• ×

أ.د. أحمد القاضي

أيام في البوسنة

أ.د. أحمد القاضي

 0  0  1.8K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده . أما بعد :
فقد أتيح لي، بحمد الله، أن أمضي أياماً حافلةً، في بلاد البوسنة، استجابةً لدعوة للمشاركة في الملتقى التربوي الأول في الفترة من 1/8 إلى 10/8/1429، الذي نظمته مؤسسة الوقف الإسلامي، بالتعاون مع جمعية الارتقاء الثقافي. وقد استللت من مذكراتي هذه الوريقات، علها تكون مفيدة لقارئها .

 
البوسنه والبوشناق
(البوسنه) : منطقة تقع في قلب أوربا، تتميز بكثرة أنهارها، وتتابع أمطارها، ووفرة أشجارها. أرضها مكسوة ببساط عشبي أخضر، وجبالها تزدان بالأشجار المستقيمة العملاقة، تكسو قممها الثلوج في فصل الشتاء. تقوم بلاد البوسنة، حالياً، على مساحة تبلغ (51129)كم2، ويبلغ عدد سكانها، حسب إحصائية عام 1998م (4648000) نسمة، يتحدثون بلغة تعرف بالصربية الكرواتية، ويكتبون بحروف روسية. وأهم مدن البوسنة :
1- سراييفو : العاصمة (530000) نسمة.
2- بانيالوكا : (200000) نسمة .
3- زينيكا : (150000) نسمة .
4- توزلا : (135000) نسمة .
ومن مدنها الشهيرة : موستار، وترافينك، وسريبنتسا.

 
(البوشناق) أحد شعوب البلقان منذ عصور سحيقة. اعتنق هذا الشعب الإسلام زمن الفتوحات المجيدة للامبراطورية العثمانية الصاعدة سنة 1463م في عهد محمد الفاتح، الذي قضى على آخر ملوك البوسنة النصارى في عاصمتهم القديمة (يايتسا) .
واعتنت الدولة العثمانية ببلاد البوسنة، باعتبارها الواجهة الأمامية أمام الشعوب الأوربية الكاثوليكية، وعمرت المدن،وأقامت القلاع،والحصون المنيعة، والمساجد الفخمة، واتخذت من مدينة (ترافينك) عاصمةً لها.
وظل شعب البوشناق وفياً للإسلام، وللدولة العثمانية، حتى تخلت عنه الدولة العثمانية إثر اتفاقية برلين المذلة، سنة 1878م. ورفع الأتراك أيديهم عن تلك البلاد الجميلة، وتركوا شعبها بين فكي كماشة، وسط الشعوب الأوربية الحاقدة، من الصرب الأرثوذكس، والكروات الكاثوليك، والنمساويين، والمجريين، والألمان، كالقطيع في ليلة شاتية مطيرة. وهاجر بضعة ملايين من البوشناق إلى تركيا، وبقية ممالك الدولة العثمانية، ودب الضعف في الوجود الإسلامي في وسط أوربا، منذ ضعفت الدولة العثمانية.
ظلت بلاد البوسنة تنتقص من أطرافها، إلى أن خضعت للاتحاد اليوغسلافي الشيوعي، سنة1929م، فغيبها عن الإسلام، وقطع صلتها بالمسلمين، فكادت رسوم الدين أن تندرس لولا بقايا من المسنين المحافظين، والمساجد الصامدة، وتنظيم ديني متماسك، يعرف بالمشيخة الإسلامية.
وحين تفكك الاتحاد اليوغسلافي، وأعلنت كرواتيا استقلالها عن حكومة (بلغراد) الصربية، حذت البوسنة حذوها، فأعلنت صربيا حرباً ضروساً على المسلمين الخارجين من تحت عباءتها، ومارست أبشع صور التكيل، والتهجير القسري، والقتل، والاغتصاب الجنسي، بمرأى ومسمع من (العالم الحر)، على مرمى حجر من جنيف، عاصمة (الإعلان العالمي لحقوق الإنسان)، وصدى صراخ المستضعفين يصم آذان قضاة (محكمة العدل الدولي) في لاهاي، في هولندا، و حظر (مجلس الأمن) دخول السلاح إلى البوسنة، بحجة محاصرة الحرب الأهلية، في حين كان الصرب يمدون أشياعهم من الشرق، والكروات يمدون أشياعهم من الغرب، والمسلمون لا بواكي لهم! إنه الغرب الماكر، الذي يكيل بمكيالين، ويقتل الضحية، ثم يمشي في جنازتها.
استيقظ المسلمون السادرون في البوسنة على أصوات المدافع، وطلقات الرشاشات، من جيرانهم الصرب والكروات، وقيل لهم (أنتم مسلمون) لستم بصرب، ولا كروات، فانضموا إلينا، إذ لا مكان للإسلام في أوربا! وأرادت الذئاب أن تنهش الفريسة الضعيفة، التي حاولت أن تدافع دفاع اليائس المستميت. وبقيت (سراييفو) تحت الحصار الصربي الحاقد أربعةً وأربعين شهراً، لا يصلها الغذاء والدواء إلا عبر نفق ضيق اقترح حفره أحد المجاهدين المصريين. وأسفرت المجازر عن 200000 قتيل، و300000 معاق، و 1200000مهجَّر عن أرضه.
وحين توافد المجاهدون العرب إلى البوسنة ارتفعت معنوية البوشناق، ومالت الكفة لصالحهم نسبياً، رغم خيانات الكروات الغادرين، وكاد المجاهدون أن يدخلوا (بانيالوقا) معقل الصرب، وحينئذ جاء دور (المتفرج الأكبر) أمريكا، التي تراقب المشهد عن كثب، لتصمم (اتفاقية دايتون) المذلة عام 1995، القاضية بتشكيل كيانين من الصرب في الشرق، واتحاد فيدرالي من المسلمين والكروات في الغرب والجنوب، ومجلس رئاسة ثلاثي، بالتناوب بين الفئات الثلاث. ويوقعها، الرئيس الراحل (علي عزت بيجوفيتش)، رحمه الله، مع الأطراف الأخرى، بمرارة، وحسرة، معترفاً بأنها اتفاقية ظالمة، مجحفة، مذلة، لكنها أفضل الأسوأ.
و(رب ضارة نافعة) لقد أدت الحرب الظالمة إلى يقظة عامة في شعب البوشناق، ورجوع شعبي إلى الدين، وعمرت المساجد بالمصلين أيام الحرب، وشعروا برابطتهم الدينية الحتمية بالمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها.
توقفت الحرب العسكرية، باتفاقية دايتون، وبدأت حرب أشد خطراً؛ ثقافية، واقتصادية، واجتماعية، تهدف إلى إذابة الوجود الإسلامي في أوربا تدريجياً، ومسخ الهوية الإسلامية. والله غالب على أمره.

 
المشيخة الإسلامية
أراد الأتراك العثمانيون مضاهاة الشعوب الأوربية النصرانية، في بعض المظاهر الدينية، مثل : تشييد المساجد، وزخرفتها، كما الكنائس والكاتدرائيات، والاحتفال بالمولد النبوي، كما الاحتفال بعيد الميلاد. ومن ذلك أنهم أسسوا تنظيماً دينياً، هرمياً، يتربع على سدته (شيخ الإسلام)، كما البابا في الكنائس النصرانية.، يسمى (المشيخة الإسلامية) . وبقي هذا التنظيم في بعض الممالك العثمانية السابقة؛ كالبوسنة، وصربيا، ومقدونيا، وألبانيا، والسنجق.
ويرتبط بالمشيخة الإسلامية في البوسنة جميع المساجد، والأئمة، والشؤون الدينية التقليدية، ارتباطاً وثيقاً، لا يكاد يفلت منه أي شأن ديني. وظلت المشيخة الإسلامية على مر العصور خاضعة للنظام السياسي المسيطر على البلد، لا تبدي أي لون من ألوان التدخل في الشأن العام، لقاء بقائها، وتصرفها في الأوقاف الشرعية المتراكمة.
وقد حافظت المشيخة، إلى حدٍ ما، على صورة الإسلام، في البوسنه، واستبقت ما أمكن استبقاؤه من أوقاف عظيمة كان يوقفها الولاة الأتراك، والأثرياء، على المصالح العامة. لكنها، قطعاً، لم تكن بمستوى الواجب، فضلاً عن الطموح الذي ينبغي لها، بالإضافة إلى ما كان يشوبها من رعاية للبدع العملية، والطرق الصوفية، التي نخرت في جسم (الرجل المريض)، وعجلت بهلاكه.
وحينما انبعث الإسلام في البوسنة، ونشأ جيل من الشباب المجاهدين، وتأثروا بالمجاهدين العرب، وانضم إليهم إخوان لهم درسوا في الجامعات الإسلامية العربية؛ في المدينة النبوية، والرياض، والقاهرة، ودمشق، وعمان، يحملون روح (الصحوة الإسلامية)، ساءهم وضع المشيخة وعدم مواكبتها للظرف العصيب، كما انتقدوا رعايتها للبدع التركية؛ كالذكر الجماعي بعد الصلاة، وإقامة الموالد، وهجر بعض السنن. وانزعجت المشيخة من هؤلاء الناشئين الجدد، الذين لم يخرجوا من عباءتها، ولا يلتزمون برسومها العتيقة، فوقعت الوحشة بين الفريقين، وطفق كل طرف ينتقد الآخر. ولم تجد المشيخة سلاحاً أمضى من وصمهم بتهمة (الوهابية)، وتجييش العامة ضدهم. ساعد على ذلك الأسلوب الحاد الذي كان يمارسه بعض الشباب ضد المشيخة. ونتيجة لذلك لم تمكنهم المشيخة من تولي المناصب الدينية؛ من إمامة، وخطابة، وتدريس، إلا بشرط التخرج من مدارسها، والخضوع للعوائد، والطرائق المبتدعة. فوقع الدعاة في تردد كبير، بين الإصرار على ما يعتقدون، وضريبته الإقصاء عن الاتصال بالناس، وبين الانخراط في نظام المشيخة، وضريبته ارتكاب بعض البدع المحدثة، وتنوعت الفتاوى، والاجتهادات، وحصل النكير.

 
الدعوة الإسلامية
تقلص النشاط الدعوي في البوسنة إثر اتفاقية (دايتون)، ولم يبق محل ترحيب من الجهات الأوربية، خوفاً من تنامي الانتماء الإسلامي لشعب البوسنة. وبقي العديد من المواقع، والمؤسسات، والهيئات العاملة، التي تحمل راية الدعوة، والتعريف بالإسلام، وبث الوعي الديني في صفوف المسلمين . ومما وقفت عليه :
- جامع خادم الحرمين الملك فهد بن عبد العزيز، رحمه الله : وهو معلم بارز في سراييفو، يمتاز بحداثته، وسعته، وكثرة مرافقه.
- مركز خادم الحرمين الثقافي : ومقره مجاور للجامع، ويتبع وزارة التعليم العالي بالمملكة العربية السعودية. ويقدم العديد من الخدمات التعليمية، والدورات التدريبية.
- مؤسسة الوقف الإسلامي : وهي من أبرز المؤسسات الدعوية العاملة في البلاد. وتحظى بقبول شعبي، ورسمي.
- الندوة العالمية للشباب الإسلامية : وقد فرغت للتو من إقامة مقر حديث لها، ومركز تقافي أطلق عليه : (مركز الدكتور مانع الجهني) رحمه الله ، يقدم العديد من الدورات، والخدمات الثقافية.
- جامع الجوهرة (نسبةً إلى الأميرة السعودية التي أقامته) في مدينة (بوقينو), ومبناه يضاهي في ضخامته، وكثرة مرافقه، جامع خادم الحرمين في سراييفو، إلا إن نشاطه لا يتناسب مع تجهيزاته، والمأمول منه.
- جمعية الارتقاء الثقافي : وهي جمعية بوسنية، رسمية، ناشئة. تمارس أنشطة دعوية، علنية، من خلال : البرامج الإذاعية، والتليفزيونية، المحلية، وطباعة، وترجمة الكتب الإسلامية، وإقامة دور تحفيظ القرآن، والمخيمات الصيفية، وإطلاق موقع (منبر) الشهير، على الانترنت، وإصدار التسجيلات الصوتية .
بالإضافة إلى هيئات خليجية، وجمعيات طلابية، ودور لتحفيظ القرآن .
إن على المسلمين أن يدركوا واجبهم تجاه هذا الشعب الجريح، المغيَّب عن دينه، ويمدوا جسور التواصل معه، قبل أن يغرق في البحر الأوربي المتلاطم، ويغيب في غياهب الظلمات العلمانية الكاسحة، التي هي أشد فتكاً من محاكم التفتيش الأسبانية، التي غيبت (الموريسيكيين)، بقايا المسلمين في الأندلس . عن وجود الجمعيات الخيرية التي تقوم بتمسيك المسلمين بدينهم، وتقدم لهم المعونات الإنسانية، والثقافية، ضرورة ملحة، وفريضة كفائية على عموم المسلمين . كما أن فيها ضمانة من بروز اتجاهات التطرف والغلو، التي يمكن أن تجد مناخا مناسباً، في أجواء الجهل الشرعي، والنقمة السياسية، والاجتماعية، فتعود بآثار وخيمة على الوجود الإسلامي في البوسنة خاصة، وفي البلقان عامة. نسأل الله تعالى أن يعز دينه، ويعلي كلمته.


التعليقات ( 0 )