• ×

أ.د. أحمد القاضي

الحلقة الثامنة عشرة : الصحابة

أ.د. أحمد القاضي

 0  0  1.8K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ، أما بعد :
الصحابي : من اجتمع بالنبي صلى الله عليه وسلم، مؤمناً به ، ومات على ذلك. والصحابة، رضوان الله عليهم، خير الناس بعد الأنبياء، وأفضل قرون الأمة. قال صلى الله عليه وسلم: ( خير الناس قرني )، وقال: ( خير أمتي قرني ) متفق عليهما
وهم كلهم عدول، لأن الله،سبحانه، قد اختارهم لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم وزكاهم، ورضي عنهم، وتاب عليهم، ووصفهم بأكرم الأوصاف، ووعدهم خير عِدَة، فقال: ( مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمْ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً ) الفتح: 29
ومع ذلك، فإنهم يتفاضلون، تفاضلاً عاماً وخاصاً ؛ فمن مراتب التفاضل العام :
1- المهاجرون أفضل من الأنصار: لجمعهم بين الهجرة والنصرة، ولأن الله تعالى قدمهم في الذكر، فقال : ( لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ.وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ) الحشر:8-9
وقال: ( وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) التوبة: 100، وقال: ( لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ) التوبة:117
2- من أنفق من قبل صلح الحديبية، وقاتل، أفضل من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا : قال تعالى : ( لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنْ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ) الحديد:10
3- أهل بدر : لقول النبي صلى الله عليه وسلم لعمر،رضي الله عنه، في قصة حاطب بن أبي بلتعة : ( إنه شهد بدراً، وما يدريك لعل الله أن يكون قد اطلع على أهل بدر فقال : اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ) متفق عليه .
4- أهل بيعة الرضوان : قال تعالى : ( لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً ) الفتح : 18 وقال صلى الله عليه وسلم : ( لا يدخل النار، إن شاء الله، من أصحاب الشجرة أحد الذين بايعوا تحتها ) رواه مسلم .
وأما التفاضل الخاص :
1- الخلفاء الراشدون الأربعة : فأفضل الأمة بعد نبيها أبو بكر الصديق، ثم عمر بن الخطاب، بإجماع أهل السنة والجماعة . وقد تواتر النقل، من أكثر من ثمانين وجهاً، عن علي، رضي الله عنه، أنه قال على منبر الكوفة : ( خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر، ثم عمر) رواه أحمد بأسانيد صحيحة، وابن أبي عاصم، وصححه الألباني . ولا يقطع علي، رضي الله عنه، بذلك إلا عن علم . ورواه الترمذي عنه مرفوعاً .
ويليهما في الفضل عثمان بن عفان، رضي الله عنه؛ لما روى الشيخان من حديث عبد الله بن عمر، رضي الله عنهما: ( كنا نفاضل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان ) وفي لفظ : ( يبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ولا ينكره ) . وقال أيوب السختياني، رحمه الله: ( من قدم علياً على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار ) لكونهم قدموه في الخلافة .ويليه علي بن أبي طالب، رضي الله عنه . فترتيبهم في الفضل كترتيبهم في الخلافة.
2- المبشرون بالجنة : وهم الخلفاء الأربعة ، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وأبو عبيدة عامر بن الجراح، وسعيد بن زيد، رضوان الله عنهم أجمعين ؛ فقد شهد النبي صلى الله عليه وسلم للعشرة بالجنة. رواه الخمسة . وهو صحيح . كما دلت النصوص على البشارة لغيرهم كبلال، وثابت بن قيس، وعبد الله بن سلام، رضي الله عنهم أجمعين .
3 – أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم : وهم خمسة بطون تحرم عليهم الصدقة : آل علي، وآل جعفر، وآل عقيل، وآل العباس، وبنو الحارث بن عبد المطلب . قال صلى الله عليه وسلم : ( إن الله اصطفى إسماعيل، واصطفى من بني إسماعيل كنانة، واصطفى من كنانة قريشاً، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم ) رواه مسلم وقال:( أذكركم الله في أهل بيتي . أذكركم الله في أهل بيتي ) رواه مسلم. ولما شكا إليه العباس بن عبد المطلب، رضي الله عنه، أن بعض قريش يجفو بني هاشم، قال: ( والذي نفسي بيده لا يؤمنون حتى يحبوكم لله ولقرابتي) رواه أحمد .
 ومن أهل بيته، صلى الله عليه وسلم، أزواجه الطيبات، المطهرات . قال تعالى : ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) الأحزاب: 33 وقد اصطفاهن الله لنبيه، وجعلهن أزواجه في الدنيا والأخرة، وسماهن أمهات المؤمنين. وأفضلهن خديجة، ، وعائشة بنت أبي بكر، رضي الله عنهما. وبقيتهن : سودة بنت زمعة، وحفصة بنت عمر، وأم سلمة، وأم حبيبة بنت أبي سفيان، وصفية بنت حيي، وزينب بنت جحش، وجويرية، وميمونة، وزينب بنت خزيمة، رضي الله عنهن جميعاً.
فالواجب تجاه الصحابة، على اختلاف طبقاتهم ومراتبهم :
أولاً : محبتهم ، وموالاتهم ، والترضي عنهم ، والاستغفار لهم ، والثناء عليهم ، آحاداً وجماعات. قال تعالى:(وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) التوبة :71، وقال : ( وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ ) الحشر:10، وقال صلى الله عليه وسلم: ( آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار ) رواه البخاري ، وقال لعلي، رضي الله عنه: ( لا يحبك إلا مؤمن، ولا يبغضك إلا منافق ) رواه مسلم .
ثانياً : سلامة القلوب والألسنة لهم : من الغل وسوء الظن ، ومن السب واللعن. قال تعالى : (وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ) الحشر:10، وقال صلى الله عليه وسلم: ( لا تسبوا أصحابي؛ فوالذي نفسي بيده، لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ، ما بلغ مدَّ أحدهم ولا نصيفه ) متفق عليه .
ثالثاً : الكف عما شجر بين بعضهم، وإحسان الظن بهم، والاعتذار لهم بأنهم مجتهدون؛ إما مصيبون فلهم أجران، أو مخطئون فلهم أجر واحد . ولهم من السوابق، والمناقب، والحسنات العظيمة، ما يوجب مغفرة الذنوب، إن كان قد صدر منهم ذنب .
رابعاً : البراءة من طريقة الروافض، أهل الغلو في أهل البيت، والبغض والسب لعامة الصحابة، ومن طريقة النواصب، أهل الجفاء والأذى لأهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم .


التعليقات ( 0 )