• ×

محمد السيد هلال

اللهم أنت الأول والآخر والظاهر والباطن

محمد السيد هلال

 0  0  2.8K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

اللهم أنت الأول والآخر والظاهر والباطن

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعامين, أما بعد:

قال تعالى: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الحديد: 3]

فيها أثبات اسم (الأول- والآخر- والظاهر- والباطن) وأفضل ما قيل في معناه ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم: «اللَّهُمَّ أَنْتَ الْأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ»([1])

  قال ابن القيم رحمه الله (مدار هذه الأسماء الأربعة على الإحاطة وهي إحاطتان زمانية ومكانية, فإحاطة أوليته وآخريته بالقبل والبعد, فكل سابق انتهى إلى أوليته, وكل آخر انتهى إلى آخريته, فأحاطت أوليته وآخريته بالأوائل والأواخر, وأحاطت ظاهريته وباطنيته بكل ظاهر وباطن, فما من ظاهر إلا والله فوقه وما من باطن إلا والله ودونه, وما من أول إلا والله قبله, وما من آخر إلا والله بعده, فالأول قدمه, والآخر دوامه وبقاؤه, والظاهر علوه وعظمته, والباطن قربه ودنوه, فسبق كل شيء بأوليته, وبقي بعد كل شيء بآخريته, وعلا على كل شيء بظهوره, ودنا من كل شيء ببطونه, فلا توارى منه سماء سماء ولا أرض أرضا, ولا يحجب عنه ظاهر باطنا بل الباطن له ظاهر, والغيب عنده شهادة, والبعيد منه قريب, والسر عنده علانية.

فهذه الأسماء الأربعة تشتمل على أركان التوحيد فهو الأول في آخريته والآخر في أوليته والظاهر في بطونه والباطن في ظهوره لم يزل أولا وآخرا وظاهرا وباطنا.

 والتعبد بهذه الأسماء رتبتان

 الرتبة الأولى:

  • أن تشهد الأولية منه تعالى في كل شيء.
  • والآخرية بعد كل شيء.
  • والعلو والفوقية فوق كل شيء.
  • والقرب والدنو دون كل شيء.

فالمخلوق يحجبه مثله عما هو دونه, فيصير الحاجب بينه وبين المحجوب, والرب جل جلاله ليس دونه شيء أقرب إلى الخلق منه.

 والرتبة الثانية: من التعبد أن يعامل كل اسم بمقتضاه.

 فيعامل سبقه تعالى بأوليته لكل شيء وسبقه بفضله وإحسانه الأسباب كلها بما يقتضيه ذلك من أفراده, وعدم الالتفات إلى غيره, والوثوق بسواه, والتوكل على غيره, فمن ذا الذي شفع لك في الأَزل حيث لم تكن شيئاً مذكوراً حتى سماك باسم الإسلام، ووسمك بسمة الإِيمان، وجعلك من أَهل قبضة اليمين، وأَقطعك في ذلك الغيب عمالات المؤمنين، فعصمك عن العبادة للعبيد، وأَعتقك من التزام الرق لمن له شكل ونديد، ثم وجه وجهة قلبك إِليه تبارك وتعالى دون ما سواه، فاضرع إِلى الذي عصمك من السجود للصنم، وقضى لك بقدم الصدق في القدم، أَن يتم عليك نعمة هو ابتدأَها وكانت أَوليتها منه بلا سبب منك، واسمُ بهمتك عن ملاحظة الاختيار ولا تركنن إِلى الرسوم والآثار، ولا تقنع بالخسيس الدون، وعليك بالمطالب العالية والمراتب السامية التي لا تنال إِلا بطاعة الله. فإن الله عز وجل قضى أن لا ينال ما عنده إلا بطاعته، ومن كان لله كما يريد كان الله له فوق ما يريد، فمن أَقبل إِليه تلقاه من بعيد ومن تصرف بحوله وقوته أَلان له الحديد، ومن ترك لأَجله أَعطاه فوق المزيد، ومن أَراد مراده الديني أَراد ما يريد. ثم اسم بسرك إِلى المطلب، واقصر حبك وتقربك على من سبق فضله وإِحسانه إِليك كل سبب منك، بل هو الذي جاد عليك بالأسباب، وهيأَ لك وصرف عنك موانعها وأَوصلك بها إلى غايتك المحمودة. فتوكل عليه وحده وعامله وحده وآثر رضاه وحده. وأجعل حبه ومرضاته هو كعبة قلبك التي لا تزال طائفاً بها. مستلماً لأركانها، واقفاً بملتزمها، فيا فوزك ويا سعادتك إِن اطلع سبحانه على ذلك من قلبك، ماذا يفيض عليك من ملابس نعمه وخلع أفضاله: "اللَّهُمَّ لا مانع لما أَعطيت ولا معطى لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد سبحانك وبحمدك".

 ثم تعبد له باسمه الآخر بأَن تجعله وحده غايتك التي لا غاية لك سواه، ولا مطلوب لك وراءَه فكما انتهت إِليه الأَواخر, وكان بعد كل آخر فكذلك اجعل نهايتك إِليه، فإِن إِلى ربك المنتهى، إِليه انتهت الأسباب والغايات فليس وراءَه مرمى ينتهي إِليه.

 

وقال: وأَما عبوديته باسمه الظاهر فكما فسره النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "وأَنتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيءٌ، وَأَنْتَ الْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيء".

فإِذا تحقق العبد علوه المطلق على كل شيء بذاته، وأَنه ليس فوقه شيء البتة، وأَنه قاهر فوق عباده يدبر الأَمر من السماءِ إِلى الأَرض ثم يعرج إِليه {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطّيّبُ وَالْعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ} [فاطر: 10]، صار لقلبه أَملاً يقصده، ورباً يعبده، وإِلهاً يتوجه إِليه...فالتعبد باسمه الظاهر يجمع القلب على المعبود، ويجعل له رباً يقصده وصمداً يصمد إِليه في حوائجه وملجأً يلجأُ إِليه فإِذا استقر ذلك في قلبه وعرف ربه باسمه الظاهر استقامت له عبوديته وصار له معقل وموئل يلجأُ إِليه ويهرب إِليه ويفر كل وقت إِليه.

وأَما التعبد باسمه الباطن، فإِذا شهدت إِحاطته بالعوالم وقرب العبيد منه وظهور البواطن له وبدوِّ السرائر له وأَنه لا شيء بينه وبينها فعامله بمقتضى هذا الشهود، وطهر له سريرتك فإِنها عنده علانية, وأَصلح له غيبك فإِنه عنده شهادة وزكِّ له باطنك فإِنه عنده ظاهر.

فانظر كيف كانت هذه الأَسماءُ الأَربعة جماع المعرفة بالله، وجماع العبودية له)([2]).

 

([1]) صحيح مسلم (2713).

([2]) مختصر من طريق الهجرتين (1/40-49) دار ابن القيم.



التعليقات ( 0 )