• ×

الدعاء حكمه وآدابه


مقدمة:

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، كثيرا.

أما بعد:

 

فإن دعاء الله - عز وجل - ينقسم إلى قسمين:

1-  دعاء عبادة: وهو التقرب إليه بأنواع الطاعات.

2-  دعاء مسألة: وهو صريح الدعاء.

قال شيخ الإسلام: (فكل دعاء عبادة مستلزم لدعاء المسألة والعكس)[1]

وهذا الأخير –دعاء المسألة- أيا كانت المسألة دنيوية أو أخروية هو مقصودنا في البحث.

 

ومن خلال نظرة في أنفسنا ومن حولنا من المسلمين يمكن أن نسجل الملاحظات التالية:

1-  أن كثيرا من الناس يهمل هذا الجانب ولا يعتني به. بل يقتصر على الأدعية الواردة في الصلاة الواجبة.

2-  أن بعض من يتوجهون إلى الله بالدعاء يفعلونه على سبيل العادة والإلف دون تذوق واستشعار للافتقار إلى الله تعالى.

3-  أن الدعاء الصادق لا يستحضر إلا في ساعات الشدة والحرج، فإذا ما انقضت الحاجة انقطع إثرها الدعاء.

 

أولا/ معنى الدعاء وحقيقته:

الدعاء: الطلب. ودعوت فلانا: سألته، ودعوته: استغثته.

 

قال أبي القاسم القشيري: في (شرح الأسماء الحسنى) ما ملخصه:

جاء الدعاء في القرآن على وجوه:

-  منها: العبادة. قال تعالى:  {وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِين} [2]

ومنها: الاستغاثة. كقوله: {وَادْعُواْ   شُهَدَاءكُم } [3]

ومنها: السؤال. كقوله: { وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ }  [4]

ومنها: القول. كقوله: {دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِين } [5]

-  ومنها: النداء. كقوله: { يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ} [6]

-  ومنها: الثناء. كقوله: { قُلِ ادْعُواْ اللّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَـنَ} [7] [8]

 

ثانيا/ فضائل الدعاء والترغيب فيه:

وردت نصوص كثيرة في فضائل الدعاء والحث عليه وترتيب آثار حميدة للداعين فمن ذلك:

·  وصفه بأنه هو العبادة بل مخ العبادة، يدل على ذلك:

-  قوله تعالى: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِين } [9]

قال ابن الجوزي رحمه الله: قوله (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) فيه قولان:

   أحدهما: وحدوني واعبدوني أُثِبكم. قاله ابن عباس.

   والثاني:سلوني أُعطِكم. قاله السدي.

وكذا في قوله { عَنْ عِبَادَتِي} فيه قولان:

   أحدهما: عن توحيدي.

   والثاني: عن دعائي ومسألتي. [10]

 

وقال ابن كثير رحمه الله: (هذا من فضله تبارك وتعالى وكرمه أنه ندب عباده إلى دعائه وتكفل لهم بالإجابة. كما كان سفيان الثوري يقول: يا من أحب عباده إليه من سأله فأكثر سؤاله، ويا من أبغض العباد إليه من لم يسأله، ليس أحد كذلك غيرك يا رب. (رواه ابن أبي حاتم).

قال: وفي هذا المعنى يقول الشاعر:

الله يغضب إن تركت سؤاله     وبُنَي آدم حين يُسأل يغضب

 

-  وعن النعمان بن بشير رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (الدعاء هو العبادة) ثم قرأ: : { وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِين} [11]  .[12]

قال الجمهور: هذا من جنس قوله: الحج عرفة، أي معظم الحج وركنه الأكبر.

-  وعن أنس مرفوعا: (الدعاء مخ العبادة).[13]

 

·  محبة الله تعالى إياه، ويدل عليه:

-  حديث أبي هريرة مرفوعا: (ليس شيء أكرم على الله من الدعاء)[14]

-  حديث ابن مسعود مرفوعا: (سلوا الله من فضله فإن الله يحب أن يسأل)[15]

وبالمقابل فإن ترك سؤال الله - عز وجل - يستجلب غضبه: فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (من لم يسأل الله يغضب عليه)[16]

 

·  دفع البلاء: قال ابن القيم رحمه الله: (والدعاء من أنفع الأدوية وهو عدو البلاء. يدافعه، ويعالجه، ويمنع نزوله، ويرفعه أو يخففه إذا نزل. وهو سلاح المؤمن كما روى الحاكم في صحيحه من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: الدعاء سلاح المؤمن، وعماد الدين ونور السماوات والأرض.

 

وله مع البلاء ثلاث مقامات:

أحدهما: أن يكون أقوى من البلاء فيدفعه.

الثاني: أن يكون أضعف من البلاء، فيقوى عليه البلاء فيصاب به العبد ولكن قد يخففه وإن كان ضعيفا.

الثالث: أن يتقاوما ويمنع كل واحد منهما صاحبه. وقد:

-  روى الحاكم في صحيحه من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (لا يغني حذر من قدر. والدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل، وإن البلاء لينزل فيلقاه الدعاء فيعتلجان إلى يوم القيامة.)[17] وفيه أيضا:

-  من حديث ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل، فعليكم عباد الله بالدعاء. –قال في الفتح: في سنده لين-.

-  وفيه أيضا: حديث ثوبان عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: لا يرد القدر إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر، وإن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه)[18]

·  حصول معية الله الخاصة: لما رواه الإمام أحمد عن أنس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا دعاني)[19]

·  حصول مقصوده أو تعويضه بغيره: لما روى الإمام أحمد عن سلمان الفارسي رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (إن الله تعالى ليستحيي أن يبسط العبد إليه يديه يسأله فيها خيرا فيردهما خائبتين)[20]

-  وعن أبي سعيد الخدري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (ما من مسلم يدعو الله بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث خصال: إما أن يعجل له دعوته، أو يدخر له من الخير مثلها، أو يصرف عنه من الشر مثلها). قالوا: يا رسول الله، إذا نكثر، قال: (الله أكثر).[21]

 

ثالثا/ أسباب الإجابة وموانعها:

دل قول الله تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} [22] وحديث أبي سعيد السابق على أن الدعاء لا يرد.

وهو كما قال ابن القيم: (من أقوى الأسباب في دفع المكروه وحصول المطلوب. ولكن قد يتخلف عنه أثره إما لضعفه في نفسه بأن يكون دعاء لا يحبه الله لما فيه من العدوان، وإما لضعف القلب وعدم إقباله على الله وجمعيته عليه وقت الدعاء، فيكون بمنزلة القوس الرخو جدا فإن السهم يخرج منه خروجا ضعيفا، وإما لحصول المانع من الإجابة...)

 

·  ويمكن إجمال موانع إجابة الدعاء بما يلي:

الدعاء بالإثم أو قطيعة الرحم: كأن يقول: اللهم هيئ لي خمرا فأشربَها، أو يدعو على أحد أقاربه دون مظلمة، ونحو ذلك. لما تقدم من حديث أبي سعيد الصحيح: (ما من مسلم يدعو الله بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث خصال...)[23] الحديث.

 

أكل الحرام وشربه ولبسه: لما رواه مسلم وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا، وإن الله تعالى أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُون} [24]  ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب. ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك.)[25] وهذا الاستفهام وقع على وجه التعجب والاستبعاد. أي؛ كيف يستجاب له!

وقال ابن رجب: (وقد خرج الطبراني بإسناد فيه نظر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:تُلِيَت عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذه الآية: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً} [26] فقام سعد بن أبي وقاص، فقال: يا رسول الله، أدع الله أن يجعلني مستجاب الدعوة. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (يا سعد، أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة. والذي نفس محمد بيده، إن العبد ليقذف اللقمة الحرام في جوفه ما يتقبل الله منه عملا أربعين يوما. وأيما عبد نبت لحمه من سحت فالنار أولى به)[27]

 

الاستعجال والاستبطاء: قال ابن القيم: (ومن الآفات التي تمنع ترتب أثر الدعاء عليه أن يستعجل العبد ويستبطئ الإجابة فيستحسر ويدع الدعاء. وهو بمنزلة من بذر بذرا أو غرس غرسا، فجعل يتعاهده ويسقيه، فلما استبطأ كماله وإدراكه تركه وأهمله.

وفي البخاري من حديث أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (يستجاب لأحدكم ما لم يعجل؛ يقول: دعوت فلم يُستجب لي.)[28]

وفي صحيح مسلم عنه: (لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم مالم يستعجل. قيل: يا رسول الله، ما الاستعجال؟ قال: يقول قد دعوت وقد دعوت فلم أر يستجاب لي، فيستحسر عند ذلك ويدع الدعاء.)[29]

وفي مسند الإمام أحمد من حديث أنس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (لا يزال العبد بخير ما لم يستعجل. قالوا: يا رسول الله، كيف يستعجل؟ قال: يقول قد دعوت لربي فلم يستجب لي.)[30]

 

ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: فعن عائشة رضي الله عنها قالت: (دخل علي النبي - صلى الله عليه وسلم -، فعرفت في وجهه أن قد حضره شيء، فتوضأ وما كلم أحدا، فلصقت بالحجرة أستمع ما يقول، فقعد على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، وقال:"يا أيها الناس, إن الله يقول لكم: مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر قبل أن تدعوا فلا أجيب لكم، وتسألوني فلا أعطيكم، وتستنصروني فلا أنصركم" فما زاد عليهن حتى نزل.)[31]

 

العدوان في الدعاء، كما جاء في قوله تعالى: {ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِين} [32] قال ابن عباس: في الدعاء ولا في غيره. وقال أبو مجلز: {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِين} لا يسأل منازل الأنبياء. وروى الإمام أحمد أن سعدا سمع ابنا له يدعو وهو يقول: اللهم انى أسألك الجنة ونعيمها وإستبرقها ونحوا من هذا وأعوذ بك من النار وسلاسلها وأغلالها فقال لقد سألت الله خيرا كثيرا وتعوذت بالله من شر كثير وإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول انه سيكون قوم يعتدون في الدعاء -وفي لفظ: يعتدون في الطهور والدعاء- وقرأ هذه الآية {ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِين} [33] وإن حسبك أن تقول اللهم إني أسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل.[34]

وروى الإمام أحمد أن عبد الله بن مغفل سمع ابنه يقول: اللهم إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة إذا دخلتها فقال يا بني سل الله تبارك وتعالى الجنة وعُذْ بِهِ من النار فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول:"يكون قوم يعتدون في الدعاء والطهور"[35]

 
وكما أن للدعاء موانعا فإن له أسبابا وآدابا إذا تلبس بها الداعي واتخذها كان حريا بالإجابة، فمن ذلك:

حضور القلب وجمعيته على الله. كما في صحيح الحاكم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة. واعلموا أن الله لا يقبل دعاءً من قلب غافل لاه)[36].[37]

 

استقبال القبلة: عقد الإمام البخاري في صحيحه بابا بعنوان: (باب الدعاء مستقبل القبلة) ذكر فيه حديث عبد الله بن زيد قال: "خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى هذا المصلى يستسقي، فدعا واستسقى ثم استقبل القبلة وقلب رداءه.[38]" قال الحافظ في الشرح: (وقد ورد في استقبال القبلة في الدعاء من فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - عدة أحاديث،

منها حديث عمر عند الترمذي.... ولمسلم والترمذي  من حديث ابن عباس عن عمر: لما كان يوم بدر نظر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المشركين فاستقبل القبلة ثم مد يديه فجعل يهتف بربه.. الحديث.

وفي حديث ابن مسعود: استقبل النبي - صلى الله عليه وسلم - الكعبة فدعا على نفر من قريش...[39] الحديث.

وفي حديث عبد الرحمن بن طارق عن أبيه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا جاز مكانا من دار يعلى استقبل القبلة فدعا[40]. أخرجه أبو داود والنسائي واللفظ له.

وفي حديث ابن مسعود: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قبر عبد الله ذي النجادين الحديث وفيه: فلما فرغ من دفنه استقبل القبلة رافعا يديه. أخرجه أبو عوانة في صحيحه)[41]

ولكن قد ثبت أنه - صلى الله عليه وسلم - دعا غير مستقبل القبلة كما في حديث استسقائه على المنبر.

 

ثم هناك أربعة آداب تؤخذ من حديث أبي هريرة عند مسلم الذي فيه ذكر الرجل يطيل السفر.

1-  إطالة السفر: قال ابن رجب: (والسفر بمجرده يقتضي إجابة الدعاء كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن: دعوة المظلوم، ودعوة المسافر، ودعوة الوالد على ولده".[42] وروي مثله عن ابن مسعود رضي الله عنه من قوله: "ومتى طال السفر كان أقرب إلى إجابة الدعاء لأنه مظنة حصول انكسار النفس بطول الغربة عن الأوطان وتحمل المشاق. والانكسار من أعظم أسباب إجابة الدعاء.".[43]

 

2-  حصول التبتل في اللباس والهيئة بالشعث والإغبار: كما في الحديث المشهور أيضا عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "رب أشعث أغبر ذي طمرين مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبرَّه".[44] ولما خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - للاستسقاء خرج مبتذلا متواضعا متضرعا، وكان مطرف بن عبد الله قد حبس له ابن أخ فلبس خلقان ثياب ، وأخذ عكازا بيده فقالوا : يا أبا عبد الله، ما هذا ؟ قال: أستكين لربي عسى أن يشَفِّعَني في ابن أخي.[45]

 

3-  مد اليدين إلى السماء: لقوله في الحديث "يمد يديه إلى السماء"[46] وفي حديث سلمان رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله تعالى حيي كريم يستحيي إذا رفع الرجل إليه يديه أن يردهما صفرا خائبتين"[47]

والأحاديث في مشروعية رفع اليدين في الدعاء تربو على العشرين، فالأصل في كل دعاء رفع اليدين فيه إلا ما ورد النهي فيه كرفع اليدين للدعاء في خطبة الجمعة، أو ما ورد عدم فعله مع توافر سببه كأدعية الصلاة ونحوها. إلا الدعاء الطارئ فيها كرفع أبي بكر الصديق يديه يدعو حين أقر النبي - صلى الله عليه وسلم - إمامته للناس بحضوره كما في صحيح البخاري.

 

4 الإلحاح في الدعاء: بتكرير ذكر ربوبيته، وهو من أعظم ما يطلب به إجابة الدعاء. خرج البزار من حديث عائشة أم المؤمنين مرفوعا: "إذا قال العبد يا رب أربعا قال الله: لبيك عبدي سل تعطه".[48] وخرج الطبراني وغيره من حديث سعد بن خارجة أن قوما شكوا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - قحوط المطر فقال: "أجثوا على الركب وقولوا: يا رب يا رب، وارفعوا السبابة إلى السماء"، فسقوا حتى أحب أن يكشف عنهم.[49]

 

5-  العزم في المسألة: لما رواه البخاري في صحيحه عن أنس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : "إذا دعا أحدكم فليعزم المسألة ولا يقولن اللهم إن شئت فأعطني فإنه لا مستكره له".[50] قال الحافظ في الشرح: (ومعنى الأمر بالعزم: الجد فيه وأن يجزم بوقوع مطلوبه، ولا يعلق ذلك بمشيئة الله تعالى، وإن كان مأمورا في جميع ما يريد فعله أن يعلقه بمشيئة الله تعالى. وقيل معنى العزم: أن يحسن الظن بالله في الإجابة).

 

6-  التوسل بصالح الأعمال: فإنه من أسباب الإجابة كما في حديث الثلاثة الذين دخلوا الغار وانطبقت الصخرة عليهم. لكن يجب ألا يكون ذلك على سبيل الإدلال على الله والمن، فإن الفضل كله لله.

 

7-  مصادفة وقت من أوقات الإجابة: أي تحري ذلك. وعدها بعض العلماء بستة أوقات:

                                ‌أ-  الثلث الأخير من الليل.

                               ‌ب- عند الأذان.

                                ‌ج- بين الأذان والإقامة.

                                ‌د-  أدبار الصلوات المكتوبات .

                                ‌ه-  عند صعود الإمام يوم الجمعة على المنبر حتى تقضى الصلاة.

                                 ‌و-  آخر ساعة من بعد العصر ذلك اليوم.[51]

 

8- وكذلك تحري المواضع الفاضلة كالسجود لحديث ابن عباس مرفوعا وفيه: "وأما السجود فأكثروا فيه من الدعاء فقمن أن يستجاب لكم"[52]

 

9- كونه بتضرع وخفية مقرونين بالخوف والطمع، لقوله تعالى: {ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِين* وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِين} [53]

 
تضرعا وخفية: 

تضرعا: قيل تذللا واستكانة. وخفية: أي في نفسه. كما في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري قال: رفع الناس أصواتهم بالدعاء فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أيها الناس أربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصمَّ ولا غائبا، إن الذي تدعون سميع قريب"[54]

وقال ابن جرير: تضرعا: يقول تذللا واستكانة لطاعته. وخفية: يقول بخشوع قلوبكم وصحة اليقين بوحدانيته وربوبيته فيما بينكم وبينه، لا جهارا ومراءاة. وقال عبد الله بن المبارك عن مبارك عن فضالة عن الحسن قال: إن كان الرجل لقد جمع القرآن وما يشعر به الناس، وإن كان الرجل لقد فقه الفقه الكثير وما يشعر به الناس، وإن كان الرجل ليصلي الصلاة الطويلة في بيته وعنده الزوَّار وما يشعرون به. ولقد أدركنا أقواما ما كان على الأرض من عمل يقدرون أن يعملوه في السر فيكون علانية أبدا. و لقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء وما يسمع لهم صوت. إن كان إلا همسا بينهم وبين ربهم، وذلك لأن الله تعالى يقول: {ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً} [55] وذلك أن الله ذكر عبدا صالحا رضي فعله فقال: {إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاء خَفِيًّا}[56]. وقال ابن جريج: يكره رفع الصوت والنداء والصياح في الدعاء، ويؤمر بالتضرع والاستكانة. ا.هـ بتصرف عن تفسير ابن كثير ج3 ص428 طبعة طيبة.

 

ـــــــــ

([1]  مجموع الفتاوى 238/8

([2]يونس:106.

([3]البقرة:23.

([4]غافر:60.

([5]يونس:10

([6]الإسراء:52.

([7]الإسراء:110.

([8]فتح الباري (ج11 ص79)

([9]غافر:60.

([10]زاد المسير ج7 ص34

([11]غافر:60.

([12]أخرجه الأربعة وصححه الترمذي والحاكم والألباني وغيرهم.

([13]رواه الترمذي. ضعفه الشيخ الألباني وفيه ابن لهيعة.

([14]  أخرجه الترمذي وابن ماجة وأحمد، وصححه ابن حبان والحاكم.

([15] أخرجه الترمذي وقال الألباني: ضعيف (الضعيفة 492 (ضعيف الجامع الصغير 3278)).

([16]  أخرجه أحمد والبخاري -في الأدب المفرد- والترمذي وابن ماجة والبزار والحاكم وحسنه الألباني.

([17] حسنه الألباني في صحيح الجامع برقم 7739.

([18]الجواب الكافي ص4

([19]رواه أحمد والطبراني في الأوسط وصححه الألباني في الصحيحة برقم (2011)

([20] صححه الأرنؤوط في المسند برقم (23765)

([21]رواه أحمد وغيره وصححه الحاكم والذهبي. قال الألباني: وهو كما قال. وجود الأرنؤوط إسناده في المسند (11149)

([22]البقرة:186.

([23]تقدم تخريجه في الصفحة (5)

([24]البقرة:172.

([25]مسلم (2393)

([26]البقرة:168.

([27](جامع العلوم والحكم ص86). قال الألباني: ضعيف جدا، ضعيف الترغيب والترهيب (1071).

([28]متفق عليه.

([29]مسلم (7112).

([30]مسند الإمام أحمد (13031) قال الأرنؤوط: صحيح لغيره.

([31]رواه ابن ماجة وابن حبان في صحيحه (الترغيب والترهيب ج3 ص12). قال الألباني: حسن لغيره.

([32]  الأعراف:55.

([33]  الأعراف:55.

([34]  مسند الإمام أحمد (1483 ) قال الأرنؤوط: حسن لغيره.

([35]  رواه أحمد وأبو داود وابن حبان والطبراني وغيرهم، ورواه ابن ماجة دون قوله (والطهور).قال الأرنؤوط عن رواية أحمد: حسن لغيره وهذا إسناد منقطع، وصحح الألباني رواية ابن ماجة.

([36]  رواه الإمام أحمد من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعا. وفيه ابن لهيعة. وحسنه الألباني في سنن الترمذي.

([37]  الجواب الكافي ص4

([38]  متفق عليه

([39]  متفق عليه

([40]  سنن النسائي (2896) قال الألباني: ضعيف.

([41]  فتح الباري ج11 ص221-222 ط بيروت

([42]  رواه أبو داود والترمذي وأحمد. قال الألباني: حسن، وقال الأرنؤوط: حسن لغيره

([43]  جامع العلوم والحكم ص90

([44]  مسلم (6848)

([45]  المجالسة وجواهر العلم (1681)

([46]  تقدم تخريجه في الصفحة (6)

([47]  خرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة وصححه الألباني. جامع العلوم والحكم ص91.

([48]  قال الشيخ الألباني: ضعيف جدا. انظر حديث رقم: (611) في ضعيف الجامع.

([49]  جامع العلوم والحكم. قال الألباني في الضعيفة: منكر. وقال البخاري: في إسناده نظر.

([50]  البخاري (6338).

([51]  الجواب الكافي ص5.

([52]  رواه مسلم (1102).

([53]  الأعراف:56.

([54]  متفق عليه.

([55]الأعراف:55.

([56]مريم:3.

روابط التنزيل

 175  0  0  1.5K  11-09-1432 09:41 صباحًا
التعليقات ( 0 )