أ.د. أحمد القاضي

(فبذلك فليفرحوا)

أ.د. أحمد القاضي

 0  0  2.0K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده . أما بعد :

(العيد) من محاسن الشريعة، وزينة الإسلام .

(العيد) احتفالية إيمانية رائعة، تصنع الفرح على (الطريقة الإسلامية) البديعة.

(العيد) تعبير صادق عن شكر المنعم، بإكمال العدة، وتمام النعمة .

(العيد) مظهر لوحدة المسلمين، وتأكيد للرابطة الإيمانية التي تجمعهم .

(العيد) مشهد بديع ؛ ينجفل له أهل البلد من جميع أقطاره؛ رجالاً، ونساءً، كباراً، وصغاراً، حتى العواتق، وذوات الخدور المخبئات، اللواتي لا يبرزن عادةً، حتى الحيض اللواتي لا يمكثن في المسجد، يشهدن الخير، ودعوة المسلمين، ويعتزلن المصلى. يجتمعون في ساحة واحدة، يؤمهم إمام واحد، فيكبر الله، ويكبرون بتكبيره، ثم يؤدون هاتين الركعتين الشريفتين، ثم يتوجه لهم بالموعظة والذكرى، وتجديد العزم على المضي في طاعة الله، ثم يتوجه إلى النساء، فيخصهن بموعظة.

وما أن تنقضي هذه الشعيرة الكريمة، حتى يهب الجميع، يصافح بعضهم بعضاً، ويهنئ بعضهم بعضاً، ويعانق بعضهم بعضاً، حسب اختلاف الأعراف، والعادات، في مشهد عاطفي حميم، تجلله المحبة في الله، وصفاء القلوب، ليعودوا إلى أهليهم، وذويهم، وقرابتهم الأدنين، بفرح وسرور، وبرًّ، وصلة .

أليس هذا هو الفرح الفطري، وهو أيضاً الفرح الشرعي، المجلل بالإيمان، المكلل بالشكران. وربما صاحب ذلك بعض العادات الاجتماعية المباحة التي تتسع لها دائرة الشريعة، وتلحقها بقسم المباحات، بل ربما تلتحق بالمندوبات، باعتبار المقاصد، والمآلات، لما يحصل من جرائها من علاقات وصلات .

والمحذور أن يخرج ذلك إلى حد الفرح المذموم؛ فرح الأشر والبطر، وغشيان المنكر، الذي وصفه أحد أنبياء الله بقوله : (وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ) [العنكبوت/29]، قال ابن كثير، رحمه الله: ( أي: يفعلون ما لا يليق من الأقوال، والأفعال، في مجالسهم التي يجتمعون فيها، لا ينكر بعضهم على بعض شيئًا من ذلك، فمن قائل: كانوا يأتون بعضهم بعضاً في الملأ، قاله مجاهد. ومن قائل: كانوا يتضارطون، ويتضاحكون، قالته عائشة،رضي الله عنها،والقاسم. ومن قائل: كانوا يناطحون بين الكباش، ويناقرون بين الديوك، وكل ذلك كان يصدر عنهم، وكانوا شرًا من ذلك.

وقال الإمام أحمد: حدثنا حماد بن أسامة، أخبرني حاتم بن أبي صغيرة، حدثنا سِمَاك بن حرب، عن أبي صالح -مولى أم هانئ -عن أم هانئ، قالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن قوله عز وجل: { وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ }، قال: "يحذفون أهل الطريق، ويسخرون منهم، وذلك المنكر الذي كانوا يأتونه".

ورواه الترمذي، وابن جرير، وابن أبي حاتم من حديث أبي أسامة حماد بن أسامة عن أبي يونس القُشَيري، حاتم بن أبي صَغِيرة به. ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن لا نعرفه إلا من حديث حاتم بن أبي صغيرة عن سِمَاك.

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا محمد بن كثير، عن عمرو بن قيس، عن الحكم، عن مجاهد: { وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ } قال: الصفير، ولعب الحمام، والجُلاهق، والسؤال في المجلس، وحل أزرار القباء ) أ.هـ

وجميع هذه الممارسات العبثية، تشي بنوعٍ من الخفة، والطيش، وفقد التوازن، وخلو القلب من شكر الله تعالى، وتقحم الدنايا، والتفكه، والابتذال، الذي لا يليق بأهل الإيمان .

لذا، كان لزاماً على أهل الحل والعقد، والسلطة والولاية، أن يضبطوا حالة التعبير عن الفرح بالضوابط الشرعية، حتى لا يندلق السفهاء إلى ممارسات مخلة بالدين، والخلق، والعرف الصالح، وينجروا إلى حالات هستيرية، عدوانية، مؤذيةٍ، مخربة، تقلب الفرح حزناً، والنعمة نقمة.؛ كما يقع من صياح منكر، وإزعاج للساكنين، ومفرقعات مدوية، وتجاوزات مرورية، ومعاكسات بذيئة، وفجور .

حفظ الله الأمة، وأقام علم السنة، وعيد سعيد . تقبل الله منا ومنكم .



التعليقات ( 0 )