• ×

د. أحمد القاضي

العقيدة والغيث

د. أحمد القاضي

 0  0  1.5K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده . أما بعد :
(الغيث) أو المطر، ظاهرة كونية، ونعمة ربانية، من مظاهر ربوبية الله، ونعمته على خلقه، ورحمته الواسعة بهم؛ مسلمِهم، وكافرِهم، برِّهم،وفاجرِهم. تتعلق به مصالحهم في أنفسهم، وبهائمهم، وزروعهم، وثمارهم.
والفرحة والبشرى تكتنفه، قبل حصوله، وبعد هطوله. وكثير من الناس يكتفي بالبهجة الفطرية، والصورة الظاهرية، لنزول الغيث، ولا يعمل فكره في استسقاء المعاني الإيمانية الكامنة وراء هذا الحدث الكوني الجميل، فيخسرون كثيراً، ويفقدون مُتَعاً هائلة ! ذلك أن (العقيدة) تستمد جزءً من مادتها من مظاهر الربوبية، والحوادث الكونية المتجددة، فلا يحتاج أصحابها إلى كبير عناء، في إنعاشها، وتجديدها، وإحياء قلوبهم بمواردها.
ومن المعاني الإيمانية المتزاحمة حيال هذا المشهد :
أولاً : الانبهار من قدرة الله التي يحصل بها إنشاء السحاب، وسوق الرياح لتلك الأطنان الثقال من المياه، وتوجيهها بحكمة بالغة، ونعمة سابغة، إلى أرضٍ قفرٍ، يباب، لتفرغ حمولتها، وتحييها بإذن ربها. قال تعالى : (وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) [الأعراف/57]، وقال : (وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا . لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا) [الفرقان/48، 49]، وقال: (وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ) [الشورى/28].
لو اجتمع من بأقطارها على أن يسوقوا عشر معشار ما أنزل الله من السماء، على بقعة محدودة من الأرض، بما أوتوا من حاوياتٍ، وناقلات، وأنابيب، ما بلغوا إلى ذلك سبيلاً. فسبحان العليم، القدير، الحكيم !
وما أن ينزل ماء السماء، على الأرض العطشى، حتى تستحيل مروجاً نضرةً، وخمائل خَضِرة، تبهج العين، وتسر القلب، بعد أن كانت غبراء، قاحلة . قال تعالى : (وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ) [الحج/5]. ويحار الطرف في هذه الألوان الزاهية، والثمار اليانعة، والروائح الزكية، كيف خرجت من هذه الصحراء البائسة، والشعاب النائية ! قال الشاعر
تأمل في نبات الأرض وانظـر *** إلى آثار ما صــــنع المليك
عيــونٍ من لجين ناضـرات *** بأحــداق هو الذهب السبيك
على قضب الزبرجد شاهدات *** بأن الله ليس له شــــريك
قال تعالى : (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ) [الحج/63]، فسبحان اللطيف الخبير !

 
ثانياً: الدلالة الأكيدة على إمكان البعث : يتراءى لقاصر النظر، أن هذه الأجساد حين توارى الثرى، وتتفتت، وتنحل إلى تراب، لا يمكن أن ترجع من جديد! هكذا وقر في قلوب المشركين، منكري البعث. قال مجاهد، وعِكْرِمَة، وعروة بن الزبير، والسُّدِّي، وقتادة: جاء أُبي بن خلف، إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي يده عظم رميم، وهو يُفَتِّتُه ويذريه في الهواء، وهو يقول: يا محمد، أتزعم أن الله يبعث هذا ؟ فقال: "نعم، يميتك الله تعالى، ثم يبعثك، ثم يحشرك إلى النار". ونزلت هذه الآيات من آخر "يس" : { أَوَلَمْ يَرَ الإنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ } ، إلى آخرهن.
ولكن الدليل الحسي المتمثل بإحياء الأرض الميتة، حيناً بعد حين، لدليل قاهر على إمكانية البعث، وهوانه على الله تعالى. قال تعالى : (فَانْظُرْ إِلَى آَثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [الروم/50]، وقال : (مِنْ آَيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [فصلت/39]، وقال : (وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ . وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ . رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ) [ق/9-11].
ثالثاً: التنبيه إلى حياة القلوب : فإذا كان الماء النازل من السماء يحيي صحراء الأرض، فإن الوحي النازل من السماء يحيي صحراء القلب ! وقد نبه الله تعالى على هذا المعنى اللطيف حين عاتب عباده المؤمنين، فقال : (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ . اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)[الحديد/16، 17].
بل إن حاجة القلب للغيث المعنوي الذي به حياته وروحه، أشد من حاجة الأرض إلى الغيث الحسي الذي به نباتها وحياتها. وحاجتنا إلى الاستسقاء لقلوبنا من العلم والإيمان، أولى من استسقائنا للضراب والآكام. مطرنا بفضل الله ورحمته .


التعليقات ( 0 )