أ.د. أحمد القاضي

العقيدة والعلم

أ.د. أحمد القاضي

 0  0  1.8K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده . أما بعد :
فإن (العلم) محمود ذاته . وهو وصفُ شريف، أطبقت جميع الملل والنحل، والثقافات، على مدحه، وطلبه، والثناء على أهله وحملته. ولأجله عُقدت الحلق، وثُنيت الركب، وشُدَّت الرحال، وشُيدت المعاهد والجامعات. وقديماً قيل : (العلم نور، والجهل ظلام).
وحقيقة العلم، من حيث هو، كما قال الجرجاني : ( الاعتقاد الجازم، المطابق للواقع. وقال الحكماء: هو حصول صورة الشيء في العقل. والأول أخص من الثاني. وقيل: العلم هو إدراك الشيء على ما هو به، وقيل: زوال الخفاء من المعلوم، والجهل نقيضه. وقيل: هو مستغنٍ عن التعريف. وقيل: العلم: صفة راسخة، تدرك بها الكليات والجزئيات. وقيل: العلم، وصول النفس إلى معنى الشيء) التعريفات : 1/ 49.
ومؤدى هذه التعريفات متقارب؛ فهو انكشاف وصف ذميم ، وهو الجهل والخفاء، وحلول وصفٍ حميد، وهو العلم والبيان. لذلك كان العلم محموداً.
إلا أن للعلم في الإسلام شأن آخر، يزيد عن سائر الثقافات، والإيديولوجيات؛ فإن العلم دين وعبادة ، وليس مجرد متعةٍ ذهنية، أو غريزة استطلاعية، بل هو أساس التعبد لله عز وجل، الذي لأجله خلق الله الخلق، وأرسل الرسل، وأنزل الكتب، وجعل يوم الفصل .
ومبدأ العلاقة بين الدين والعلم ، تتمثل في العلاقة بين (العقيدة) و(العلم) . فأصل شجرة العلوم في الإسلام، وساقها، الذي تتفرع منه جميع المعارف، هو الإيمان بالله تعالى، الذي يُمد بقية العلوم بالغذاء النافع، ويصفيها من الأوشاب الضارة، وينميها، ويزكيها، فتستحيل العلوم، على اختلاف أنواعها، سياحةً إيمانيةً للعقل البشري، على نور من الله، تنفع عباد الله، وتبصرهم، وتعينهم على مواجهة الكبد الذي يلقونه .
فـ (العلم) أساس الخشية : (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) [فاطر/28]
و (العلم) ثمرة التقوى : (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ) [البقرة/282]
و (العلم) سبب الاستبصار : ( وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) [سبأ/6]
و (العلم) جماع الخير : (وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا) [البقرة/269]
و (العلم) شرط في القيادة، والسيادة، والريادة : (وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) [البقرة/247]
ولأجل هذه المنزلة الرفيعة للعلم، لم يقع في الإسلام خصومة بين العلم والدين، كما وقع في النصرانية. ولم ينشأ شعور بالتحدي والتجاذب، بين (العلم الإلهي) و (العلم البشري) كما توحي بذلك الفلسفة اليونانية والثقافات الجاهلية. بل كانت العلاقة بين العلم والدين، علاقة دورية، متكاملة، فالعلم المعصوم (الوحي) ينشئ المعارف الصحيحة، والاعتقادات الصائبة، في القضايا الكبرى، ويمنح العقل البشري (البينة) و (الاطِّراد) و (التناسب) الذي يستريح معه، ويقتنع به، ويمنح القلب البشري (السكينة) و (الطمأنينة) و (اليقين) الذي يهنأ به، ويؤدي معه وظائفه الطبيعية. وفي ظل هذا التوافق ينطلق الإنسان في استطلاع المجهول، وتحصيل العلوم التجريبية، في حرية، واستبصار، وتفكر، واعتبار : (قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآَيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ) [يونس/101]
وكل علم لا يترعرع في هذه الأحضان الآمنة، علم شائه، خداج، وربما استحال نقمةً على حامليه، ودماراً على العالمين؛ كما هو الشاهد التاريخي، والمعاصر، للعلوم التي شردت عن نور النبوة، وتهوكت بعيداً عن مشكاة الإيمان، فأنتجت أسلحة الدمار الشامل؛ من بيولوجية، ونووية، وغيرها، وأهلكت الحرث، والنسل، والأخضر، واليابس. وأشد منها فتكاً تلك النظريات، والأفكار، التي تتمظهر بالعلم، وتفسد القول، والقلوب، والدنيا والآخرة، لما خرجت عن سياقها الصحيح .


التعليقات ( 0 )