• ×

د. أحمد القاضي

العقيدة والقول

د. أحمد القاضي

 0  0  1.5K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
الحمد لله وحده، والصلاة، والسلام على من لا نبي بعده . أما بعد :
فإن لـ (القول) أهمية كبرى في الحياة البشرية؛ به يتعايش الناس، وتبرم العقود على اختلاف أنواعها، بإيجاب، وقبول، وبه يُعربون عن خبايا نفوسهم، ومكنونات ضمائرهم ، وبه تميز جنس الإنسان عن سائر العجماوات، بالبيان . قال تعالى : (الرَّحْمَنُ . عَلَّمَ الْقُرْآَنَ . خَلَقَ الْإِنْسَانَ . عَلَّمَهُ الْبَيَانَ) [الرحمن/1-4]
ولا نقصد في هذا المقام قول القلب، وما ينطوي عليه من يقينيات قطعية، وعلوم غيبية، فتلك هي (العقيدة) . وإنما أردنا قول اللسان، المعبِّر عمَّا في الجنان. فاللسان أداة طيعة، سلسة، تحيل المعاني إلى ألفاظ معقولة، تعطي قائلها صفةً اعتباريةً معينة، بحسب ما صدر عنه، طوعاً، واختياراً، بقطع النظر عن مطابقته لما في القلب .
ولمَّا كان لقول اللسان هذه الخطورة الاعتبارية، تعلقت به الأحكام الإجرائية، وصار عنواناً لصاحبه، وتصنيفاً لحالته، يلحقه بفئة دون فئة. ولم يكتف الشارع من المؤمنين أن يهمهموا بإيمانهم في خلجات الصدور، أو يتمتموا به بأطراف الشفاه، بل أمرهم بالجهر به، وجعل (قول اللسان) ركناً من أركان الإيمان . قال تعالى : (قُولُوا آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) [البقرة/136] ، وقال : (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) [آل عمران/64] ، وقال نبيه صلى الله عليه وسلم : (أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَمَنْ قَالَهَا فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ إِلَّا بِحَقِّهِ وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ) متفق عليه.
وبين (قول القلب) و (قول اللسان) علاقة تبادلية؛ فكما أن التلفظ بالشهادة شرط الإيمان، وكما أن التعبد بالأعمال اللسانية؛ من ذكر، ودعاء، وتلاوة، وتعليم، داخل في مسمى الإيمان، يزيد الإيمان بزيادته، وينقص بنقصانه، فإن للإيمان القلبي أثر عجيب في تهذيب المنطق، وعفة اللسان، وانتقاء الألفاظ. ويلمس المتأمل في أحوال المهتدين هذا الأثر جلياً! حتى إن الفظ، الغليظ، الجافي، ينقلب إنساناً رقيق العبارة، حلو المنطق، مرهف الإحساس، ينتقي من الكلام أحسنه، كما ينتقي آكل التمر أطايبه. وسر ذلك، وتكييفه، أن القلب المؤمن يمتلئ بالمعاني الكريمة، والصور الجميلة، المستمدة من خصال الإيمان، وينابيع الإحسان، فيفيض ذلك على اللسان، وقد قيل : (كل إناء بما فيه ينضح) .
ولما كان القول الحسن (مغناطيس القلوب) ومفتاحها، أخذ الله به العهد على بني إسرائيل ضمن طائفة من أمهات العقائد والأخلاق، فقال : (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ) [البقرة/83]
ولما كانت هذه الأمة خير الأمم ترقَّى بها درجة في التفضيل، فأمر عباده أن لا يقتصروا على القول (الحسن)، بل القول (الأحسن)، لقطع الطريق على الشيطان، فقال : (وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًاً) [الإسراء/53]، ودلَّ أمهات المؤمنين، على جلالة قدرهن، إلى أدب رفيع يحسم مادة الشر، وتسلل الهوى، فقال : (فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا) [الأحزاب/32]
ولما كان مقام الدعوة يعتمد على الرفق، واللين، أمر الله عبديه موسى، وهارون، عليهما السلام، به، حين ندبهما لدعوة فرعون: فقال : (فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى) [طه/44]. وقد جعل الله تعالى الخطاب الدعوي أحسن الأقوال، فقال: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) [فصلت/33]
بل إن القول المعروف، الميسور ، يقوم مقام العطية، ويجبر النفوس التواقة إلى المتاع الحسي، غير المتاح. قال تعالى: (وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا) [النساء/5]، وقال: (وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا) [النساء/8]، وقال : (وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا) [الإسراء/28] . قال ابن كثير ،رحمه الله: (أي: وإذا سألك أقاربك ومن أمرنا بإعطائهم وليس عندك شيء، وأعرضت عنهم لفقد النفقة { فَقُلْ لَهُمْ قَوْلا مَيْسُورًا } أي: عِدهم وعدًا بسهولة، ولين؛ إذا جاء رزق الله فسنصلكم إن شاء الله، هكذا فسر قوله { فَقُلْ لَهُمْ قَوْلا مَيْسُورًا } بالوعد: مجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، والحسن، وقتادة وغير واحد) تفسير القرآن العظيم.
وبالجملة، فإن القول السديد،مع تقوى الله، مفتاح كل خير، وصلاح كل أمر، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا . يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًاً) [الأحزاب/70، 71]
كل ذلك يدعو إلى مزيد تأمل في العلاقة الوثيقة بين العقيدة والقول.والله الموفق.


التعليقات ( 0 )