الرحضاء – يعني العرق – قال : وأطرق القوم ، وجعلوا ينتظرون ما يأتي منه فيه . قال : فسري عن مالك ، فقال : الكيف غير معقول ، والاستواء منه غير مجهول ، والإيمان به واجب ، والسؤال عنه بدعة، فإني أخاف أن تكون ضالاً ، وأمر به فأخرج) شرح أصول اعتقاد أهل السنة:3/398 فقوله ( الكيف غير معقول ) معناه : أن عقول المخلوقين قاصرة عن تصور كيفية صفات الله ، فلا يحل السؤال عن الكيفية . وليس المراد أن ليس لها كيف في الواقع ، وإلا لكان عين التعطيل . وقوله ( والاستواء منه غير مجهول ) أي أن الاستواء غير مجهول المعنى في لغة العرب .
ثانياً : أن معنى ( استوى ) في لغة العرب ، إذا تعدى بحرف الجر (على) : علا ، واستقر ، كما في قول الله تعالى عن الفلك والأنعام ( لتستووا على ظهوره ) الزخرف: 13، وهو محكي عن أئمة اللغة كابن الأعرابي ، وثعلب ، والخليل . فاستواء الله على عرشه معناه : علوه واستقراره عليه علواً واستقراراً يليق بجلاله وعظمته .
     وأما من قال ( استوى ) أي : حفظ وقهر وأبقى أو استولى ونحو هذه المعاني المزعومة ، فإنه مقر بأن لغة العرب لا تأتي بذلك ، وإنما سوغ له هذا التأويل المذموم اعتقاده أن إثبات الاستواء يستلزم التشبيه ، وذلك توهم محض، وغفل أن تحريفه ذاك أوقعه في لوازم فاسدة أشد مما فر منه، منها : أنه لم يكن حافظاً للعرش، ولا قاهرا له ، ولا مستولياً عليه، ثم تم له ذلك !! لأن الله يقول:(خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش) الأعراف :54. ولما قال رجل لابن الأعرابي أن معنى استوى : استولى ، قال له ( اسكت ، ما أنت وهذا . لا يقال استولى على الشيء إلاَّ أن يكون له مضاد ، فإذا غلب أحدهما قيل : استولى . أما سمعت قول النابغة :
                ألا لمثلك أو من أنت سابقه       سبق الجواد إذا استولى على الأمد )
ثالثاً : قول الكاتب ( ومن صفة المخلوق الجلوس والاستقرار والمكان ) يريد بذلك إبطال المعنى الحقيقي للاستواء اللائق بالله ، وحمله على المجاز ، تعليل عليل ؛ فإنه لا يلزم من الاتفاق في الأسماء الاتفاق في الحقائق والمسميات . فالكاتب يؤمن أن من صفات الله السمع والبصر ، مع أن السمع والبصر من صفات المخلوق أيضاً ، ولم يكن ذلك مانعاً له من إثباتهما لله على الوجه اللائق به !! فكذلك الاستواء ؛ لله استواء حقيقي يليق به ، وللمخلوق استواء يليق به . فلم التفريق بين المتماثلات ؟! فالقول في بعض الصفات ، كالقول في باقيها ، سواءً بسواء .
      وأهل السنة لا يعبرِّون بأن العرش مكان ذاته ، ولا يفسرون الاستواء بالجلوس ، وإنما يفسرونه بالعلو والاستقرار ، كما دلت عليه لغة العرب ، وإجماع السلف ؛ فقد روى البيهقي بسنده عن الأوزاعي ، رحمه الله ، قال : ( كنا ، والتابعون متوافرون ، نقول : إن الله تعالى ذكره فوق عرشه ، ونؤمن بما وردت السنة به من صفاته ، جل وعلا . ) الأسماء والصفات :515 .
رابعاً : استدلال الكاتب على نفي المعنى الحقيقي لصفة الاستواء بقوله تعالى ( فلا تضربوا لله الأمثال ) النحل : 74 ، في غير محله ، بل هو ضرب لكتاب الله بعضه ببعض ؛ فإن الذي نهى أن تضرب له الأمثال هو الذي أخبرنا أنه استوى على العرش في سبعة مواضع في القرءان،سبحانه، وهو الذي قال : ( ولله المثل الأعلى ) النحل:60،(وله المثل الأعلى في السماوات والأرض )الروم27 ومعنى الآية ، كما قال الحافظ ابن كثير : ( لا تجعلوا له أنداداً وأشباهاً وأمثالاً ) فمن أثبت له ما أثبت لنفسه من الصفات على الوجه اللائق به لم يقع في ما نهى الله عنه ، ولم يكذب بالآية ،كما زعم الكاتب ، بل المكذب بآيات الله هو من سلط عليها معاول التحريف والتعطيل .
الموضع الثاني عشر
     قال الكاتب ( 40-س:ما الدليل على جواز الاحتفال بالمولد النبوي الشريف ؟) قال تعالى : ( وافعلوا الخير لعلكم تفلحون ) الحديث : ( من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها ) رواه مسلم .) أ.هـ
التعقيب: تقدم الكلام على حد البدعة ، والجواب عن شبهات المبتدعين في الموضع التاسع . وقد مثَّل الإمام الشاطبي للبدعة باتخاذ يوم مولده صلى الله عليه وسلم عيداً . الاعتصام : 39 .
     ولا ريب أن الاحتفال بالمولد النبوي لم يشرعه الله ولا رسوله ، ولا عمله الخلفاء الراشدون ، ولا الصحابة ، ولا التابعون في القرون الثلاثة المفضلة ، ولو كان خيراً ، كما زعم الكاتب ، لسبقونا إليه ، فإنهم أشد حباً لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأكمل امتثالاً ، وأحرص على الخير ممن جاء بعدهم . وإنما أحدثه بعض جهال المتعبدين ، مضاهاةً للنصارى الضالين في احتفالهم بمولد المسيح ، عليه السلام . ومحبته صلى الله عليه وسلم تكون بطاعته ، واتباع النور الذي أنزل معه ، وإحياء سنته ، لا بإفساد دينه بالبدع المحدثة .
الموضع الثالث عشر
     قال الكاتب : (42-س: ما الدليل على جواز زيارة قبر النبي عليه الصلاة والسلام ؟
تسن زيارة قبر النبي بالإجماع . نقل ذلك القاضي عياض والنووي . قال تعالى: ( ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباً رحيماً) الحديث : ( من زار قبري وجبت له شفاعتي ) رواه الدارقطني ، وقواه الحافظ السبكي . وأما حديث : ( لا تشد الرحال إلاَّ إلى ثلاثة مساجد ) معناه من أراد السفر لأجل الصلاة في مسجد ينبغي أن يسافر لهؤلاء المساجد الثلاثة ، لأن الصلاة فيها تتضاعف ، ويحمل هذا على الندب لا على الوجوب . فالحديث مخصوص بالسفر لأجل الصلاة وليس فيه أنه لا يجوز زيارة قبر النبي عليه السلام ) أ.هـ
التعقيب على هذا الجواب من وجوه :
أولاً : أن الكاتب خلط بين مسألتين : إحداهما : زيارة قبره صلى الله عليه وسلم ، وهذه مسنونة. الثانية : السفر لزيارة قبره الشريف . وهذه غير مشروعة ، فضلاً أن يُدَّعى فيها الإجماع !!وعبارة القاضي عياض ، رحمه الله ، تدل على المسألة الأولى، حيث قال : ( وزيارة قبره صلى الله عليه وسلم سنة من سنن المسلمين مجمع عليها ، وفضيلة مرغب فيها ) الشفا 2/194 . وهو بذلك يوافق إمام مذهبه مالك بن أنس وجمهور أصحابه من تحريم السفر لزيارة القبور ، وأن مراده بالزيارة الزيارة الشرعية بأن يسافر بقصد زيارة مسجده ، ثم يزور قبره ويسلم ويصلي عليه . وأما النووي ، رحمه الله ، فقد حكى الخلاف في شد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة ، كالقبور ، فقال: ( قال الشيخ أبو محمد الجويني من أصحابنا هو حرام ، وهو الذي أشار القاضي عياض إلى اختياره ) شرح مسلم 9/106 .
ثانياً : استدلال الكاتب بالآية خطأٌ ظاهر ، وتشبيه مشين للمؤمنين بالمنافقين . والمجيء المذكور في سياق التوبيخ المراد به حال حياته ، لا بعد مماته ، كما أوهم الكاتب . قال إمام المفسرين ، ابن جرير الطبري : ( يعني بذلك جل ثناؤه : لو أن هؤلاء المنافقين الذين وصف صفتهم في هاتين الآيتين ، الذين إذا دعوا إلى حكم الله وحكم ورسوله صدوا صدودا ، إذ ظلموا أنفسهم باكتسابهم إياها العظيم من الإثم في احتكامهم إلى الطاغوت، راضين بحكمه دون حكمك، جاءوك تائبين منيبين ، فسألوا الله أن يصفح لهم عن عقوبة ذنبهم بتغطيته عليهم ، وسأل لهم اللهَ رسوله صلى الله عليه وسلم مثل ذلك،وذلك هو معنى قوله ( فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول)5/157
ثالثاً : حديث : ( من زار قبري وجبت له شفاعتي ) قال الحافظ ابن عبد الهادي ، رحمه الله : (هذا حديث غير صحيح ، ولا ثابت ، بل هو حديث منكر عند أئمة هذا الشأن ، ضعيف الإسناد عندهم ، لا يقوم بمثله حجة ) الصارم المنكي في الرد على السبكي :30، ثم تعقب بقية الأحاديث التي ساقها السبكي في شفاء السقام ، وهي أشد منه ضعفاً ، ثم قال : ( فقد تبين أن جميع الأحاديث التي ذكرها المعترض في هذا الباب ليس فيها حديث صحيح ، بل كلها ضعيفة أو موضوعة لا أصل لها ) الصارم المنكي : 243 .
     ثم إن الحديث لا يدل على مراد الكاتب من مشروعية السفر لزيارة القبر الشريف بل غاية ما فيه زيارة القبر ، لا السفر لزيارة القبر ، وهذا لا خلاف في مشروعيته .
رابعاً : تخصيص الكاتب لحديث : ( لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد ) بمن أراد السفر لأجل الصلاة في مسجد ، تخصيص بغير مخصص ، والأصل إبقاء النص على عمومه . فالمراد أنه لا يحل للمرء أن يُنشىء سفراً ينوي به التعبد بقصد بقعة من الأرض إلا للمساجد الثلاثة .وهذا هو فهم الصحابة الكرام للحديث . قال أبو هريرة، رضي الله عنه : خرجت إلى الطور …فلقيت بصرة بن أبي بصرة الغفاري ، فقال من أين أقبلت ؟ فقلت : من الطور ، فقال : لو أدركتك قبل أن تخرج إليه ما خرجت . سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد: إلى المسجد الحرام، وإلى مسجدي هذا، وإلى مسجد إيلياء أو بيت المقدس، يشك ) رواه مالك وأحمد بإسناد على شرط الشيخين . فتبين أن إنشاء السفر بقصد زيارة القبر الشريف داخل في عموم النهي ، لكن يستحب لمن كان في المدينة النبوية أن يزوره .
 
الموضع الرابع عشر
     قال الكاتب: ( 46-س : تكلم عن التأويل ؟ 
التأويل هو إخراج النص عن ظاهره، وهو جائز في الآيات والأحاديث التي يوهم ظاهرها أن الله له يد جارحة أو وجه جارحة أو أنه يجلس على العرش أو يسكن في جهة أو أنه يوصف بصفة من صفات الخلق. قال تعالى: (وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم ).الحديث : الدعاء لابن عباس:اللهم علمه الحكمة وتأويل الكتاب.رواه البخاري وابن ماجة والحافظ ابن الجوزي ) أ.هـ
التعقيب: ( التأويل ) له ثلاثة معاني :
1- الحقيقة التي يؤول الشيء إليها ويصير . وهذا معناه في نصوص الكتاب والسنة وعامة لغة العرب. قال تعالى: (هل ينظرون إلا تأويله ، يوم يأتي تأويله) الأعراف : 53، أي تحقق وقوعه ، وقال : ( ذلك خير وأحسن تأويلاً ) النساء : 59 ، أي ثواباً وعاقبة. وهذا المعنى هو المراد بقوله تعالى : ( وما يعلم تأويله إلا الله ) على قراءة الوقف ، وهي قراءة الجمهور .
2- التفسير: وهو إيضاح معاني الألفاظ.وهو المراد بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس وعليه تحمل قراءة الوصل في قوله تعالى:( وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم ) آل عمران7
3- صرف اللفظ عن ظاهره إلى معنى يخالف الظاهر ، كما عرَّفه الكاتب . وهذا اصطلاح المتأخرين من المتكلمين ، وهو اصطلاح حادث ، ولا مشاحَّة في الاصطلاح ، لكن لا يجوز حمل نصوص الكتاب والسنة عليه . والقائلون به من البلاغيين والأصوليين يشترطون لصحته شروطاً ، أولها ( القرينة ) وهي الدليل الصحيح المقتضي لصرف الكلام عن ظاهره إلى مجازه ، إذ الأصل في الكلام حمله على ظاهره ، وإلا لانفرط البيان ، وضاعت الحقوق والعقود بدعوى التأويل .
     وبناءً عليه ، فالتأويل حسب استعمال المتكلمين نوعان :
أحدهما : تأويل صحيح ، وهو ما دل عليه الدليل ، كتأويل قوله تعالى : ( فإذا قرأت القرءان فاستعذ بالله ) النحل:98 ، أي : إذا أردت قراءته .
الثاني : تأويل فاسد ، وهو مالا دليل عليه ، أو عليه دليل غير صحيح . وينبغي أن يسمى تحريفاً .
     وليس في الآيات والأحاديث ما يوهم ظاهره التشبيه عند الراسخين في العلم ، الذين تمكن تعظيم الرب في قلوبهم ، ولكن قد تسبق إلى عقول بعض الناس الذين تأثروا بمناهج الفلاسفة والمتكلمين لوثةُ التشبيه ، فيظنون أن ظواهر النصوص تقتضي ذلك ، وحاشا وكلا أن يلزم على كلام الله ورسوله لازم فاسد ، لم يرفعه بزعمهم ، إلا تحريفات المتأخرين وحذلقتهم .
 
الموضع الخامس عشر
    قال الكاتب:( 48-س: ما معنى قوله تعالى :كل شيء هالك إلا وجهه) قال الإمام البخاري : أي إلا ملكه ، وقال سفيان الثوري ( إلا وجهه ) أي إلا ما أريد به وجه الله أي : الأعمال الصالحة . ) أ.هـ
التعقيب: ذكر الحافظ ابن حجر أن قوله ( إلا ملكه ) من كلام معمر بن المثنى ، لا من كلام البخاري كما في رواية النسفي.وهو تأويل فاسد المعنى ؛ فإن كل شيء ملكٌ لله، فكيف يستقيم أن يقال: كل شيء هالك إلا كل شيء !!
      وقد ساق البخاري في صحيحه في كتاب التوحيد هذه الآية ، وأتبعها بحديث جابر بن عبد الله،رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (أعوذ بوجهك ) مما يدل على أنه أراد إثبات صفة الوجه لله تعالى .
     وأما ما نسب إلى سفيان ، رحمه الله ، فلا إشكال فيه،فقد تضمن إثبات صفة الوجه لله تعالى ، كما في قوله تعالى : ( إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى ) الأعلى :20 .
الموضع السادس عشر
     قال الكاتب: ( 49-س: ما معنى قوله تعالى:ءأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض )؟ قال المفسر الفخر الرازي في تفسيره ، وأبو حيان الأندلسي في كتابه البحر المحيط : المراد بمن في السماء الملائكة ، وليس المراد أن الله ساكن السماء . ) أ.هـ
التعقيب: قال إمام المفسرين ، ابن جرير الطبري : ( وهو الله ) 29/7 . وأما ما نسبه الكاتب إلى الرازي وأبي حيان ، عفا الله عنهما ، فجارٍ على قانونهما في التأويل الفاسد المخالف لتفسير السلف . فكيف تصرف الآية عن ظاهرها الدال على عظمة الله وشديد بطشه ، وينسب الخسف والحصب إلى ملائكته ؟وهو القائل( أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر أو يرسل عليكم حاصباً ) الإسراء68 والقرءان يفسر بعضه بعضاً . وهذا أمر ظاهر لكل صاحب فطرة سليمة ، ولكن المقدمات الفاسدة تحمل أصحابها على التعسف والتكلف والقول على الله بغير علم . وقد تقدم في الموضع السابع أن المراد بقول الله ( في السماء ) أي على السماء ، أو في العلو ، وليس المراد أن السماء تحويه ، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً .
     وفي الجملة ، فالواجب على أهل الإسلام الرجوع إلى المنابع الصافية الأصيلة لدينهم ؛ الكتاب ، والسنة الصحيحة ، وأن يفهموهما كما فهمهما خير القرون من الصحابة، والتابعين، وتابعيهم بإحسان ؛ فإنهم أبر قلوباً، وأصدق لهجةً، وأقل تكلفاً، وأعمق علماً ممن جاء بعدهم . ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها .

روابط التنزيل

 221  0  0  2.0K  11-29-1423 09:37 صباحًا
التعليقات ( 0 )