• ×

محمد السيد هلال

الإمام مالك بن أنس

محمد السيد هلال

 0  0  2.1K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

 الإمام مالك بن أنس

هو شيخ الإسلام، حجة الأمة، إمام دار الهجرة، أبو عبد الله مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو بن الحارث بن غيمان بن خثيل بن عمرو بن الحارث، وهو ذو أصبح بن عوف بن مالك بن زيد بن شداد بن زرعة، وهو حمير الأصغر الحميري، ثم الأصبحي، المدني، حليف بني تيم من قريش، فهم حلفاء عثمان أخي طلحة بن عبيد الله أحد العشرة([1]).

وأمه هي: عالية بنت شريك الأزدية.

وأعمامه هم: أبو سهيل نافع، وأويس، والربيع، والنضر، أولاد أبي عامر.

حياته:

ولد عام في سنة ثلاث وتسعين(93هـ)، عام موت أنس خادم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ونشأ في صون ورفاهية وتجمل.

كان طويلاً جسيماً عظيم الهامة أبيض الرأس واللحية: شديد البياض إلى الصفرة أعين حسن الصورة أصلع أشم عظيم اللحية تامها تبلغ صدره ذات سعة وطول وكان يأخذ أطراف شاربه ولا يحلقه ولا يحفيه ويرى حلقه من المثل وكان يترك له سبلتين طويلتين ويحتج بفتل عمر رضي الله عنه لشاربه إذا أهمه أمر.

نشأ مجداً في التحصيل والطلب قال مطرف: قال مالك: قلت لأمي: أذهب فأكتب العلم؟ فقالت: تعال فالبس ثياب العلم فألبستني ثياب مشمرة ووضعت الطويلة على رأسي وعممتني فوقها ثم قالت: اذهب فاكتب الآن. وكانت تقول: اذهب إلى ربيعة فتعلم من أدبه قبل علمه([2]).

قال مالك: كان لي أخ في سن بن شهاب فألقى أبي يوماً علينا مسألة فأصاب أخي وأخطأت فقال لي أبي: ألهتك الحمام عن طلب العلم فغضبت وانقطعت إلى بن هرمز سبع سنين وفي رواية ثمان سنين لم أخلطه بغيره وكنت أجعل في كمي تمراً وأناوله صبيانه وأقول لهم: إن سألكم أحد عن الشيخ فقولوا: مشغول.

وقال: وكنت آتي بن هرمز من بكرة فما أخرج من بيته حتى الليل.

وقال الزبيري: رأيت مالكاً في حلقة ربيعة وفي أذنه شنف وهذا يدل على ملازمته الطلب من صغره. وكان يقول كتبت بيدي مائة ألف حديث.

وقال بن القاسم: أفضى بمالك طلب العلم إلى أن نقض سقف بيته فباع خشبه ثم مالت عليه الدنيا بعد.

قال بن أبي أويس: سمعت مالكاً يقول: إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذونه لقد أدركت سبعين ممن يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند هذه الأساطين وأشار إلى المسجد فما أخذت عنهم شيئاً وإن أحدهم لو ائتمن على بيت مال كان أميناً إلا أنهم لم يكونوا من أهل هذا الشأن([3]).

قال ابن أبي أويس كان مالك يأمر بالمعروف ويحث عليه.

قال مصعب بن عبد الله كان مالك إذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم عنده تغير لونه وانحنى حتى يصعب ذلك على جلسائه.

فقيل له يوماً في ذلك.

فقال لو رأيتم لما أنكرتم علي ما ترون كنت آتي محمد بن المنكدر وكان سيد القراء لا نكاد نسأله على حديث إلا بكى حتى نرحمه، ولقد أتى جعفر بن محمد وكان كثير المزاح والتبسم فإذا ذكر عنده النبي صلى الله عليه وسلم اخضر واصفر.

قال مالك ولقد اختلفت إليه زمان فما كنت أراه إلا على ثلاث خصال: إما مصلياً، وإما صائماً، وإما يقرأ القرآن.

وما رأيته قط يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا على الطهارة: ولا يتكلم فيما لا يغنيه.

وكان من العباد الزهاد الذين يخشون الله وما أتيته قط إلا ويخرج الوسادة من تحته ويجعلها تحتي وأخذ يعدد فضائله.

وما رواه من فضائل غيره من أشياخه في خبر طويل.

قال بعضهم رأيت مالكاً صامتاً لا يتكلم ولا يلتفت يميناً ولا شمالاً، إلا أن يكلمه إنسان فيسمع منه ثم يجيبه بشيء يسير.

فقيل له في ذلك فقال وهل يكب الناس في جهنم إلا هذا وأشار إلى لسانه([4]).

وعن ابن عيينة قال: مالك عالم أهل الحجاز، وهو حجة زمانه.

وقال الشافعي - وصدق وبر -: إذا ذكر العلماء فمالك النجم.([5])

شيوخه:

روى عن نافع، وسعيد المقبري، وعامر بن عبد الله بن الزبير، وابن المنكدر، والزهري، وعبد الله بن دينار، وخلق كثير.

تلاميذه:

محمد بن أدريس الشافعي, وعبد الله بن وهب, وعبد الرحمن بن قاسم, وأشهب بن عبد العزيز القيسي, وأسد بن الفرات, عبد الملك بن عبد العزيز بن الماجشون وغيرهم كثير, وأحصى الذهبي ما يزيد عن ألف وأربعمائة تلميذ . 

مصنفاته:

منها الموطأ, وله رسالة في "الوعظ, وكتاب في المسائل, ورسالة في الرد على القدرية, وكتاب في النجوم, و تفسير غريب القرآن([6]).

من أقواله في العقيدة (عقيدته)([7]):

  • اخرج الهروي عن الشافعي قال: سئل مالك عن الكلام والتوحيد, فقال مالك (محال أن يظن النبي صلى الله عليه وسلم, انه علم أمته الاستنجاء ولم يعلمهم التوحيد, والتوحيد ما قاله النبي صله الله عليه وسلم (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا اله إلا الله)([8]) فما عصم به المال والدم حقيقة التوحيد).
  • وأخرج الدارقطني عن الوليد بن مسلم قال (سألت مالكاً والثوري والأوزاعي والليث بن سعد عن الأخبار في الصفات فقالوا أمروها فجاءت ).
  • وقال ابن عبد البر (سئُل -مالك- أيُرى الله يوم القيامة؟ فقال: نعم يقول الله عز وجل (وجوه يومئذٍ ناضرة إلى ربها ناظرة). وقال لقوم آخرين (كلاّ إنهم عن ربهم يومئذٍ لمحجوبون).
  • وأورد القاضي عياض في ترتيب المدارك عن ابن نافع وأشهب قالا: وأحدهم يزيد على الآخر يا أبا عبد الله (وجوه يومئذٍ ناضرة إلى ربها ناظرة) ينظرون إلى الله؟ قال: نعم بأعينهم هاتين. فقلت له: فإن قوماً يقولون لا ينظر إلى الله, إن ناظرة بمعنى منتظرة إلى الثواب. قال: كذبوا بل ينظر إلى الله أما سمعت قول موسى عليه السلام (رب أرني أنظر إليك) أفترى موسى سأل ربه محالاً؟ فقال (لن تراني) أي في الدنيا لأنها دار فناء, ولا ينظر ما يبقى بما يفنى, فإذا صاروا إلى دار البقاء نظروا بما يبقى وقال الله (كلا إنهم عن ربهم يومئذٍ لمحجوبون).
  • وأخرج أبو نعيم عن جعفر بن عبد الله قال (كنا عند مالك بن أنس, فجاءه رجل فقال: يا أبا عبدالله, الرحمن على العرش استوى كيف استوى؟ فما وجد مال من شيء ما وجد من مسألته, فنظر إلى الأرض وجعل ينكت في يده حتى علاه الرحضاء - يعني العرق - ثم رأسه ورمى العود وقال ( الكيف منه غير معقول, والاستواء منه غير مجهول, والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة وأظنك صاحب بدعة وأمر به فأخرج).
  • وأخرج أبو نعيم عن يحيي بن الربيع قال (كنت عند مالك بن أنس ودخل عليه رجل فقال يا أبا عبد الله, ما تقول فيمن يقول القرآن مخلوق؟ فقال مالك: زنديق فاقتلوه, فقال: يا أبا عبد الله إنما أحكي كلاماً سمعته, فقال: لم أسمعه من أحد إنما سمعته منك, وعظم هذا القول.
  • وأخرج أبو داوود عن عبد الله بن نافع قال (قال مالك: الله في السماء وعلمه في كل مكان).

القدر:

  • أخرج أبو نعيم عن ابن وهب قال (سمعت مالكاً يقول لرجل: سألتني أمس عن القدر؟ قال: نعم, قال: إن الله تعالى يقول (ولو شئنا لآتينا كل نفسٍ هُداها ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجِنة والناس أجمعين) فلا بد أن يكون ما قال الله تعالى).
  • وقال القاضي عياض (سئُل الإمام مالك عن القدرية: مَن هم؟ قال: ما خلق المعاصي, وسئُل كذلك عن القدرية؟ قال: هم الذين يقولون إن الاستطاعة إليهم إن شاءوا أطاعوا وإن شاءوا عصوا)
  • واخرج ابن أبي عاصم عن سعيد بن عبد الجبار قال (سمعت مالك بن أنس يقول: رأيي فيهم أن يستتابوا فإن تابوا وإلا قتلوا- يعني القدرية-.
  • وأخرج ابن أبي عاصم عن مروان بن محمد الطاطري, قال (سمعت مالك بن أنس يسأل عن تزويج القدري؟ فقرأ (ولعبد مؤمن خيرٌ من مُشرك).

الإيمان:

  • أخرج ابن عبد البر عن عبد الرزاق بن همام قال (سمعت ابن جريج وسفيان والثوري ومعمر بن راشد وسفيان بن عيينه ومالك بن أنس يقولون: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص).
  • وأخرج ابن عبد البر عن أشهب بن عبد العزيز قال (قال مالك: فقام الناس يصلون نحو بيت المقدس ستة عشر شهراً, ثم أُمروا بالبيت الحرام فقال الله تعالى (وما كانَ الله لِيُضيع إيمانكم) أي صلاتكم إلى بيت المقدس, قال مالك: وإني لأذكر بهذه قول المرجئة: إن الصلاة ليست من الإيمان).

الصحابة:

  • أخرج أبو نعيم عن عبد الله العنبري قال (قال مالك بن أنس: من تَنَقَّصَ أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم, أو كان في قلبه عليهم غِل, فليس له حق في فيء المسلمين, ثم تلا قوله تعالى (والذينَ جاءوُا من بعدِهِم يَقولون رَبَّنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قُلوبنا غِلاً). فمن تنقصهم أو كان في قلبه عليهم غِل, فليس له في الفيء حق).
  • وأخرج أبو نعيم عن رجل من ولد الزبير قال (كنا عند مالك فذكروا رجلاً يَتَنقَّص أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقرأ مالك هذه الآية (مُحمدٌ رسوُل الله والذين معهُ أشداء - حتى بلغ - يُعجب الزُّراع ليغيظ بهم الكفار). فقال مالك (من أصبح في قلبه غيظ على أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد أصابته الآية).

 

  • وأورد القاضي عياض عن أشهب بن عبد العزيز قال (كنا عند مالك إذ وقف عليه رجل من العلويين وكانوا يقبلون على مجلسه فناداه: يا أبا عبد الله فأشرف له مالك, ولم يكن إذا ناداه أحد يجيبه أكثر من أن يشرف برأسه, فقال له الطالبي: إني أريد أن أجعلك حجة فيما بيني وبين الله, إذا قدمت عليه فسألني, قلت له: مالك قال لي. فقال له: قُل. فقال: من خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟. قال: أبو بكر, قال العلوي: ثم مَن؟ قال مالك: ثم عمر. قال العلوي: ثم مَن؟ قال: الخليفة المقتول ظلماً, عثمان. قال العلوي: والله لا أجالسك أبداً. قال له مالك: فالخيار لك).

 

وفاته:

قال القعنبي: سمعتهم يقولون: عمر مالك تسع وثمانون سنة، مات سنة تسع وسبعين ومائة.

وقال إسماعيل بن أبي أويس: مرض مالك، فسألت بعض أهلنا عما قال عند الموت.

قالوا: تشهد، ثم قال: {لله الأمر من قبل ومن بعد} [الروم: 4].

وتوفي: صبيحة أربع عشرة من ربيع الأول، سنة تسع وسبعين ومائة، فصلى عليه: الأمير عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس الهاشمي؛ ولد زينب بنت سليمان العباسية، ويعرف بأمه([9]).

 

 

([1]) أي المبشرين بالجنة.

([2]) الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب (7).

([3]) نفس المصدر السابق.

([4]) ترتيب المدارك وتقريبا المسالك(55).

([5]) سير أعلام النبلاء (15/56).

([6]) انظر الأعلام للزركلي (5/257).

([7]) مختصر من كتاب اعتقاد الأئمة الأربعة للدكتور/ محمد بن عبد الرحمن الخميس, ط/ دار العاصمة.

([8]) متفق عليه صحيح البخاري (392), صحيح مسلم (20).

([9]) سير أعلام النبلاء (15/131).



التعليقات ( 0 )