• ×

د. أحمد القاضي

العقيدة والنسيكة

د. أحمد القاضي

 0  0  1.4K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده . أما بعد :
فإن للنسك (الذبح) في كتاب الله شأناً وذكراً، وكذا في سنة نبيه صلى الله عليه وسلم قولاً وفعلاً. وما ذاك إلا لكونها من أعظم مظاهر العبودية، فإن الدم يقع من الله بمكان . والتقرب إليه سبحانه بالذبح، والنحر، له صورٌ متعددة: الأضحية، والهدي، والعقيقة، والفدية.
وقد اقترنت النسيكة بموقف من أعظم مواقف الإيمان، وهو ابتلاء الله لخليله إبراهيم، عليه السلام، بذبح ابنه إسماعيل عليه السلام، وخلَّد الله هذه الواقعة بآيات تعجز ألسنة الفصحاء عن الإتيان بمثلها، قال تعالى : (فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ . فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ . فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ . وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ . قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ . إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ . وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ) [الصافات/101-107]
وبقي هذا النسك العظيم، من ملة إبراهيم، في دين محمد صلى الله عليه وسلم، شعيرةً إيمانيةً، تتوارثها أجيال المسلمين، وتعلن بها توحيدها لرب العالمين. قال تعالى في عموم النسك: (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) [الأنعام/162]، وقال : (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ) [الكوثر/2]، وقال في خصوص الحج (لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ) [الحج/28]، وقال : (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ . الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ.وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ. لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ) [الحج/34-37]. ويؤخذ من هذه النصوص الفوائد التالية :
1- عظم شأن النسك، وأنه قسيم الصلاة، ورديفها في الذكر.
2- أنها مظهر لإقامة ذكر الله، وشكره، وتكبيره.
3- أنها مشعر أممي مقترن بتوحيد الله، والإسلام له والإخبات.
4- أنها تورث التقوى .
ولهذه الخصائص العظيمة اعتنى بها معلم الناس الخير، صلى الله عليه وسلم، فقد روى عبد الله بن عمر، رضي الله عنهما، قال : (أقام النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة عشر سنين يضحي) رواه أحمد والترمذي، وعن أنس بن مالك، رضي الله عنه، قال : (ضحى النبي صلى الله عليه وسلم بكبشين أملحين ذبحهما بيده، وسمى، وكبر، وضع رجله على صفاحهما) متفق عليه.
إن استشعار عظم هذه الشعيرة، وتذوق معانيها، وتأمل حكمتها، لتكشف للمؤمن عن الصلة الوثيقة بين العقيدة والنسيكة، فلا تكون مجرد (إزهاق روح) أو (إسالة دماء) أو (أكل لحم) بل تعبد، وتنسك، وتعظيم، وتكبير، وذكر، وشكر، وتقوى. تقبل الله ضحاياكم، وهداياكم، وأعاضكم التقوى .
 


التعليقات ( 0 )