• ×

محاضرة : ألا بذكر الله تطمئن القلوب


إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أنفسنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد ألا إله إلا الله، وحده، لا شريك له، القائل : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا . وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) [الأحزاب/41، 42]، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، القائل : (أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ إِنْفَاقِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ قَالُوا بَلَى قَالَ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى) رواه مالك، وأحمد، والترمذي. أما بعد :
ففي هذه الليلة السعيدة نرتاد روضةً أنيقة، ما زال أهل الله وخاصته، يتأنقون فيها، ويأنسون، ويتمتعون بأطايبها، ويتفكهون. ألسنتهم فيها رطبة، وقلوبهم بها مطمئنة، وصدورهم لها منشرحة. إنها روضة من رياض الجنة؛ روضة الذاكرين.
تجارةُ رابحة، وغنيمةً باردة، عبادة سهلة، ميسرة، تصاحب المرء في خلوته وجلوته، وظعنه وإقامته، وصحته ومرضه، وقيامه وقعوده، متكئاً وعلى جنبه، في الليل والنهار، والصيف والشتاء، والشدة والرخاء. لا تتطلب عناءً في الأبدان، ولا بذلاً للأموال، ولا مفارقةً للأوطان. ومع ذلك كله فالزاهدون فيها كثير!
والمتأمل في نصوص الوحيين يلحظ العناية الفائقة، والوصية المستمرة بذكر الله تعالى؛ كثرةً في النصوص، وتنوعاً في الأسلوب، ووفرة في الثواب !
فقد عظم الله شأنه، وكبرَّه، فقال، وأطلق : (وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ) [العنكبوت/45]
وأمر به نبيه صلى الله عليه وسلم، ودقق : (وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ) [الأعراف/205]
وأمر عموم المؤمنين، وشوَّق : (وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [الأنفال/45]
فما سر هذه العناية والحفاوة والتحضيض ؟
ولماذا نشر الشارع الحكيم أزهار الأذكار على صفحة الليل والنهار ؟
سر ذلك،والله أعلم، حتى يبقى قلب المؤمن موصولاً بخالقه، في جميع أحواله وتقلباته، مصطبغاً بصبغة الله في جميع مناحي حياته، مشاهداً لآلائه، شاكراً لأنعمه .
والناس في هذا لمقام على ثلاثة أطباق :
الذاكرون : وهم الذين لهجت ألسنتهم بذكر الله، واطمأنت قلوبهم بذلك، يدعون ربهم وخوفاً، وطمعاً، تضرعاً وخفية، ودون الجهر من القول، بالغدو والآصال.
الغافلون : الذين أعرضوا بقلوبهم، وألسنتهم عن ذكر الله. قال الله فيهم : (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آَذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ)
المبتدعون : وهم الذين خرجوا عن سمت الشريعة، وضاهوها بأنواع الأذكار المحدثة، والهيئات المخترعة، ورغبوا عن السنن والآثار، بالزخارف اللفظية، والأوراد الطرقية، واتخذوا لها المسابح المئوية، والألفية، وعقدوا لها (الحضرات) البدعية، وتمايلوا، وتراقصوا، وتماوتوا، وأتوا منكراً من القول والفعل وزوراً .

 
أنواع الذكر :
1- مطلق : وهو ما يكون في كل آن، وعلى كل حال : قال تعالى : (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) [آل عمران/191]
2- مقيد : بأزمنةٍ، وأمكنةٍ، وأحوال : كأذكار طرفي النهار، وأذكار النوم، واليقظة، والطعام والشراب، ودخول المسجد والخروج منه، ودخول المنزل، والخروج منه، ودخول الخلاء، والخروج منه، والجماع، ولبس الثوب، وغيره.

 
مراتب الذكر :
الأولى : ما توطأ فيه الجنان واللسان. ولهذا قال تعالى: (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى) وقال : (وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى) [الأعلى/15،1]. قال ابن القيم، رحمه الله: (عبَّر لي شيخنا أبو العباس، ابن تيمية، قدّس الله روحه، عن هذا المعنى، بعبارة لطيفة، وجيزة، فقال : (المعنى: سبح ناطقاً باسم ربك، متكلماً به. وكذا سبح ربك ذاكراً اسمه. وهذه الفائدة تساوي رحلةً، لكن لمن يعرف قدرها) بدائع الفوائد : 1/19
الثانية: ما استقل به الجنان.
الثالثة : ما انفرد به اللسان .
قال ابن القيم، رحمه الله : (فأفضل الذكر ما تواطأ عليه القلب واللسان. وإنما كان ذكر القلب وحده أفضل من ذكر اللسان وحده، لأن ذكر القلب يثمر المعرفة، ويهيج المحبة، ويثير الحياء، ويبعث على المخافة، ويدعو إلى المراقبة، ويردع عن التقصير في الطاعات، والتهاون في المعاصي والسيئات، وذكر اللسان لا يوجب ذلك)

 
معنى الآية :
(الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) [الرعد/28]
قال ابن جرير الطبري، رحمه الله : (وتسكن قلوبهم وتستأنس بذكر الله) 16/432
وقال ابن كثير، رحمه الله: ("الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ "أي: تطيب وتركن إلى جانب الله، وتسكن عند ذكره، وترضى به مولى ونصيرًا؛ ولهذا قال: " أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ " أي: هو حقيق بذلك) 4/455

 
أنواع القلوب :
قال ابن القيم، رحمه الله : (القلوب ثلاثة :
قلب خال من الإيمان، وجميع الخير: فذلك قلب مظلم، قد استراح الشيطان من إلقاء الوساوس إليه، لأنه قد اتخذه بيتاً، ووطناً، وتحكم فيه بما يريد، وتمكن منه غاية التمكن .
القلب الثاني : قلب قد استنار بنور الإيمان، وأُوقِد فيه مصباحه، لكن عليه ظلمة الشهوات، وعواصف الأهوية : فللشيطان هنالك إقبال وإدبار، ومجالات ومطامع. فالحرب دول وسجال. وتختلف أحوال هذا الصنف بالقلة والكثرة؛ فمنهم من أوقات غلبته لعدوه أكثر، ومنهم من أوقات غلبة عدوه له أكثر، ومنهم من هو تارة وتارة.
القلب الثالث : قلب محشو بالإيمان، قد استنار بنور الإيمان، وانقشعت عنه حجب الشهوات، وأقلعت عنه تلك الظلمات: فلنوره في صدره إشراق، ولذلك الإشراق إيقاد، لو دنا منه الوسواس احترق به. فهو كالسماء التي حرست بالنجوم؛ فلو دنا منها الشيطان يتخطاها، رجم فاحترق. وليست السماء بأعظم حرمة من المؤمن. وحراسة الله تعالى له أتم من حراسة السماء. والسماء متعبد الملائكة، ومستقر الوحي، وفيها أنوار الطاعات. وقلب المؤمن مستقر التوحيد، والمحبة، والمعرفة، والإيمان، وفيه أنوارها، فهو حقيق أن يحرس، ويحفظ من كيد العدو، فلا ينال منه شيئاً إلا خطفه.
وقد مثل ذلك بمثال حسن، وهو ثلاثة بيوت : بيت للملك فيه كنوزه، وذخائره، وجواهره. وبيت للعبد فيه كنوز العبد، وذخائره. وليس كجواهر الملك، وذخائره. وبيت خال، صفر، لا شئ فيه. فجاء اللص يسرق من أحد البيوت. فمن أيها يسرق ؟ فإن قلت: من البيت الخالي، كان محالاً، لأن البيت الخالي ليس فيه شئ يسرق. ولهذا قيل لابن عباس، رضي الله عنهما : إن اليهود تزعم أنها لا توسوس في صلاتها! فقال : وما يصنع الشيطان بالقلب الخراب ؟ وإن قلت: يسرق من بيت الملك. كان ذلك كالمستحيل الممتنع؛ فإن عليه من الحرس، واليزك، ما لا يستطيع اللص الدنو منه، كيف وحارسه الملك بنفسه ؟ وكيف يستطيع اللص الدنو منه وحوله من الحرس والجند ما حوله ؟ فلم يبق للص إلا البيت الثالث، فهو الذي يشن عليه الغارات .
فليتأمل اللبيب هذا المثال حق التأمل، ولينزله على القلوب، فإنها على منواله :
فقلب خلا من الخير كله، وهو قلب الكافر، والمنافق، فذلك بيت الشيطان، قد أحرزه لنفسه، واستوطنه، واتخذه سكناً، ومستقراً. فأي شئ يسرق منه، وفيه خزائنه، وذخائره، وشكوكه، وخيالاته، ووساوسه .
وقلب قد امتلأ من جلال الله عز و جل، وعظمته، ومحبته، ومراقبته، والحياء منه، فأي شيطان يجترئ على هذا القلب ؟ وإن أراد سرقة شيء منه فماذا يسرق؟ وغايته أن يظفر في الأحايين منه بخطفة، ونهب يحصل له على غرة من العبد، وغفلة لا بد له. إذ هو بشر،وأحكام البشرية جارية عليه؛ من الغفلة، والسهو، والذهول، وغلبة الطبع) الوابل الصيب: 1/40
مزعجات القلوب :
تعتري القلب أنواع من المزعجات، تسلبه الطمأنينة، وتكدر صفوه، ومنها :
1- الشبهات المضلة : الناشئة عن النفس، أو شياطين الإنس والجن .
2- الشهوات الفاتنة : التي تشوش القلب، وتشغله، وتصرفه عما خلق لأجله.
3- الوساوس القاهرة : التي تؤذي صاحبها في اعتقاداته، أو عباداته، أو حياته.
4- الظنون الفاسدة : التي تهجم على القلب فتستحكم فيه، وتسيء ظنونه .
5- الأحقاد المضطرمة : التي تتفاعل في القلب فتوجب حرارة وحرقة تكويه.

 
سر الطمأنينة :
قال السعدي، رحمه الله : ( ذكر تعالى علامة المؤمنين فقال: " الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ " أي: يزول قلقها، واضطرابها، وتحضرها أفراحها، ولذاتها.
" أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ " أي: حقيق بها، وحريٌّ أن لا تطمئن لشيء سوى ذكره، فإنه لا شيء ألذ للقلوب، ولا أشهى، ولا أحلى، من محبة خالقها، والأنس به ومعرفته، وعلى قدر معرفتها بالله، ومحبتها له، يكون ذكرها له. هذا على القول بأن ذكر الله، ذكر العبد لربه، من تسبيح، وتهليل، وتكبير، وغير ذلك.
وقيل: إن المراد بذكر الله: كتابه الذي أنزله ذكرى للمؤمنين، فعلى هذا، معنى طمأنينة القلوب بذكر الله: أنها حين تعرف معاني القرآن، وأحكامه تطمئن لها، فإنها تدل على الحق المبين، المؤيد بالأدلة والبراهين. وبذلك تطمئن القلوب، فإنها لا تطمئن القلوب إلا باليقين، والعلم. وذلك في كتاب الله، مضمون على أتم الوجوه، وأكملها) تفسير السعدي : 1 / 417
فضائل الذكر :
1- أحب الكلام إلى الله، وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم :
عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أَلَا أُخْبِرُكَ بِأَحَبِّ الْكَلَامِ إِلَى اللَّهِ) قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنِي بِأَحَبِّ الْكَلَامِ إِلَى اللَّهِ. فَقَالَ: (إِنَّ أَحَبَّ الْكَلَامِ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ) رواه مسلم.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لَأَنْ أَقُولَ سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ) رواه مسلم

 
2- معية الله وقربه :
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَال: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي؛ فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ، ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي. وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ، ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ.وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ بِشِبْرٍ، تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا،تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا.وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي، أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً) متفق عليه.

 
3- أفضل الأعمال :
عن معاذ،رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: (أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ إِنْفَاقِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ قَالُوا بَلَى قَالَ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى) رواه مالك، وأحمد، والترمذي.
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ شَرَائِعَ الْإِسْلَامِ قَدْ كَثُرَتْ عَلَيَّ، فَأَخْبِرْنِي بِشَيْءٍ أَتَشَبَّثُ بِهِ. قَالَ: (لَا يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبًا مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ) رواه الترمذي وابن ماجة.قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.

 
4- زينة المجالس :
عَنْ الْأَغَرِّ أَبِي مُسْلِمٍ أَنَّهُ قَالَ: أَشْهَدُ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّهُمَا شَهِدَا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: (لَا يَقْعُدُ قَوْمٌ يَذْكُرُونَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إِلَّا حَفَّتْهُمْ الْمَلَائِكَةُ، وَغَشِيَتْهُمْ الرَّحْمَةُ، وَنَزَلَتْ عَلَيْهِمْ السَّكِينَةُ،وَذَكَرَهُمْ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ) رواه مسلم.
5- عصمة المجالس :
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مَا مِنْ قَوْمٍ يَقُومُونَ مِنْ مَجْلِسٍ لَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ فِيهِ إِلَّا قَامُوا عَنْ مِثْلِ جِيفَةِ حِمَارٍ وَكَانَ لَهُمْ حَسْرَةً) رواه أبو داود
6- كفارة المجالس :
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مَنْ جَلَسَ فِي مَجْلِسٍ، فَكَثُرَ فِيهِ لَغَطُهُ، فَقَالَ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ مِنْ مَجْلِسِهِ ذَلِكَ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ، إِلَّا غُفِرَ لَهُ مَا كَانَ فِي مَجْلِسِهِ ذَلِكَ) الترمذي

 
7- كثرة الثواب :
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ، كَانَتْ لَهُ عَدْلَ عَشْرِ رِقَابٍ، وَكُتِبَتْ لَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ، وَمُحِيَتْ عَنْهُ مِائَةُ سَيِّئَةٍ، وَكَانَتْ لَهُ حِرْزًا مِنْ الشَّيْطَانِ يَوْمَهُ ذَلِكَ، حَتَّى يُمْسِيَ، وَلَمْ يَأْتِ أَحَدٌ أَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ، إِلَّا أَحَدٌ عَمِلَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. وَمَنْ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ حُطَّتْ خَطَايَاهُ وَلَوْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ) متفق عليه.

 
8- حرز من الشيطان :
جاء في حديث الحارث الأشعري، رضي الله عنه، الطويل ، مرفوعاً: ( وَآمُرُكُمْ أَنْ تَذْكُرُوا اللَّهَ فَإِنَّ مَثَلَ ذَلِكَ كَمَثَلِ رَجُلٍ خَرَجَ الْعَدُوُّ فِي أَثَرِهِ سِرَاعًا حَتَّى إِذَا أَتَى عَلَى حِصْنٍ حَصِينٍ فَأَحْرَزَ نَفْسَهُ مِنْهُمْ كَذَلِكَ الْعَبْدُ لَا يُحْرِزُ نَفْسَهُ مِنْ الشَّيْطَانِ إِلَّا بِذِكْرِ اللَّهِ) رواه الترمذي. قال ابن القيم، رحمه الله: (فلو لم يكن في الذكر إلا هذه الخصلة الواحدة، لكان حقيقاً بالعبد أن لا يفتر لسانه من ذكر الله تعالى، وأن لا يزال لهجاً بذكره. فإنه لا يحرز نفسه من عدوه إلا بالذكر، ولا يدخل عليه العدو إلا من باب الغفلة، فهو يرصده، فإذا غفل، وثب عليه وافترسه ) الوابل الصيب.

 
9- النجاة من عذاب الله :
عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مَا عَمِلَ آدَمِيٌّ عَمَلًا قَطُّ أَنْجَى لَهُ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ) رواه أحمد.
فوائد الذكر :
عد ابن القيم، رحمه الله، للذكر مائة فائدة. ننتخب منها :
( إحداها ) أنه يطرد الشيطان ويقمعه ويكسره .
( الثانية ) أنه يرضي الرحمن عز و جل .
( الثالثة ) أنه يزيل الهم والغم عن القلب .
( الرابعة ) أنه يجلب للقلب الفرح والسرور والبسط .
( الخامسة ) أنه يقوى القلب والبدن .
( السادسة ) أنه ينور الوجه والقلب .
( السابعة ) أنه يجلب الرزق .
( الثامنة ) أنه يكسو الذاكر المهابة والحلاوة والنضرة .
( التاسعة ) أنه يورثه المحبة، التي هي روح الإسلام، وقطب رحى الدين، ومدار السعادة والنجاة. وقد جعل الله لكل شيء سبباً، وجعل سبب المحبة دوام الذكر؛ فمن أراد أن ينال محبة الله عز وجل، فليلهج بذكره، فإنه الدرس والمذاكرة، كما أنه باب العلم. فالذكر باب المحبة، وشارعها الأعظم، وصراطها الأقوم .
( العاشرة ) أنه يورثه المراقبة، حتى يدخله في باب الإحسان؛ فيعبد الله كأنه يراه. ولا سبيل للغافل عن الذكر إلى مقام الإحسان،كما لا سبيل للقاعد إلى الوصول إلى البيت.
( الحادية عشرة ) أنه يورثه الإنابة، وهي الرجوع إلى الله عز وجل؛ فمتى أكثر الرجوع إليه بذكره، أورثه ذلك رجوعه بقلبه إليه في كل أحواله. فيبقى الله عز وجل، مفزعه وملجأه، وملاذه، ومعاذه، وقبلة قلبه، ومهربه عند النوازل والبلايا .
( السادسة عشرة ) أنه يورث حياة القلب. وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية، قدس الله تعالى روحه، يقول: الذكر للقلب مثل الماء للسمك، فكيف يكون حال السمك إذا فارق الماء ؟
( السابعة عشرة ) أنه قوت القلب والروح، فإذا فقده العبد صار بمنزلة الجسم إذا حيل بينه وبين قوته. وحضرت شيخ الإسلام، ابن تيمية، مرة، صلى الفجر، ثم جلس يذكر الله تعالى إلى قريب من انتصاف النهار، ثم التفت إلي، وقال : هذه غدوتي، ولو لم أتغد الغداء، سقطت قوتي. أو كلاما قريباً من هذا. وقال لي مرة : لا أترك الذكر إلا بنية إجمام نفسي وإراحتها، لأستعد بتلك الراحة لذكر آخر. أو كلاما هذا معناه .
( العشرون ) أنه يزيل الوحشة بين العبد وبين ربه تبارك وتعالى؛ فإن الغافل بينه وبين الله عز و جل وحشة لا تزول إلا بالذكر .
( الثانية والعشرون ) أن العبد إذا تعرف إلى الله تعالى بذكره في الرخاء، عرفه في الشدة. وقد جاء أثر معناه: أن العبد المطيع، الذاكر لله تعالى، إذا أصابته شدة، أو سأل الله تعالى حاجة، قالت الملائكة : يا رب! صوت معروف، من عبد معروف. والغافل، المعرض عن الله عز وجل، إذا دعاه، وسأله، قالت الملائكة: يا رب! صوت منكر، من عبد منكر .
( الخامسة والعشرون ) أنه سبب اشتغال اللسان عن الغيبة، والنميمة، والكذب، والفحش، والباطل؛ فإن العبد لا بد له من أن يتكلم، فإن لم يتكلم بذكر الله تعالى، وذكر أوامره، تكلم بهذه المحرمات أو بعضها. ولا سبيل إلى السلامة منها البتة، إلا بذكر الله تعالى. والمشاهدة، والتجربة، شاهدان بذلك. فمن عود لسانه ذكر الله، صان لسانه عن الباطل، واللغو. ومن يبس لسانه عن ذكر الله تعالى، ترطب بكل باطل، ولغو، وفحش، ولا حول ولا قوة إلا بالله .
( الثامنة والثلاثون ) في القلب خلة وفاقه لا يسدها شيء ألبته، إلا ذكر الله عز وجل. فإذا صار شعار القلب؛ بحيث يكون هو الذاكر بطريق الأصالة، واللسان تبع له، فهذا هو الذكر الذي يسد الخلة، ويفني الفاقة، فيكون صاحبه غنياً بلا مال. عزيزاً، بلا عشيرة. مهيباً، بلا سلطان. فإذا كان غافلاً عن ذكر الله عز وجل، فهو بضد ذلك؛ فقير، مع كثرة جدته، ذليل، مع سلطانه، حقير، مع كثرة عشيرته .
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. والصلاة والسلام على نبيه محمد وآله وصحبه.

روابط التنزيل

 178  0  0  2.9K  04-25-1429 10:13 صباحًا
التعليقات ( 0 )