• ×

حالنا مع القرآن في رمضان


إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد :

     فإن من حكمة الله ورحمته ولطفه بعباده أن هيأ لهم مواسم للطاعات، تنشرح فيها صدورهم لعمل الصالحات، واغتنام الأوقات، ووعدهم على ذلك جزيل الهبات. (وربك يخلق ما يشاء ويختار) ؛ فاختار من الناس محمداً ، ومن البقاع مكة والمدينة، ومن الأيام يوم النحر، ومن الليالي ليلة القدر، ومن الأشهر شهر رمضان الذي أنزل فيه القرءان .وأودع الله في قلوب عباده المؤمنين شوقاً دفيناً لهذا الشهر، فما أن يستدير العام حتى تخفق تلك القلوب لمقدمة، وتتشوف لاستقباله، كما يستقبل الضيف الحبيب الذي طال غيابه . وكأن المؤمن قد ناء بحمل الأثقال من الخطايا والغفلات، فما أن يهل الشهر ويحل إلا وقد ألقاها عن كاهله، واطرح بين يدي ربه يتوب إليه ويستغفره، ثم يقبل على قلبه يجلو صدأه، ويميط الران عنه، حتى يعود صقيلاً مضيئاً، مثل السراج يزهر . روى الإمام أحمد والنسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يبشر أصحابه؛ يقول: ( قد جاءكم شهر رمضان، شهر مبارك، كتب الله عليكم صيامه . تفتح فيه أبواب الجنان، وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتغل فيه الشياطين. فيه ليلة خير من ألف شهر، من حرم خيرها فقد حرم ) وإسناده صحيح. قال ابن رجب، رحمه الله : ( قال بعض العلماء: هذا الحديث أصل في تهنئة الناس بعضهم بعضاً بشهر رمضان ) لطائف المعارف : 279.
     ورمضان في ضمير المؤمن موسم قربة وإخبات، واستكثار من الأعمال الصالحات. وقد تعرض هذا الوعي الإيماني في السنوات الأخيرات لقدر من التشويه والانحراف؛ فصار في حس بعض الناس موسماً للتسوق والتفنن في الأكلات والوجبات، وعند آخرين مهرجاناً للأفلام والمسرحيات التي تقيء بها الفضائيات ، ويقترن عند طائفة بذكر النوم والكسل وترك الأعمال والواجبات!! وكل هذا وذاك باطل ما أنزل الله به من سلطان، ولا كان من شأن أهل الإسلام، وإنما طرأ على مجتمعاتهم في غيبة من العلم وغفلة عن الذكر، وهجمة من الذين يتبعون الشهوات .أنشد بعض السلف :           
 أتى رمضان مزرعة العبــاد *** لتطهير القلوب من الفساد
 فأدِّ حقوقه قولاً وفعـــلاً *** و زادك فاتخذه للمعــاد
 فمن زرع الحبوب وما سقاها ***  تأوه نادمـاً يوم الحصـاد
     ولم يزل الصالحون يشبهون رمضان بالمزرعة، وحلولَه بالموسم، ومن شأن ذلك أن يستغل . قال ابن منظور: ( استغلال المستغلات أخذ غلتها ) لسان العرب:10/110
     ولا يتم هذا الاستغلال ، بشكل تام ، إلا بتحقق ثلاثة أمور :
     الأول : التهيؤ الإيماني لاستقبال هذا الشهر ؛ بأن يورد المسلم على قلبه المؤثرات الإيمانية من المحبة ، والخوف ، والرجاء، التي تؤهله لاغتنامه بالعمل الصالح .
     الثاني : التخطيط الجيد للوقت، ورسم برنامج يومي متوازن لتحقيق المقاصد المختلفة .
     الثالث : العلم الشرعي بمحبوبات الله ومراضيه التي ينبغي السعي في تحصيلها في هذا الشهر. وقد اجتمعت في هذا الشهر الكريم أمهات العبادات.
     هذا وإن من أخص العبادات بشهر رمضان ما يتعلق بالقرآن العظيم ؛ تلاوةً، وتدبراً، ومدارسةً، وقياماً .كيف لا ! وهو شهر القرآن الذي ابتدأ تنزله فيه،قال تعالى : ( شهر رمضان الذي أنزل فيه القرءان هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان ) البقرة : 185. وقال تعالى : ( إنا أنزلناه في ليلة القدر ) القدر: 1. وقال : ( إنا أنزلناه في ليلة مباركة ) الدخان : 3. فرمضان أخص الشهور بالقرءان .
     وإذا تساءلنا عن حالنا مع القرآن عموماً ، وفي رمضان خصوصاً ، وجدنا أحوالاً متفاوتة ، لكنها في الأعم الأغلب تكشف عن نوع هجر وانصراف ، لا يليق بمنزلة القرآن في الأمة ، ومحله في قلوب المؤمنين . وإذا قارنا حالنا مع حال سلفنا الصالح وجدنا فارقاً كبيراً، وبوناً شاسعاً ، يكشف لنا عن سر تخلفنا وضعفنا ، وتداعي الأمم علينا ، بسبب هذا الهجر والإعراض النسبي ، ويرسم لنا في الوقت ذاته المخرج الآمن من هذه الفتن المدلهمة . ففي حديث علي ، رضي الله عنه ، مرفوعاً : ( ألا إنها ستكون فتنة ! فقلت : ما المخرج منها يا رسول الله ؟ قال : كتاب الله، تبارك وتعالى ، فيه نبأ من قبلكم ، وخبر ما بعدكم ، وحكم ما بينكم . هو الفصل ليس بالهزل . من تركه من جبار قصمه الله ، ومن ابتغى الهدى بغيره أضله الله . هو حبل الله المتين ، ونوره المبين ، والذكر الحكيم . وهو الصراط المستقيم . وهو الذي لا تزيغ به الأهواء ، ولا تلتبس به الألسنة ، ولا تتشعب معه الآراء ، ولا يشبع منه العلماء ، ولا يمله الأتقياء ، ولا يَخلَق على كثرة الرد ، ولا تنقضي عجائبه . وهو الذي لم تنته الجن إذ سمعته أن قالوا : إنا سمعنا قرآناً عجباً . من علم علمه سبق ،ومن قال به صدق ، ومن حكم به عدل ، ومن عمل به أُجر ، ومن دعا إليه هُدي إلى صراط مستقيم ) رواه الترمذي والدارمي .
     وإذا أردنا أن نعرف حقيقة حالنا مع القرآن ، فلنعرض أنفسنا على هؤلاء الآيات:
     {وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ {83}المائدة .
     {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ {2}الأنفال .
     {وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـذِهِ إِيمَاناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ {124}التوبة .
     {إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّداً {107} وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً {108} وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً {109}الإسراء .
     {إذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَن خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيّاً {58}مريم.
     {وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ } {53} القصص
{اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَن يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ {23}الزمر .
   
     فهلم نتبصر حالنا مع القرآن ، مقارنةً بحال من سبقت لهم من الله الحسنى ، ونتبين الحجة ، لتستبين لنا الحجة ، من خلال المقامات التالية :
 
     أولاً : تلاوة القرآن :
     قال تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ {29} لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ {30} فاطر. وقال : { اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ } العنكبوت 45.
     وقد كان نبينا صلى الله عليه وسلم يخصه بمزيد العناية والمدارسة ؛ ففي حديث ابن عباس،رضي الله عنهما: (وكان جبريل يلقاه في كل ليلة في رمضان، فيدارسه القرءان ) متفق عليه . قال ابن رجب، رحمه الله: ( فيه دليل على استحباب الإكثار من تلاوة القرآن في شهر رمضان... ودل على استحباب الإكثار من التلاوة في رمضان ليلاً ؛ فإن الليل تنقطع فيه الشواغل، وتجتمع فيه الهمم ، ويتواطأ فيه القلب واللسان على التدبر ، كما قال تعالى : {إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْءاً وَأَقْوَمُ قِيلاً {6}المزمل. وشهر رمضان له خصوصية بالقرآن ، كما قال تعالى : {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَان {185} البقرة.لطائف المعارف:315
     وعلى هذا السنن النبوي سار الموفقون من سلف هذه الأمة، فكانوا يكثرون الختمات ؛ فكان أبو رجاء العطاردي يختم في كل عشر . وكان قتادة يختم في كل سبع دوماً، وفي رمضان في كل ثلاث، وفي العشر كل ليلة . وكان الأسود النخعي يختم في كل ليلتين . قال ابن رجب: ( وإنما ورد النهي عن قراءة القرءان في أقل من ثلاث، على المداومة على ذلك. فأما في الأوقات الفاضلة، كشهر رمضان، خصوصاً الليالي التي يطلب فيها ليلة القدر، أو في الأماكن المفضلة، كمكة، شرفها الله، لمن دخلها من غير أهلها، فيستحب الإكثار فيها من تلاوة القرءان، اغتناماً للزمان والمكان ).
      وإنه لمن دواعي الأسى أن يمر شهر رمضان ببعض المسلمين دون أن يختم ختمة واحدة ! فضلاً أن يشتغل بتدبره، وتفسيره .ومما يعين على كثرة التلاوة أمور :
     أحدها : أن يواظب الصائم على القعود في مصلاه بعد صلاة الصبح، مشتغلاً بذكر الله وقراءة القرءان، حتى ترتفع الشمس، فيتمكن بذلك من قراءة جزئين من القرءان . وكانت عائشة، رضي الله عنها، تقرأ في المصحف أول النهار، في شهر رمضان، فإذا طلعت الشمس نامت .
     الثاني : أن يجتمع مع نفر من أصحابه على قراءة كتاب الله، في بيت من بيوت الله .
     الثالث : أن يحرص على التبكير إلى الصلوات الخمس، فيقرأ ما كتب الله له بين الأذان والإقامة ، وبعد الفريضة .
 
     ثانياً : تدبر القرآن :
قال تعالى : {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ {29}ص وقال : { أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً   {82}النساء . وقال :{أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا {24}محمد.وقال : { أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءهُم مَّا لَمْ يَأْتِ آبَاءهُمُ الْأَوَّلِينَ {68}المؤمنون . وثمرة هذا التدبر حصول الهدى والبشرى . قال تعالى : { إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً {9}الإسراء.
     قال ابن القيم ، رحمه الله : ( فليس شيء أنفع للعبد في معاشه ومعاده، وأقرب إلى نجاته من تدبر القرآن، وإطالة التأمل فيه، وجمع الفكر على معاني آياته ) مدارج السالكين : 1/451.
     قال الشيخ عبدالرحمن السعدي، رحمه الله :(على الناس أن يتلقوا معنى كلام الله كما تلقاه الصحابة رضي الله عنهم فإنهم كانوا إذا قراوا عشر آيات أو أقل أو أكثر لم يتجاوزوها حتى يعرفوا ويحققوا ما دلت عليه من الإيمان والعلم والعمل فينزلونها على الأحوال الواقعة يؤمنون بما احتوت عليه من العقائد والأخبار وينقادون لأوامرها ونواهيها ويطبقونها على جميع ما يشهدون من الحوادث والوقائع الموجودة بهم وبغيرهم ويحاسبون أنفسهم هل هم قائمون بها أو مخلون بحقوقها ومطلوبها وكيف الطريق إلى الثبات على هذه الأمور النافعة وتدارك ما نقص منها وكيف التخلص من الأمور الضارة فيهتدون بعلومه ويتخلقون بأخلاقه وآدابه ويعلمون أنه خطاب من عالم الغيب والشهادة موجه إليهم مطالبون بمعرفة معانيه والعمل بما يقتضيه فمن سلك هذا الطريق الذي سلكوه وجد واجتهد في تدبر كلام الله انفتح له الباب الأعظم في علم التفسير وقويت معرفته واستنارت بصيرته وأستغنى بهذا الطريق عن كثرة التكلفات وعن البحوث الخارجية وخصوصا إذا كان قد أخذ من علوم العربية جانبا قويا وكان له إلمام وإهتمام بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم واحواله مع أولياءه وأعداءه فإن ذلك أكبر عون على هذا المطلب ومتى علم العبد أن القرآن فيه تبيان كل شئ وأنه كفيل بجميع المصالح مبينا لها حاثا عليها زاجرا عن المضاركلها وجعل هذه القاعدة نصب عينيه ونَّزلها على كل واقع وحادث سابق أو لاحق ظهر له عظم موقعها وكثرة فوائدها وثمرتها ) القواعد الحسان المتعلقة بتفسير القرآن :17
     هذا ، وإن من دواعي حصول التدبر ، ما يلي :
     أولاً : التلاوة بترتيل وطمأنينة : ففي حديث حفصة، رضي الله عنها : ( وكان يقرأ بالسورة فيرتلها، حتى تكون أطول من أطول منها) رواه مسلم .
     ثانياً : ترداد الآية : فعن أبي ذر ، رضي الله عنه، قال : ( قام النبي صلى الله عليه وسلم بآية حتى أصبح ، يرددها ، والآية : {إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ {118}المائدة. رواه النسائي، وابن ماجة، وأحمد . وقال البوصيري: إسناده صحيح ورجاله ثقات .
     وروى أبو عبيد القاسم بن سلام بسنده عن تميم الداري، رضي الله عنه، أنه أتى المقام ذات ليلة، فقام يصلي، فافتتح السورة التي تذكر فيها الجاثية ، فلما أتى على هذه الآية { أًمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاء مَّحْيَاهُم وَمَمَاتُهُمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ {21}الجاثية. فلم يزل يرددها حتى أصبح . فضائل القرآن :79.
     وروى الإمام أحمد في (الزهد) بسنده عن عروة ، قال : دخلت على أسماء بنت أبي بكر، وهي تصلي، فسمعتها وهي تقرأ هذه الآية : {فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ {27}الطور ، فاستعاذت ، فقمت وهي تستعيذ، فلما طال علي ، أتيت السوق، ثم رجعت ، وهي في مكانها تستعيذ .
     وروى عبدالرزاق عن سفيان عن سعيد الطائي قال: رأيت سعيد بن جبير، وهو يؤمهم في رمضان، يردد هذه الآية:{إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ{71} {يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ {6} الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ {7}الانفطار يرددها مرتين ثلاثا. المصنف :2/492.
     وأخرج أبو عبيد القاسم بن سلام ، والفريابي عن محمد بن كعب القرظي، رحمه الله، قال : ( لئن أقرأ في ليلتي حتى أصبح (إذا زلزلت) و(القارعة) لا أزيد عليهما، أتردد فيهما، وأتفكر، أحب إلي من أن أهذ القرآن ليلتي هذا) فضائل القرآن :91.
     وسر هذا الاسترسال في التدبر ما أوضحه سهل بن عبدالله التستري، رحمه الله، بقوله : ( لو أعطي العبد بكل حرف من القرآن ألف فهم لم يبلغ نهاية ما أودع الله في آية من كتابه، لأنه كلام الله، وكلامه صفته . وكما أنه ليس لله نهاية فكذلك لا نهاية لفهم كلامه) مقدمة تفسير البسيط للواحدي :1/43.
 
     ثالثاً : مدارسة القرآن :
     في حديث ابن عباس، رضي الله عنهما: (كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرءان. وكان جبريل يلقاه في كل ليلة في رمضان، فيدارسه القرءان، فلرسول الله صلى الله عليه وسلم حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة ) متفق عليه .
     قال ابن رجب، رحمه الله: ( دل الحديث على استحباب دراسة القرآن في رمضان، والاجتماع على ذلك، وعرض القرآن على من هو أحفظ له ) لطائف المعارف:315.
     ومدارسة القرآن تشمل مدارسة ألفاظه، ومدارسة معانيه ، بل هي أعظم . فينبغي أن يكون للمؤمن عناية خاصة بفهم مراد الله في خطابه لعباده ، مستنيراً بالتفاسير الأثرية المعتبرة . ومما يعين على تحصيل هذا المقصود :
     أولاً : أن يتخذ للتلاوة مصحفاً على حاشيته بيان لمعاني المفردات .
     ثانياً : أن يطالع في تفسير متوسط ؛ ليس بالطويل الذي ينقطع دونه، ولا بالمختصر الذي لا يسعفه بالمعنى . كتفسير الشيخ عبد الرحمن السعدي، و( زبدة التفسير من فتح القدير ) لمحمد بن سليمان الأشقر .
     ثالثاً : أن يعقد مع ثلة من إخوانه مجلس قراءة في بعض التفاسير، أو كتب علوم القرآن مثل كتاب : ( القواعد الحسان المتعلقة بتفسير القرآن ) .
     رابعاً : أن يقيد ما يشكل عليه فهمه أثناء تلاوته ، أو يطرأ على باله من معنى ، ثم يسعى في بحثه ، والسؤال عن عنه .
 
     رابعاً : القيام بالقرآن :
قال تعالى : {لَيْسُواْ سَوَاء مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللّهِ آنَاء اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ {113}آل عمران .
     وقد كان نبينا صلى الله عليه وسلم يطيل القراءة في قيام رمضان بالليل أكثر من غيره . وقد صلى معه حذيفة ليلة في رمضان، قال : ( فقرأ بالبقرة، ثم النساء، ثم آل عمران ، لا يمر بآية تخويف إلا وقف وسأل . قال : فما صلى الركعتين حتى جاءه بلال فآذنه بالصلاة ) رواه أحمد .
     وأمر عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، أبي بن كعب، وتميماً الداري، رضي الله عنهما، أن يقوما بالناس في شهر رمضان. فكان القارئ يقرأ بالمائتين في ركعة، حتى كانوا يعتمدون على العصي من طول القيام . وما كانوا ينصرفون إلا عند الفجر .
     وقارن هذا الحال بحال بعض المسلمين اليوم ! من النقارين للصلوات ، المتسابقين في الفراغ من القيام ، والخروج من المساجد !
 
     خامساً : التخلق بالقرآن :
     قال تعالى : {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ {4}القلم . قالت عائشة ،رضي الله عنها : ( كان خلقه القرآن ) رواه مسلم . وفي رواية عنها : (يرضى لرضاه ، ويسخط لسخطه ) ، وفي أخرى : ( اقرأ : "قد أفلح المؤمنون" إلى العشر ) . قال ابن كثير، رحمه الله : ( ومعنى هذا أنه عليه السلام، مهما أمره به القرآن امتثله ، ومهما نهاه عنه تركه ) البداية والنهاية: 6/35
     سادساً : الجهاد والدعوة بالقرآن :
     قال تعالى : {فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَاداً كَبِيراً {52}الفرقان. فالقرآن العظيم أمضى سلاح ، وأقوى حجة ، في الدعوة والجهاد ، بما تضمنه من المواعظ والزواجر، والفضائل والرغائب ، التي تنحني لها هامات الرجال . والعجب من أقوام يعرضون عن الجهاد به ، ويتشاغلون بالحكايات، والمنامات، والغرائب والمدهشات، فيطيلون الطريق ، ويبلبلون السامع ، وقد لا يصلون إلى مقصودهم !

روابط التنزيل

 169  0  0  1.4K  08-13-1436 10:46 صباحًا
التعليقات ( 0 )