أ.د. أحمد القاضي

الحلقة السادسة عشرة : حقيقة الإيمان (2/2)

أ.د. أحمد القاضي

 0  0  1.9K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه أما بعد :
ضل في مسألة الإيمان، وحكم مرتكب الكبيرة طائفتان :
الأولى : الوعيدية : القائلون بإنفاذ الوعيد ، وإنكار الشفاعة في حق مرتكبي الكبائر ، من عصاة الموحدين . وهم صنفان :
1-            الخوارج : القائلون بأن مرتكب الكبيرة خرج من الإيمان ودخل الكفر. فهو كافر في الدنيا ، خالد في النار في الآخرة .
2-           المعتزلة : القائلون بأن مرتكب الكبيرة خرج من الإيمان ، ولم يدخل في الكفر . فهو في منزلة بين منزلتين في الدنيا؛ لا مؤمن ولا كافر! خالد في النار في الآخرة !
     والرد على الوعيدية من وجوه ، منها :
أولاً : أن الله تعالى أثبت الإيمان ، وأبقى وصف الأخوة الإيمانية لمرتكب الكبيرة، في الدنيا ، كما في قوله : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ) [البقرة : 178]، فسمى القاتل أخاً للمقتول، وكما في قوله: ( وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ . إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) [الحجرات: 9-10]،فنمى الطائفتين المقتتلتين إلى الإيمان، وأثبت لهما أخوته.
ثانياً : أن الله يغفر ما دون الشرك لمن يشاء ، ويُخرج من النار من كان في قلبه أدنى مثقال حبة خردل من إيمان ، كما تواترت بذلك أحاديث الشفاعة .
الثانية : المرجئة : القائلون بإرجاء الأعمال، أي تأخيرها عن مسمى الإيمان ، فلا يضر مع الإيمان ذنب، كما لا ينفع مع الكفر طاعة ! وهم في تعريف الإيمان أصناف:
1-             الجهمية : تصديق القلب ، أو معرفة القلب ، فقط .
2-             الكرامية : نطق اللسان ، فقط .
3-             مرجئة الفقهاء : تصديق القلب ، ونطق اللسان ، فقط . وأما الأعمال فليست داخلة في حد الإيمان وحقيقته ، بل هي من ثمراته .
     والرد على المرجئة من وجوه ، منها :
أولاً : أن الله سمى الأعمال إيماناً ، فقال في شأن من صلوا إلى بيت المقدس، وماتوا قبل تحويل القبلة : ( وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ) [البقرة : 143]، أي : صلاتكم .
ثانياً : أن النبي صلى الله عليه وسلم ، نفى الإيمان المطلق عن مرتكب الكبائر العملية ، فقال : ( لا يزني الزاني، حين يزني، وهو مؤمن . ولا يسرق السارق، حين يسرق، وهو مؤمن . ولا يشرب الخمر، حين يشربها، وهو مؤمن . ولا ينتهب نهبة ذات شرف، يرفع الناس إليه فيها أبصارهم، حين ينتهبها، وهو مؤمن ) متفق عليه .
ومنشأ فساد مقالة كلا الطائفتين ؛ الوعيدية، والمرجئة ، من اعتقادهم أن الإيمان شيء واحد ، إما أن يوجد كله، أو يعدم كله ! فأما المرجئة فأثبتوه بمجرد الإقرار؛ بالقلب، أو اللسان، أو بهما معاً ، ولو لم يعمل البتة ، فهم أهل تفريط . وأما الوعيدية فنفوه بأدنى كبيرة ، فهم أهل إفراط . فمقدمتهما واحدة ، ونتيجتاهما متضادتان !


التعليقات ( 0 )