• ×

كيف نهتدي بالقرآن

كيف نهتدي بالقرآن

إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الذي أنزل القرآن (هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ). وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، الذي أنزل الله عليه الكتاب (تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ). أما بعد:

 

     فقد وصف الله كتابه الكريم بـ (الهدى) في جملة من الآيات المحكمات، منها:

1-   (ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ) [البقرة : 2]

2-   (فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ) [البقرة : 97]

3-   (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ) [البقرة : 185]

4-   (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ) [يونس : 57]

5-   (وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) [النحل : 64]

6-   (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ) [النحل:89]

7-   (الم. تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ.  هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ) [لقمان : (3,1)]

 

     كما ورد التعبير بصيغة الفعل (يهدي) في مواضع أخر، كقوله تعالى:

1-(قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ. يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) [المائدة : 15 ، 16]

2- (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا) [الإسراء : 9].

3- (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ) [الزمر : 23]

4- (قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ) [الأحقاف : 30]

5- (قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا. يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا) [الجن : 1 ، 2]

     وهذه النصوص العظيمة تملأ قلب المؤمن يقينًا بهداية القرآن للتي هي أقوم، واستيعابه لكل ما يحتاج إليه العباد من مطالب الدين والدنيا. ومن هنا جاء السؤال المهم: كيف نهتدي بالقرآن ؟

 

تعريف (الهدى) لغةً، واصطلاحًا:    

     قال الجوهري: (الهدى : الرشاد والدلالة)[1]، وكذا قال ابن سيده: (الهدى ضد الضلال. وهو الرشاد والدلالة)[2]. وقال ابن فارس: (الهاء، والدال، والحرف المعتل، أصلان: أحدهما : التقدم للإرشاد، والآخر بعثة لطف. فالأول قولهم: هديته الطريق هداية، أي تقدمته لأرشده، وكل متقدم لذلك هاد... وينشعب هذا فيقال: الهدى خلاف الضلالة... والأصل الآخر: الهدية: ما اهديت من لَطَف إلى ذي مودة)[3]

    

وهذا التعريف اللغوي يدل على أن للهدى معنيين:

1-   معنى ذاتي لازم: وهو الرشاد، والصواب.

2-   معنى فعلي متعدٍ: وهو الدلالة والإرشاد.

وتأسيساً على هذين المعنيين اللغويين، فإن وصف القرآن بأنه (هدى) اصطلاحًا، يعني أمرين أيضًا:

أحدهما: الاعتقاد الجازم بأن هذا القرآن حق لا ريب فيه، متضمن للعلم النافع، والعمل الصالح، وانه صالح لكل زمان، ومكان، وأمة.

الثاني: الاستهداء بالقرآن في الأمور العلمية،، والعملية، الخاصة، والعامة.

 

حقيقة الاهتداء بالقرآن:

قال ابن جرير، رحمه الله، في تفسير قوله تعالى: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ) [الإسراء : 9] :(إن هذا القرآن الذي أنزلناه على نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - يرشد ويسدّد من اهتدى به (لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ) يقول: للسبيل التي هي أقوم من غيرها من السبل ، وذلك دين الله الذي بعث به أنبياءه وهو الإسلام، يقول جلّ ثناؤه: فهذا القرآن يهدي عباد الله المهتدين به إلى قصد السبيل التي ضل عنها سائر أهل الملل المكذبين به)[4]

   

    وقال السعدي، رحمه الله: (أي: أعدل وأعلى، من العقائد, والأعمال, والأخلاق. فمن اهتدى بما يدعو إليه القرآن,كان أكمل الناس, وأقومهم وأهداهم في جميع أموره)[5]

    وقال ابن كثير، رحمه الله، في تفسير قوله تعالى: (قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ) [فصلت : 44] (أي: قل يا محمد: هذا القرآن لمن آمن به هدى لقلبه، وشفاء لما في الصدور من الشكوك والريب.".[6]

    وقال السعدي، رحمه الله: (أي: يهديهم لطريق الرشد والصراط المستقيم، ويعلمهم من العلوم النافعة ما به تحصل الهداية التامة. وشفاء لهم من الأسقام البدنية، والأسقام القلبية، لأنه يزجر عن مساوئ الأخلاق، وأقبح الأعمال، ويحث على التوبة النصوح، التي تغسل الذنوب وتشفي القلب)[7]

     وقال ابن كثير، رحمه الله، في تفسير قوله تعالى: (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ) [الإسراء : 82]: (أي: يذهب ما في القلوب من أمراض، من شك ونفاق، وشركٍ وزيغٍ وميل، فالقرآن يشفي من ذلك كله. وهو أيضًا رحمة يحصل فيها الإيمان والحكمة، وطلب الخير والرغبة فيه، وليس هذا إلا لمن آمن به وصدقه واتبعه، فإنه يكون شفاء في حقه ورحمة)[8]

     ومن أجمل النصوص المأثورة في بيان هداية القرآن، ما رواه الترمذي عن  الحارث الأعور، قال : مررت في المسجد، فإذا الناس يخوضون في الأحاديث, فدخلت على علي، فقلت: يا أمير المؤمنين, ألا ترى أن الناس قد خاضوا في الأحاديث ؟ قال: وقد فعلوها؟ قلت: نعم. قال: أما إني قد سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (ألا إنها ستكون فتنة)! فقلت: ما المخرج منها يا رسول الله ؟ قال:(كتاب الله؛ فيه نبأ ما كان قبلكم, وخبر ما بعدكم, وحكم ما بينكم. وهو الفصل, ليس بالهزل. من تركه من جبار قصمه الله, ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله. وهو حبل الله المتين, وهو الذكر الحكيم, وهو الصراط المستقيم. هو الذي لا تزيغ به الأهواء, ولا تلتبس به الألسنة, ولا يشبع منه العلماء, ولا يخلق على كثرة الرد, ولا تنقضي عجائبه. هو الذي لم تنته الجن إذا سمعته حتى قالوا: (إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا. يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ) [الجن : 1 ، 2]. من قال به صدق, ومن عمل به أجر, ومن حكم به عدل, ومن دعا إليه هدى إلى صراط مسقيم) خذها إليك يا أعور.[9]

 

أمثلة من هدايات القرآن العامة:

     القرآن العظيم كنز هدى، ومشكاة نور، لا تفنى هداياته، ولا تنقضي عجائبه! فكل آية فيه مسرح للنظر، ومنجم للدروس والعبر. تتجدد إيحاءاته ودلالاته بتجدد النوازل وإمعان النظر. فالهدايات التفصيلية المستنبطة من آي الكتاب لا حصر لها ولا عد، فهي عين نضاخة، وعباد الله من من أهل العلم والبصيرة يفجرونها تفجيراً.

     وثمَّ جُمل عامة، وأصول عظيمة من ناطق الكتاب باتت منارات هدى لمن استنار بها، وعصمة لمن تمسك بها. ومن أمثلة ذلك:

في بيان حكمة الخلق: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) [الذاريات : 56]

في باب العلم بالله: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) [الشورى : 11]

في باب توحيد العبادة: (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا) [الجن : 18]

في باب الاتباع: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) [الحشر : 7]

في الجمع بينهما: (فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) [الكهف : 110]

في باب المعاملة: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ) [النحل : 90]

في باب العشرة الزوجية: (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) [النساء : 19]

في باب المصالح العامة: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) [المائدة : 2]

 

أسباب الاهتداء بالقرآن:

1- تلاوته واستماعه وحفظه :

     إن أول مراتب الانتفاع بالقرآن العظيم تلاوته، وترتيله، والتغني به. فقد أودع الله كتابه حلاوة في الألفاظ، ووقعًا في الآذان، تطرب له النفوس، وتلين له القلوب. وربما أدرك هذا التميز والتأثير بعض الأعجمين/ ممن لا يحسن العربية. فلذلك كانت التلاوة المجردة عبادة مشروعة، يترتب عليها الثواب. قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ. لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ) [فاطر : 29 ، 30]

     وقد عقد ابن القيم، رحمه الله، في كتابه النافع الماتع: (زاد المعاد في هدي خير العباد)، فصلًا في هديه - صلى الله عليه وسلم - في قراءة القرآن، واستماعه، وخشوعه, وبكائه عند قراءته واستماعه, وتحسين صوته به, وتوابع ذلك، فقال:

(كان له - صلى الله عليه وسلم - حزب يقرؤه ولا يخل به. وكانت قراءته ترتيلًا, لا هذَّاً ولا عجلة, بل قراءة مفسرة حرفاً حرفاً. وكان يقطِّع قراءته آية آية. وكان يمد عند حروف المد فيمد"الرحمن" ويمد "الرحيم". وكان يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، في أول قراءته. فيقول: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم"، وربما كان يقول: "اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم؛ من همزه ونفخه ونفثه". وكان تعوذه قبل القراءة.

     وكان يحب أن يسمع القرآن من غيره. وأمر عبد الله بن مسعود فقرأ عليه وهو يسمع. وخشع - صلى الله عليه وسلم - لسماع القرآن منه حتى ذرفت عيناه.

     وكان يقرأ القرآن قائمًا، وقاعدًا، ومضطجعًا, ومتوضئًا، ومحدثًا. ولم يكن يمنعه من قراءته إلا الجنابة.

     وكان - صلى الله عليه وسلم - يتغنى به, ويرجِّع صوته به أحيانًا, كما رجَّع يوم الفتح في قراءته "إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا) الفتح1. وحكى عبد الله بن مغفل ترجيعه (آ آ آ) ثلاث مرات. ذكره البخاري.

     وإذا جمعت هذه الأحاديث إلى قوله : "زينوا القرآن بأصواتكم"، وقوله: "ليس منا من لم يتغن بالقرآن"، وقوله: "ما أذن الله لشيء كأذنه لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن"، علمت أن هذا الترجيع منه - صلى الله عليه وسلم - كان اختياراً، لا اضطرارا لهز الناقة له. فإن هذا لو كان لأجل هز الناقة، لما كان داخلاً تحت الاختيار, فلم يكن عبد الله بن مغفل يحكيه, ويفعله اختيارًا، ليؤتسى به, وهو يرى هز الراحلة له, حتى ينقطع صوته، ثم يقول: كان يرجِّع في قراءته! فنسب الترجيع إلى فعله. ولو كان من هز الراحلة لم يكن منه فعل يسمى ترجيعاً.

     وقد استمع ليلة لقراءة أبي موسى الأشعري, فلما أخبره بذلك قال : لو كنت أعلم أنك تسمعه لحبرته لك تحبيرًا. أي : حسنته وزينته بصوتي تزيينًا.

     وروى أبو داود في سننه عن عبد الجبار بن الورد قال: سمعت ابن أبي مُلَيكة يقول: قال عبد الله بن أبي يزيد: مر بنا أبو لبابة، فاتبعناه حتى دخل بيته, فإذا رجل رث الهيئة, فسمعته يقول: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:"ليس منا من لم يتغن بالقرآن". قال: فقلت لابن أبي مُلَيكة: يا أبا محمد!أرأيت إذا لم يكن حسن الصوت؟ قال: يحسنه ما استطاع.

     وكان - صلى الله عليه وسلم - يقطِّع قراءته، ويقف عند كل آية، فيقول: "الحمد لله رب العالمين"، ويقف. "الرحمن الرحيم"، ويقف. "مالك يوم الدين". وذكر الزهري أن قراءة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانت آية آية, وهذا هو الأفضل الوقوف على رؤوس الآيات, وإن تعلقت بما بعدها.

 وذهب بعض القراء إلى تتبع الأغراض والمقاصد, والوقوف عند انتهائها. واتباعُ هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - وسنته أولى. وممن ذكر ذلك البيهقي في شعب الإيمان, وغيره، ورجح الوقوف على رؤوس الآي, وإن تعلقت بما بعدها.

وكان - صلى الله عليه وسلم - يرتل السورة حتى تكون أطول من أطول منها, وقام بآية يرددها حتى الصباح)[10]

     وينبغي أن يشتغل المؤمن بحفظ القرآن، وجمعه في صدره، ليكون مصاحبًا له في كل حال، يتلوه آناء الليل والنهار، لا يعتمد في تلاوته على النظر في المصحف، وحسب. قال تعالى: (بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ) [العنكبوت : 49]، ولم يقل في سطور صحائفهم! ولهذا فإن من أعظم التربية والتنشئة، توجيه الصغار لحفظ كتاب الله، ولو لم يفقهوه، ليكون ذخرًا لهم إذا عقلوا. قال الذهبي -رحمه الله-:(قد ثبت قول المصطفى صلوات الله عليه " أفضلكم من تعلم القرآن وعلمه"[11]يا سبحان الله ! وهل محل أفضل من المسجد؟ وهل نشر لعلم يقارب تعليم القرآن ؟ كلا والله. وهل طلبة خير من الصبيان الذين لم يعملوا الذنوب؟.)[12]

 

2-مدارسته وتدبره والتفكر به:

     المرتبة الثانية من مراتب الاهتداء بالقرآن، مدارسته، وتدبره، وهو الغاية من إنزاله. قال ابن القيم رحمه الله، في (مدارج السالكين): (وأما التأمل في القرآن: فهو تحديق ناظر القلب إلى معانيه. وجمع الفكر على تدبره وتعقله. وهو المقصود بإنزاله, لا مجرد تلاوته بلا فهم ولا تدبر. قال الله تعالى:" كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ"[ص : 29]،وقال تعالى:" أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا" [محمد : 24]. وقال تعالى:" أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ" [المؤمنون : 68]، وقال تعالى:" إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ" [الزخرف : 3]. وقال الحسن : نزل القرآن ليُتدبر، ويعمل به فاتخِذوا تلاوته عملا.

     فليس شيء أنفع للعبد في معاشه ومعاده، وأقرب إلى نجاته من تدبر القرآن، وإطالة التأمل، وجمع الفكر فيه على معاني آياته. فإنها:

- تطلع العبد على معالم الخير والشر بحذافيرهما، وعلى طرقاتهما، وأسبابهما، وغاياتهما، وثمراتهما, ومآل أهلهما.

- وتَتُلُّ في يده مفاتيح كنوز السعادة، والعلوم النافعة.

- وتثبت قواعد الإيمان في قلبه وتشيد بنيانه, وتوطد أركانه.

- وتريه صورة الدنيا والآخرة، والجنة والنار في قلبه.

- وتحضره بين الأمم, وتريه أيام الله فيهم.

- وتبصره مواقع العبر، وتشهده عدل الله وفضله.

- وتعرفه ذاته, وأسماءه وصفاته وأفعاله, وما يحبه وما يبغضه, وصراطه الموصل إليه, وما لسالكيه بعد الوصول والقدوم عليه, وقواطع الطريق وآفاتها.

- وتعرفه النفس وصفاتها, ومفسدات الأعمال ومصححاتها.

- وتعرفه طريق أهل الجنة، وأهل النار، وأعمالهم, وأحوالهم و سيماهم، ومراتب أهل السعادة، وأهل الشقاوة, وأقسام الخلق، واجتماعهم فيما يجتمعون فيه، وافتراقهم فيما يفترقون فيه)[13]

     وتدبر القرآن دُربة، ومدارسته كسب. فإذا أنعم العبد النظر في كلام بارئه، وأجال فيه الفكر، واستنبط المعاني والعبر، ثم عرض ذلك على الآثار، فأقرَّ ما وافقها، واطَّرح ما خالفها، وتكرر منه ذلك مرارًا، نشأت عنده ملكة التدبر، وانتفع بالقرآن العظيم، وصارت لذته في التدبر، ونهمته فيها، أعظم من نهمته في تكثير الختمات دون تدبر واستبصار.

     ونقل ابن القيم آثارًا عن السلف، فقال: (قال شعبة: حدثنا أبو جمرة قال: قلت لابن عباس: إني رجل سريع القراءة، وربما قرأت القرآن في ليلة، مرة أو مرتين! فقال ابن عباس: لأن أقرأ سورة واحدة، أعجب إلي من أن أفعل ذلك الذي تفعل. فإن كنت فاعلًا ولا بد, فاقرأ قراءة تُسمع أذنيك، ويعيها قلبك".

     وقال إبراهيم: قرأ علقمة على ابن مسعود, وكان حسن الصوت فقال: "رتل فداك أبي وأمي، فإنه زين القرآن ".

     وقال ابن مسعود: لا تهذوا القرآن هذَّ الشعر, ولا تنثروه نثر الدقل, وقِفوا عند عجائبه، وحركوا به القلوب, ولا يكن هَمّ أحدكم آخر السورة"

     وقال عبد الله أيضا: إذا سمعت الله يقول: "يا أيها الذين آمنوا"، فأصغ لها سمعك؛ فإنه خير تؤمر به, أو شر تصرف عنه)[14]

 

3-القيام به في صلاة الليل:

     القلب محل الاهتداء ومنبعه، وهو موضع العلم ومكنزه. غير أن القلب ما سمي قلبُا، إلا لكثرة تقلبه. فتعتريه أحوال يتشوش فيها بالمؤثرات الخارجية، فتضعف وظيفته، ويصفو في أوقات فيرق، وتذهب وحشته. ومن أحسن تلك الأحوال والأوقات حال الصلاة والمناجاة، في هدأة الليل، سيما ما كان عقيب نوم وانتقاض تعب. قال تعالى: (إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا)  [المزمل : 6]

     قال ابن كثير، رحمه الله: (والمقصود أن قيام الليل هو أشد مواطأة بين القلب واللسان، وأجمع على التلاوة؛ ولهذا قال: " هي أشد وطئا وأقوم قيلا " أي: أجمع للخاطر في أداء القراءة وتفهمها من قيام النهار؛ لأنه وقت انتشار الناس ولغط الأصوات وأوقات المعاش)[15]

     واستنبط السعدي، رحمه الله، الفرق بين قراءة القرآن في الليل وقراءته في النهار، فقال في الآيات: (أي: الصلاة فيه بعد النوم "هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلا" أي: أقرب إلى تحصيل مقصود القرآن، يتواطأ على القرآن القلب واللسان، وتقل الشواغل، ويفهم ما يقول، ويستقيم له أمره. وهذا بخلاف النهار، فإنه لا يحصل به هذا المقصود، ولهذا قال: "إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلا" أي: ترددًا على حوائجك ومعاشك، يوجب اشتغال القلب، وعدم تفرغه التفرغ التام)[16]

     ومن تأمل هديه صلى الله عليه وسلم، وهدي أصحابه، وهدي جميع السلف، علم أن قيام الليل بالقرآن، ومناجاة ربهم بكلامه الذي أنزله، مستراح نفوسهم، وقرة أعينهم، ودأبهم، وشعارهم، وسر فقهم، وطمأنينة قلوبهم، وصحة عقولهم. قال تعالى: (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) [السجدة : 16]

     وسر ذلك أنه يجتمع فيه عدة أمور:

1-   راحة البدن التي تورث راحة النفس.

2-   سكون الليل، وذهاب الصخب واللغط.

3-   العبودية والخشوع بالصلاة والمناجاة.

فينشأ عن هذه الأحوال انشراح، وانفتاح، وتبصر، وتدبر. وربما ردد القائم آية واحدة، يستطعم منها المعاني، لا يشبع منها، حتى يصبح! فعن أبي ذر، رضي الله عنه، قال: قَامَ النَّبِيُّ صَلَّى الله عَليْهِ وسَلَّمَ بِآيَةٍ حَتَّى أَصْبَحَ يُرَدِّدُهَا وَالآيَةُ :"إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ" رواه النسائي، وابن ماجة.[17]

 

4- العمل به:

     وهذا باب من الاهتداء عظيم! عظيم في فعله، عظيم في أثره. فإن العمل بالعلم ثمرته وغايته، وما ينشأ من العمل من أنواع الهدى ومضاعفاته؛ من علم، ووجد، وذوق قدر زائد على مجرد فعله. وقد قيل: (من عمل بما علم، أورثة الله علم ما لم يعلم).

     وضد ذلك، هجران العمل، فإنه يفضي إلى تقشع سحائب العلم من فضاء المتعلم، ويروى عن علي، رضي الله عنه، وعن سفيان الثوري، رحمه الله: (هتف العلم بالعمل، فإن أجابه وإلا ارتحل).

     وعن أبي عبد الرحمن السلمي، رحمه الله، قال: إنا أخذنا القرآن عن قوم فأخبرونا أنهم كانوا إذا تعلموا عشر آيات لم يجاوزهن إلى العشر الأخر حتى يعلموا ما فيهن من العلم قال فتعلمنا العلم والعمل جميعاً.[18]

قال ابن القيم :(وهذه المتابعة هي التلاوة التي أثنى الله على أهلها في قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُور) [فاطر : 29]/ وفي قوله: (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ)[البقرة : 121] والمعنى: يتبعون كتاب الله حق اتباعه.

     وقال تعالى: (اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ)[العنكبوت : 45]، وقال: (إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ. وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ) [النمل : 91 ، 92].

     فحقيقة التلاوة في هذه المواضع: هي التلاوة المطلقة التامة, وهي تلاوة اللفظ والمعنى, فتلاوة اللفظ جزء مسمى التلاوة المطلقة, وحقيقة اللفظ إنما هي الاتباع. يقال: اتل اثر فلان، وتلوت أثره، وقفوته، وقصصته، بمعنى: تبعت خلفه. ومنه قوله تعالى: (وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا. وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا) [الشمس : 1 ، 2]، أي: تبعها في الطلوع بعد غيبتها. ويقال جاء القوم يتلو بعضهم بعضًا أي يتبع, وسمي تالي الكلام تالياً, لأنه يتبع بعض الحروف بعضاً لا يخرجها جملة واحدة, بل يتبع بعضها بعضاً مرتبة, كلما انقضى حرف أو كلمة أتبعه بحرف آخر وكلمة أخرى.

     وهذه التلاوة وسيلة وطريقة. والمقصود التلاوة الحقيقية, وهي تلاوة المعنى واتباعه؛ تصديقاً بخبره, وائتماراً بأمره، وانتهاءً بنهيه، وائتماماً به؛ حيث ما قادك انقدت معه فتلاوة القرآن تتناول تلاوة لفظه ومعناه. وتلاوة المعنى أشرف من مجرد تلاوة اللفظ. وأهلها هم أهل القرآن الذين لهم الثناء في الدنيا والآخرة, فإنهم أهل تلاوة ومتابعة حقًّا.)[19]

موانع الاهتداء بالقرآن:

     لكل أمر من الأمور أسباب، وله موانع، فلا يتم إلا بتوفر أسبابه، وانتفاء موانعه. وقد يدركه الضعف النسبي بقدر ما تخلف من أسباب، أو قام من موانع. والموفق في هذا الباب من استكمل آلة الاهتداء وموجِباته، وتفادى موانعه ومضعفاته.

     ومن أبرز هذه الموانع والحجب:

أولاً: الكفر ومشتقاته:

     الكُفر مشتق من الكَفر، وهو الستر والتغطية. فالكافر قد حجب فطرته، وسد المنافذ إليها بتنكبه طريق الإيمان؛ فهو أصم لا يسمع، أعمى لا يبصر، مغلق عليه لا يفقه! قال تعالى: (وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ) [فصلت : 44]. قال ابن كثير، رحمه الله: (وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ" أي: لا يفهمون ما فيه. "وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى" أي: لا يهتدون إلى ما فيه من البيان ،كما قال تعالى: "وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا" [الإسراء : 82]. "أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ" قال مجاهد: يعني بعيد من قلوبهم)[20]

     وقال السعدي، رحمه الله، فيها: ("وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ" بالقرآن "فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ" أي: صمم عن استماعه وإعراض، "وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى" أي: لا يبصرون به رشدًا، ولا يهتدون به، ولا يزيدهم إلا ضلالاً. فإنهم إذا ردوا الحق، ازدادوا عمىً إلى عماهم، وغيًّا إلى غيَّهم. "أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ" أي: ينادون إلى الإيمان، ويدعون إليه، فلا يستجيبون، بمنزلة الذي ينادى، وهو في مكان بعيد، لا يسمع داعيًا ولا يجيب مناديًا. والمقصود: أن الذين لا يؤمنون بالقرآن، لا ينتفعون بهداه، ولا يبصرون بنوره، ولا يستفيدون منه خيرًا، لأنهم سدوا على أنفسهم أبواب الهدى، بإعراضهم وكفرهم)[21]

     والظلم وصف قبيح، يوصد أبواب العلم والاهتداء، والتوفيق والصواب، لأن الظلم ظلمات. وأظلم الظلم الكفر بالله العظيم، الذي منه الشرك، كما قال تعالى: (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) [لقمان : 13].بل إن سماع الظالم للقرآن لا يزيده إلا ركوبًا لرأسه، وإمعاناً في غيه. قال تعالى: (ولايزيد الظالمين إلا خسارا)! قال ابن كثير: (وأما الكافر الظالم نفسه بذلك، فلا يزيده سماعه القرآن إلا بعدًا وتكذيبًا وكفرًا. والآفة من الكافر لا من القرآن، كما قال تعالى:"قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ"، وقال تعالى: "وَإِذَا مَا أُنزلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ" والآيات في ذلك كثيرة) [22]. والنفاق أحد أنواع الكفر ومشتقاته.

 

ثانيًا: الأقفال:

     قال تعالى: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) [محمد : 24]. قال ابن كثير، رحمه الله، في تفسيرها: (أي: بل على قلوب أقفالها، فهي مُطْبَقَة لا يخلص إليها شيء من معانيه.)[23]. وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي، رحمه الله: (أي: قد أغلق على ما فيها من الشر وأقفلت)[24]

     وروى ابن جرير بسنده عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: "تلا رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم يومًا: (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا)، فقال شاب من أهل اليمن: بل عليها أقفالها، حتى يكون الله عزّ وجلّ يفتحها أو يفرجها. فما زال الشاب في نفس عمر، رضي الله عنه، حتى ولي، فاستعان به ".[25]. أي استعمله على بعض أعماله، لحسن ظنه بدينه، وفقهه، من جراء تلك الكلمة.

     والأقفال أنواع: شهوات، وشبهات، وغفلات. فالشهوة تطمس قلبه، وتعمي بصره، وتصم سمعه، فلا يرى إلا ما يوافق هواه، ولا يسعى إلا لقضاء وطره، فلا تنفذ الموعظة إلى قلبه المغلف. والشبهة تفسد عليه عقله، وتفكيره، وتطوح به عن الحق الصراح. والغفلة تغمسه في لجج مظلمة، فينسى نفسه. والنجاة أن يعافيك الله منها جميعاً.

 

ثالثًا: هِجران القرآن :

الهجر: ترك ما يلزم تعاهده. وأضره وأشأمه عاقبه هجر القرآن، قال تعالى: (وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا) [الفرقان : 30].

وهجره يتناول مراتب الهجر الأربعة: تلاوته، وتدبره، والاستشفاء به، والعمل به. فلا يتوقع ممن فرط ي أسهلها وأدناها، أن ينال ويبلغ أشدها وأعلاها..

 

رابعًا: اتباع غير سبيل المؤمنين من أهل الرأي والكلام:

     أخبر الله تعالى نبيه الكريم، ممتنًا عليه، وعلى المؤمنين من بعده، فقال: (مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى. إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى) [طه : 2 ، 3]. قال قتادة: (لا والله ما جعله شقاء، ولكن جعله رحمة ونورا، ودليلا إلى الجنة)[26]. فعلم بذلك أن من شقي بالقرآن، وتعسف في تأويل معانيه، قد خرج عن مراد الله، واتبع غير سبيل المؤمنين الذين تنعموا بالقرآن، وفرحوا بالتنزيل، حيث فهموه على مراد الله، ولم يشقوا بتحريفه، وحمله على محامل تخالف الحق. وقد ضل قوم من المتكلمين، وشقوا بالقرآن العظيم، فطفقوا يُعمِلون فيه معاول التحريف.

     قال الشيخ عبد الرحمن السعدي، رحمه الله، في تفسير قوله تعالى: (وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا) [الفرقان : 33]: (أي: أنزلنا عليك قرآنا جامعا للحق في معانيه والوضوح والبيان التام في ألفاظه، فمعانيه كلها حق وصدق لا يشوبها باطل ولا شبهة بوجه من الوجوه، وألفاظه وحدوده للأشياء أوضح ألفاظًا وأحسن تفسيرًا، مبين للمعاني بيانا كاملاً ...

     وفيه رد على المتكلفين من الجهمية ونحوهم، ممن يرى أن كثيرًا من نصوص القرآن محمولة على غير ظاهرها، ولها معان غير ما يفهم منها، فإذًا -على قولهم- لا يكون القرآن أحسن تفسيرًا من غيره، وإنما التفسير الأحسن -على زعمهم- تفسيرهم الذي حرفوا له المعاني تحريفًا)[27]. وهؤلاء أصناف، فمنهم:

-أهل التحريف (التأويل المذموم): الذين زعموا أن آيات الصفات الخبرية، والفعلية، لا يجوز حملها على حقيقتها، وأنه يتعين البحث عن معاني مجازية لصرفها عن ظاهرها! وكأنهم بذلك أصدق من الله قيلاً، وأحسن حديثًا، وتفسيرًا.

-أهل التفويض (التجهيل ): الذين زعموا أنه لا سبيل للعلم بمعاني ما أخبر الله به عن نفسه، وأن ذلك هو التأويل الذي لا يعلمه إلا الله، فخلطوا بين العلم بالمعنى، والعلم بالكنه والكيفية، ولم يميزوا بين المقامين، وسدوا باب العقل والنقل، وجهَّلوا السابقين الأولين من الصحابة والتابعين!

-أهل التخريف (المتصوفة) : الذين طوَّحت بهم شطحاتهم إلى التفسير الإشاري، وما يلقيه الشيطان في نفوسهم العليلة من معاني مزعومة، بلا بينة، أو أثارة من علم، بل محض وجد، وذوق، وكشف شيطاني!

-أهل التعصب المذهبي: الذين أعماهم تعصبهم للذوات، والأصحاب، عن قبول الحق، واستبصاره بعين التجرد، حتى قال قائلهم: (كل نص يخالف ما قاله الأصحاب، فهو إما منسوخ أو مؤول)!

     فكل هؤلاء وهؤلاء محجوبون عن الاهتداء بالقرآن.

نماذج من أحوال المهتدي بالقرآن:

     عن عمرو ابن ميمون بن مهران قال: خرجت بأبي أقوده في بعض سكك البصرة, فمررت بجدول فلم يستطع الشيخ يتخطاه, فاضطجعت له فمر على ظهري ثم قمت فأخذت بيده ثم دفعنا إلى منزل الحسن, فطرقت الباب فخرجت إلينا جارية سداسية. فقالت: من هذا. قلت: هذا ميمون بن مهران أراد لقاء الحسن. فقالت: كاتب عمر بن عبد العزيز؟ قلت لها: نعم. قالت: يا شقي, ما بقاؤك إلى هذا الزمان السوء. قال: فبكى الشيخ فسمع الحسن بكاءه فخرج إليه فاعتنقا. ثم دخلا, فقال ميمون: يا أبا سعيد قد أنست من قلبي غلظة فاستكن لي منه, فقرأ الحسن (أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ. ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ. مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ) [الشعراء : 205 - 207]. قال: فسقط الشيخ مغشيا عليه, فرأيته يفحص برجليه, كما تفحص الشاة المذبوحة, فأقام طويلا, ثم أفاق فجاءت الجارية فقالت: قد أتعبتم الشيخ, قوموا تفرقوا, فأخذت بيد أبي, فخرجت به. ثم قلت: يا أبتاه هذا الحسن؟ قد كنت أحسب أنه أكبر من هذا. قال: فوكزني في صدري وكزة, ثم قال: يا بني لقد قرأ علينا آية لو فهمتها بقلبك لأبقي لها فيك كلوم.[28]

     (عبد المؤمن بن علي القيسي الكومي التلمساني) صاحب المغرب والأندلس:  وصفه الإمام الذهبي، رحمه الله، في كتابه العبر[29]، وابن العماد في شذرات الذهب[30]، وذكروا عنه أنه (كان ملكاً عادلاً سائساً عظيم الهيبة عالي الهمة، كثير المحاسن، متين الديانة، قليل المثل، كان يقرأ كل يوم سُبعاً من القرآن العظيم، ويجتنب لبس الحرير، فإن عموم الناس في زمانه كانوا يلبسون الحرير، فكان من صفاته الحسنة أنه كان لا يلبس الحرير، وكان يصوم الاثنين والخميس، ويهتم بالجهاد والنظر في الملك كأنما خلق لهما).

     (محمد بن أحمد بن علي, أبو نصر المروزي) : كان إماماً في القراءات, وله فيها المصنفات, وسافر في ذلك كثيراً, واتفق له أنه غرق في البحر في بعض أسفاره, فبينما الموج يرفعه ويضعه, إذ نظر إلى الشمس قد زالت، فنوى الوضوء، وانغمس في الماء، ثم صعد, فإذا خشبة فركبها، وصلى عليها! ورزقه الله السلامة ببركة امتثاله للأمر, واجتهاده على العمل. وعاش بعد ذلك دهراً, وتوفي في هذه السنة وله نيف وتسعون سنة.[31]

 

نسأل الله أن ينفعنا بالقرآن العظيم، وبهدي سيد المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

 

 


 

[1] الصحاح : 6/2533

[2] لسان العرب : 15/58

[3] معجم مقاييس اللغة: 1027-1028

[4] جامع البيان في تأويل القرآن  (ج17 ص392) الرسالة.

[5] تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان(ج4 ص264).

[6] تفسير القرآن العظيم (ج7ص184).

[7] تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان .تحت تفسير قوله تعالى { قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ..}.

 

[9] الترمذي (2906)، ثم قال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث حمزة الزيات، وإسناده مجهول وفي حديث الحارث مقال . قال الحافظ ابن كثير، رحمه الله: (لم ينفرد بروايته حمزة بن حبيب الزيات، بل قد رواه محمد بن إسحاق، عن محمد بن كعب القرظي، عن الحارث الأعور، فبرئ حمزة من عهدته، على أنه وإن كان ضعيف الحديث، إلا أنه إمام في القراءة والحديث، مشهور من رواية الحارث الأعور. وقد تكلموا فيه، بل قد كذبه بعضهم من جهة رأيه واعتقاده، أما إنه تعمد الكذب في الحديث فلا، والله أعلم. وقصارى هذا الحديث أن يكون من كلام أمير المؤمنين علي، رضي الله عنه، وقد وهم بعضهم في رفعه. وهو كلام حسن صحيح. على أنه قد روي له شاهد عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم) تفسير ابن كثير / دار طيبة - (1 / 21)

[10] زاد المعاد (جـ1 ص463) طبعة الرسالة.

[11] البخاري (5027).

[12] سير أعلام النبلاء (ج11 ص480) الرسالة.

[13] مدارج السالكين (1 ص451)دار الكتاب العربي بيروت

[14] زاد المعاد (جـ1 ص323).

[15] (تفسير ابن كثير: (8 / 252)

[16] تفسير السعدي - (1 / 892)

[17] سنن النسائي: (2 / 177)، سنن ابن ماجة : (2 / 372)، وصححه الألباني.

[18] البدع والنهي عنها لابن واضح دار الصفا ص 93.

[19] مفتاح دار السعادة (جـ1 ص42)دار الكتب العلمية بيروت.

[20] تفسير القرآن العظيم (ج7ص184).

[21] تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان .

[22] تفسير القرآن العظيم (ج5 ص112).

[23] تفسير القرآن العظيم (ج7 ص320) دار طيبة.

[24] تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام الرحمن .

[25] جامع البيان في تأويل القرآن (ج22 ص179).

[26] تفسير ابن كثير: (5 / 272)

[27] تفسير السعدي - (1 / 582)

[28] حلية الأولياء (ج4 ص82) دار الكتاب العربي بيروت.

[29] ج 4 ص165 مطبعة حكومة الكويت.

[30] ج 4 ص182 الكتب العلمية.

[31] البداية والنهاية (ج12 ص138) مكتبة المعارف بيروت.

روابط التنزيل

 460  0  0  6.1K  11-15-1434 08:38 صباحًا
التعليقات ( 0 )