• ×

ذكر الله تعالى


إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. أما بعد:

     ففي هذا الصفحات نرتاد روضةً أنيقة, ما زال أهل الله وخاصته يرتعون فيها ويأنسون. ألسنتهم بها رطبة, وقلوبهم فيها مطمئنة, وصدورهم لها منشرحة! تلكم هي روضة الذكر. تجارة رابحة, وغنيمة باردة, عبادة سهلة يسيرة، تصاحب المرء في سفره و إقامته, وصحته ومرضه, وقيامة وقعوده واضطجاعه, في الليل والنهار ,والصيف والشتاء, لا تتطلب عناءً في الأبدان, ولا بذلاً للأموال, ولا ظعناً عن الأوطان. ومع ذلك الفضل الكبير، فالزاهدون فيها كثير؛ مغبونون, محرومون, غافلون!

 

أقسام الناس تجاه الذكر:

1- الغافلون: قال تعالى: وهم الذين لم يرفعوا بالذكر رأسًا، وعطلوا قلوبهم وجوارحهم عن الاشتغال به معنىً وحسًا. قال تعالى: (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ) الأعراف 179

2- المبتدعون: وهم الذين أحدثوا من الأذكار، والهيئات، ما لم يأذن به الله، ولم يَرِد عن رسول الله. عَنْ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم (مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ)[1]، وقال: (مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهْوَ رَدٌّ)[2] متفق عليهما.

3- الذاكرون : وهم من جمعوا بين وصفي الإخلاص والمتابعة.، وأدمنوا ذكر الله في الخلوة والجلوة، وفى مختلف الأحوال، والهيئات. قال تعالى: (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) [آل عمران : 191]

 

فضل الذكر ومنزلته:

إن المتأمل في نصوص الوحيين يلحظ عناية فائقة، ووصية مستمرة بذكر الله تعالى؛ كثرةً في النصوص، وتنوعاً في الأسلوب، ووفرة في الثواب ! ولو ذهبنا نسوق الشواهد لطال بنا المقام . فننتخب منها :

(وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ) [العنكبوت/45]، (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ) [البقرة/152]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا. وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) [الأحزاب/41، 42] (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [الأنفال : 45]، (وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا) [الأحزاب : 35]   

     عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم -  يسير في طريق مكة، فمر على جبل يقال له جُمدانُ، فقال:" سيروا هذا جُمدانُ! سبق المفرِّدون" قالوا: وما المفرِّدون ؟ يا رسول الله قال "الذاكرون الله كثيرا والذاكرات"[3]

     وفي الحديث لفتة نبوية لطيفة إلى ملاحظة السير والسبق في الطريق المعنوي، كما يلحظ ويدرك في الطريق الحسي.

     وعن أبي الدرداء - رضي الله عنه - قال : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - "ألا أنبئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذهب والورق، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم ؟" قالوا: بلى قال:" ذكر الله تعالى"[4]

     وهذا إغراء بليغ، وتخيير صريح لذكر الله على جملة من الأعمال الصالحة العظيمة، كما قال في الآية، وأطلق: (وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ) [العنكبوت : 45].

     وعن أبي مالك الأشعري - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "الطهور شطر الإيمان. والحمد لله تملأ الميزان. وسبحان الله والحمد لله تملآن ( أو تملأ ) ما بين السماوات والأرض"[5]

     وعن أبي ذر - رضي الله عنه - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :" ألا أخبرك بأحب الكلام إلى الله ؟ قلت: يا رسول الله أخبرني بأحب الكلام إلى الله. فقال:" إن أحب الكلام إلى الله سبحان الله وبحمده"[6]

     عن أبي هريرة- رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :"كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم"[7]

     وعنه - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم - : "لأن أقول سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، أحب إلي مما طلعت عليه الشمس "[8]

     فلما كان الحمد وصفًا لله بصفات الكمال، والتسبيح تنزيه له عن النقص والعيب ومماثلة المخلوقين، كان اجتماعهما غاية الكمال، وملء المكان، وكان أحب الكلام إلى الله عز وجل، وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم.

     وعن أبي هريرة ر- رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "من قال: لا إله إلا الله وحده، لا شريك له, له الملك وله الحمد, وهو على كل شيء قدير, في يوم مائة مرة، كانت (كان) له عدل عشر رقاب، وكتبت له مائة حسنة, ومحيت عنه مائة سيئة, وكانت له حرزًا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي, ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا أحدٌ عمل أكثر من ذلك". وفي رواية مسلم: " ومن قال سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرة، حطت خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر"[9]

     وعن أبي أيوب الأنصاري - رضي الله عنه -  عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، عشر مرات، كان كمن أعتق أربعة أنفس من ولد إسماعيل"[10]

     وفي النصين السابقين بيان لعظم فضل الذكر، وكثير ثوابه، وبليغ أثره على صاحبه.

     وكان ابن الزبير، رضي الله عنهما، يقول في دبر كل صلاة حين يسلم: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له, له الملك وله الحمد, وهو على كل شيء قدير, لا حول ولا قوة إلا بالله. لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة, وله الفضل, وله الثناء الحسن. لا إله إلا الله، مخلصين له الدين ولو كره الكافرون". وقال:" كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يهلل بهن دبر كل صلاة"[11]

     وعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، أن فقراء المهاجرين أتوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: ذهب أهل الدثور بالدرجات العلى, والنعيم المقيم! فقال: "وما ذاك ؟" قالوا: يصلون كما نصلي, ويصومون كما نصوم, ويتصدقون ولا نتصدق, ويعتقون ولا نعتق. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : "أفلا أعلمكم شيئًا تدركون به من سبقكم، وتسبقون به من بعدكم، ولا يكون أحد أفضل منكم، إلا من صنع مثل ما صنعتم ؟" قالوا: بلى يا رسول الله. قال:" تسبحون وتكبرون وتحمدون، دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين مرة. قال أبو صالح: فرجع فقراء المهاجرين إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم، فقالوا: سمع إخواننا، أهل الأموال بما فعلنا، ففعلوا مثله. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : "ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء" [12]

     وعن مصعب بن سعد عن أبيه y قال: جاء أعرابي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: علمني كلامًا أقوله، قال:"قل لا إله إلا الله وحده لا شريك له. الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، سبحان الله رب العالمين. لا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم". قال: فهؤلاء لربي، فما لي ؟ قال: قل: اللهم اغفر لي، وارحمني، واهدني، وارزقني "[13]

     وهذان النصان، وأمثالهما كثير، يدلان على حرص النبي صلى الله عليه وسلم، وحرص الصحابة الكرام؛ أفرادًا وجماعات، على ذكر الله.

     فما سر هذه العناية والحفاوة والتحضيض ؟ ولماذا نشر الشارع الحكيم أزهار الأذكار على صفحة الليل والنهار ؟

     سر ذلك هو الارتباط الوثيق، والاتصال العميق بين (العقيدة) و (الذكر). ويتضح ذلك من وجوه متعددة :

أولاً : أن (قول اللسان) جزء مسمى الإيمان، الذي له حقيقة مركبة من : (قول اللسان، واعتقاد الجنان، وعمل الأركان). والذكر يتضمن قول اللسان، الذي هو الاستعلان بالشهادتين، وعمل اللسان المتضمن للتسبيح، والتحميد، والتكبير، والدعاء.

ثانياً : أن الذكر تأكيد لمفردات العقيدة، واستحياء لها في النفس الغافلة، واستحثاث لها في الهمم الغافلة. ولا ريب أن إدمان ذكر الشيء سبب لرسوخه.

ثالثاً : أنه سبب لتحقيق مقام (المحبة) التي هي أشرف العبادات القلبية . قال ابن القيم، رحمه الله : (أنه يورثه المحبة، التي هي روح الإسلام، وقطب رحى الدين، ومدار السعادة والنجاة. وقد جعل الله لكل شيء سبباً، وجعل سبب المحبة دوام الذكر. فمن أراد أن ينال محبة الله عز وجل، فليلهج بذكره، فإنه الدرس والمذاكرة. كما أنه باب العلم؛ فالذكر باب المحبة، وشارعها الأعظم، وصراطها الأقوم) الوابل الصيب.

رابعاً : أنه سبب للوصول إلى مرتبة الإحسان، التي هي أعلى مراتب الدين. قال ابن القيم، رحمه الله: (أنه يورثه المراقبة، حتى يدخله في باب الإحسان؛ فيعبد الله كأنه يراه. ولا سبيل للغافل عن الذكر إلى مقام الإحسان، كما لا سبيل للقاعد إلى الوصول إلى البيت) الوابل الصيب.

خامساً : أنه وقاية وصيانة من الشبهات الشيطانية التي تقدح في العقيدة، وتفسد صفاء القلب؛ فالذكر حرز إيماني من كل هجوم شيطاني . جاء في حديث الحارث الأشعري، رضي الله عنه، الطويل ، مرفوعاً : (وَآمُرُكُمْ أَنْ تَذْكُرُوا اللَّهَ فَإِنَّ مَثَلَ ذَلِكَ كَمَثَلِ رَجُلٍ خَرَجَ العَدُوُّ فِي أَثَرِهِ سِرَاعًا حَتَّى إِذَا أَتَى عَلَى حِصْنٍ حَصِينٍ فَأَحْرَزَ نَفْسَهُ مِنْهُمْ ، كَذَلِكَ العَبْدُ لاَ يُحْرِزُ نَفْسَهُ مِنَ الشَّيْطَانِ إِلاَّ بِذِكْرِ اللهِ) رواه الترمذي.[14]

فلا غرو، بعد ذلك، أن يكون (الذكر) من أخص صفات الصالحين، وشعارهم. وسيد الذاكرين، محمد صلى الله عليه وسلم ، كان من هديه الشريف ما حدث به سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ قَالَ: قُلْتُ لِجَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ: أَكُنْتَ تُجَالِسُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم؟ قَالَ: نَعَمْ،كَثِيرًا. كَانَ لاَ يَقُومُ مِنْ مُصَلاَّهُ الَّذِى يُصَلِّى فِيهِ الصُّبْحَ أَوِ الْغَدَاةَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَإِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ قَامَ وَكَانُوا يَتَحَدَّثُونَ فَيَأْخُذُونَ فِى أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ فَيَضْحَكُونَ وَيَتَبَسَّمُ. رواه مسلم [15].

وعلى هذا السنن جرى الموفقون من أئمة الدين، وحراس العقيدة، فقد حكى ابن القيم، رحمه الله عن شيخه، ابن تيمية، رحمه الله، وحسبك به ناصراً للملة، وقامعًا لأهل البدعة، قال : (حضرت شيخ الإسلام، ابن تيمية، مرة، صلى الفجر، ثم جلس يذكر الله تعالى إلى قريب من انتصاف النهار، ثم التفت إلي وقال : هذه غدوتي ولو لم أتغد الغداء سقطت قوتي. أو كلاماً قريبا من هذا. وقال لي مرة : لا أترك الذكر إلا بنية إجمام نفسي، وإراحتها، لأستعد بتلك الراحة لذكرٍ آخر. أو كلاماً هذا معناه.

وبذلك يتبين أن (الذكر) غذاء،ودواء،وشفاء،لأهل الإيمان؛ فمن خلاله يوثقون صلتهم بمعبودهم، ويحيون قلوبهم بمعاني العبودية، وينفون عنها طائف الشيطان.

 

صفة الذكر المشروع:

     وقع كثير من المبتدعة في ألوان من البدع الإضافية المتعلقة بالذكر، أخرجتهم عن سمت الشريعة، وهدي النبوة، وسماحة الإسلام، وطوَّحت بهم إلى أحوال من النسك الأعجمي البدعي، فاخترعوا الأوراد الطرقية، واتخذوا (المسابح) المئوية والألفية، وعقدوا الحضرات الصوفية، وربما لابستهم الشياطين فنقلتهم إلى أحوال شركية، وأوضاع بدعية، شانوا بها الشريعة، وعكروا صفاء هذه العبادة الجليلة.

     أما الذكر المشروع فعليه بهاء النبوة، وسكينة الإيمان، والبعد عن التكلف والتصنع. ومن أبرز سماته:

أولاً: السكينة والإخبات :

     ينبغي أن تتكيف نفس الذاكر بكيفية العبودية، تضرعًا وإخباتًا، وأن يؤديه نطقًا، بسكينة وأدب، يليق بمناجاة الله. قال تعالى: (وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ) الأعراف205

     قال ابن كثير، رحمه الله: (أي: اذكر ربك في نفسك رهبة ورغبة، وبالقول لا جهرًا؛ ولهذا قال: "وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ" وهكذا يستحب أن يكون الذكر؛ لا يكون نداء، ولا جهرًا بليغًا)[16]

     عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَكُنَّا إِذَا أَشْرَفْنَا عَلَى وَادٍ هَلَّلْنَا وَكَبَّرْنَا، ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُنَا، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ؛ فَإِنَّكُمْ لاَ تَدْعُونَ أَصَمَّ، وَلاَ غَائِبًا. إِنَّهُ مَعَكُمْ، إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ، تَبَارَكَ اسْمُهُ وَتَعَالَى جَدُّهُ) متفق عليه[17]. وفي رواية: (ثُمَّ أَتَى عَلَيَّ وَأَنَا أَقُولُ فِي نَفْسِي: لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ. فَقَالَ: (يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ قَيْسٍ، قُلْ: لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ، فَإِنَّهَا كَنْزٌ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ)، أَوْ قَالَ: (أَلاَ أَدُلُّكَ عَلَى كَلِمَةٍ هِيَ كَنْزٌ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ)[18]

     وهذا بخلاف حال أهل البدع الذين يتحلقون على أذكار جماعية، ويرفعون أصواتهم برعونة، وصراخ، ونحيب، ونشيج، وغشي، وتشنج، مفتعل، أو من مس الشيطان، كما فضح حالهم ابن الجوزي، رحمه الله، في (تلبيس إبليس).

  

ثانياً: الدوام والثبات:

     ذكر الله ليس طقسًا كهنوتيًا، أو حضرة صوفية، بل هو عبادة مستديمة، يلهج بها اللسان، كما يتردد النَّفَس في الصدر. قال تعالى: (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) آل عمران191

     عن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يذكر الله على كل أحيانه) رواه مسلم[19].

     عن عبد الله بن بسر رضي الله عنه، أن رجلا قال: يا رسول الله، إن شرائع الإسلام قد كثرت علي، فأخبرني بشيء أتشبث به. قال: (لا يزال لسانك رطبًا من ذكر الله) رواه الترمذي وابن ماجه.[20]

     وذكر الله تعالى نوعان:

أحدهما: مطلق: لا يتقيد بزمان ولا مكان، غير أنه ينزه عن الأماكن المستقذرة؛ كالحشوش، والأحوال المستكرهة؛ كحال قضاء الحاجة. فيلهج الذاكر بأنواع الذكر؛ من تسبيح، وتحميد، وتهليل، وتكبير، وحوقلة، دون حدٍّ ولا عدٍّ.

الثاني: مقيد: وهو ما رتبه الشارع على أوقات معينة؛ كأذكار طرفي النهار، وأدبار الصلوات المكتوبة، أو أحوال معينة؛ كالنوم والاستيقاظ، والطعام والشراب، وأسباب معينة؛ كدخول المسجد والمنزل والخروج منه، أو في أماكن معينة؛ كالطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة، ورمي الجمار. وغير ذلك. وكل ذلك ليبقى المؤمن موصولاً بالله، مشاهدًا لآلائه، شاكرًا لأنعمه.

 

ثالثًا : تواطؤ القلب واللسان:

     أفضل الذكر ما تواطأ عليه القلب واللسان ,ثم دون ذلك ما كان بالقلب فقط, ثم ما كان باللسان. قال ابن القيم -رحمه الله-: (فأفضل الذكر ما تواطأ عليه القلب واللسان, وإنما كان ذكر القلب وحده أفضل من ذكر اللسان وحده, لأن ذكر القلب يثمر المعرفة, ويهيج المحبة, ويثير الحياء, ويبعث على المخافة, ويدعو إلى المراقبة, ويردع عن التقصير في الطاعات, والتهاون في المعاصي والسيئات, وذكر اللسان وحده لا يوجب شيئا منها فثمرته ضعيفة.)[21]

 

رابعًا: الاستعانة بالله:

     لابد في تحقيق العبودية من أمرين: الإخلاص، والاستعانة، كما قال تعالى: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) [الفاتحة : 5]. وهذا ينسحب على هذه العبادة الجليلة، ولهذا جاء في حديث معاذ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- أَخَذَ بِيَدِهِ وَقَالَ: (يَا مُعَاذُ! وَاللَّهِ إِنِّى لأُحِبُّكَ، وَاللَّهِ إِنِّى لأُحِبُّكَ. فَقَالَ: (أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ: لاَ تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلاَةٍ تَقُولُ: اللَّهُمَّ أَعِنِّى عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ)[22].

     وبعض المتعبدين يغفل عن هذا المعنى، ويستغرق في أوراده، غير مستشعر لمسيس حاجته إلى عون ربه على أدائها على وجه الكمال، فيفتر، أو ينقطع، أو تقع منه على سبيل العادة، لا العبادة.

 

مثال من حياة الذاكرين:

قال ابن القيم –رحمه الله-(سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية، قدس الله تعالى روحه، يقول: الذكر للقلب مثل الماء للسمك. فكيف يكون حال السمك إذا فارق الماء ؟ ...

وحضرت شيخ الإسلام ابن تيمية، مرة، صلى الفجر, ثم جلس يذكر الله تعالى إلى قريب من انتصاف النهار, ثم التفت إلي, وقال: هذه غدوتي، ولو لم أتغدَّ هذا الغداء سقطت قوتي! أو كلامًا قريبًا من هذا. وقال لي مرة: لا أترك الذكر إلا بنية إجمام نفسي وإراحتها، لأستعد بتلك الراحة لذكر آخر, أو كلاماً هذا معناه)[23].

     وقال أيضًا: (وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية، قدس الله روحه يقول: أن في الدنيا جنة من لم يدخلها لا يدخل جنة الآخرة! وقال لي مرة: ما يصنع أعدائي بي ؟! أنا جنتي وبستاني في صدري, أنىّ رحت فهي معي لا تفارقني؛ إن حبسي خلوة, وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة. وكان يقول في محبسه في القلعة: لو بذلت ملء هذه القلعة ذهباً ما عدل عندي شكر هذه النعمة, أو قال: ما جزيتهم على ما تسببوا لي فيه من الخير ونحو هذا.

     وكان يقول في سجوده، وهو محبوس: اللهم أعني على ذكرك، وشكرك، وحسن عبادتك، ما شاء الله. وقال لي مرة: المحبوس من حبس قلبه عن ربه تعالى، والمأسور من أسره هواه.

     ولما دخل إلى القلعة، وصار داخل سورها، نظر إليه وقال: (فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب). وعلم الله! ما رأيت أحدًا أطيب عيشًا منه قط، مع ما كان فيه من ضيق العيش, وخلاف الرفاهية والنعيم, بل ضدها، ومع ما كان فيه من الحبس والتهديد, والإرهاق، وهو مع ذلك من أطيب الناس عيشًا, وأشرحهم صدرًا، وأقواهم قلبًا، وأسرهم نفسًا! تلوح نضرة النعيم على وجهه. وكنا إذا اشتد بنا الخوف, وساءت منا الظنون، وضاقت بنا الأرض، أتيناه، فما هو إلا أن نراه, ونسمع كلامه، فيذهب ذلك كله, وينقلب انشراحًا، وقوة، ويقينًا، وطمأنينة! فسبحان من أشهد عباده جنته قبل لقائه, وفتح لهم أبوابها في دار العمل، فأتاهم من روحها، ونسيمها، وطيبها، ما استفرغ قواهم لطلبها, والمسابقة إليها!

     وكان بعض العارفين يقول: لو علم الملوك، وأبناء الملوك، ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف. وقال آخر: مساكين أهل الدنيا! خرجوا منها وما ذاقوا أطيب ما فيها. قيل: وما أطيب ما فيها ؟ قال: محبة الله تعالى, ومعرفته, وذكره, أو نحو هذا.

     وقال آخر: إنه لتمر بالقلب أوقات يرقص فيها طربًا.

     وقال آخر : إنه لتمر بي أوقات أقول: إن كان أهل الجنة في مثل هذا إنهم لفي عيش طيب)[24]

 

خاتمة:

     وبعد! فإن (الذكر) عبادة تنال بالدربة والمجاهدة، فإنه لم يولد مولود ذاكرًا! وإنما العلم بالتعلم، والحلم بالتحلُّم. يحتاج الموفق إلى حمل نفسه على لزوم الذكر في جميع الأحوال، حتى يصبح سجية له، وحركةً طوعية للسانه، وعقدًا لبنانه، وأنسًا لجنانه. وهذا مشاهد في حال بعض الصالحين المعاصرين؛ فلا يكاد يفتر لسانه عن ذكر الله، ولا شفتاه عن التمتمة بالكلم الطيب، ولا أنامله عن عقد التسبيح! وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. وإنما تنال هذه المراتب العالية بالمجاهدة والرياضة، والصدق والمثابرة، ولزوم السنة، واجتناب البدعة، والاستعانة بالمعبود للوصول إلى المقصود.

اللهم أعنا على ذكرك، وعلى شكرك، وعلى حسن عبادتك.

 

 

 

____________________
 

[1] صحيح البخاري : (3 / 241) ، صحيح مسلم : (5 / 132)

[2] صحيح البخاري : (9 / 132) ، صحيح مسلم : (5 / 132)

 [3] مسلم (2676).

[4] الترمذي (3377),ابن ماجه (3790) صححه الألباني .

[5] مسلم (223)

[6] مسلم (2731)

[7] البخاري (6682),مسلم (2694).

[8] مسلم (2695).

[9] البخاري (3293),مسلم (2691)

[10] مسلم (2693)

[11] مسلم(594)

[12] مسلم (595)

[13] مسلم (2696)

[14] سنن الترمذي : (4 / 446)

[15] صحيح مسلم : (2 / 132)

[16] تفسير ابن كثير (ج3ص205)طبعة طيبة

[17] صحيح البخاري : (4 / 69) ، صحيح مسلم : (8 / 73)

[18] صحيح البخاري : (8 / 102)

 [19] مسلم (373)

[20] سنن الترمذي : (5 / 458) ، سنن ابن ماجة : (4 / 707). وصححه الألباني.

 [21] الوابل الصيب من الكلام الطيب ص117 دار الكتاب العربي

[22] سنن أبي داود : (1 / 561) ، وصححه الألباني.

[23] الوابل الصيب ص67

[24] الوابل الصيب  ص 67

روابط التنزيل

 169  0  0  1.7K  10-15-1434 08:33 صباحًا
التعليقات ( 0 )