• ×

د. أحمد القاضي

الحلقة الخامسة عشرة : حقيقة الإيمان (1/2)

د. أحمد القاضي

 0  0  1.7K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ، أما بعد :
1- الإيمان قول وعمل ؛ قول القلب، واللسان، وعمل القلب، واللسان، والجوارح. فقول القلب : اعتقاده ، وتصديقه ، وقبوله .
وقول اللسان : التلفظ بكلمة الإسلام، والاستعلان بالشهادتين .
وعمل القلب : ما يقوم به من النيات، والإرادات ؛ كالخوف، والرجاء، والتوكل.
وعمل اللسان : ما يلهج به من الذكر، والدعاء، والتلاوة .
وعمل الجوارح : ما تتحرك به الأعضاء من العبادات البدنية .
قال تعالى : ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانَاً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ.الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ. أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ) الأنفال :2- 4، وقال : ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ ) الحجرات : 15، وقال صلى الله عليه وسلم : ( الإيمان بضع وسبعون، أو بضع وستون ، شعبة ؛ فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق ، والحياء شعبة من الإيمان ) متفق عليه.
فالإيمان له حقيقة مركبة من القول والعمل، فهو تصديق مستلزم للقول والعمل. فانتفاء القول والعمل دليل على انتفاء التصديق .
2- والإيمان عند الانفراد، مرادف للإسلام عند الانفراد ، فإن كلاً منهما يعني الدين كله . وأما عند الاقتران ، فالإيمان يعني الاعتقاد الباطن، والإسلام يعني العمل الظاهر. فكل مؤمن مسلم، وليس كل مسلم مؤمن. قال تعالى : ( قَالَتْ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلْ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ)الحجرات : 14
3- والإيمان يزيد وينقص ؛ يزيد بالعلم بالله ، والتفكر في آياته الكونية ، والتدبر لآياته الشرعية ، وفعل الطاعات ، وترك المعاصي ، وينقص بالجهل بالله ، والغفلة عن آياته الكونية ، والإعراض عن آياته الشرعية ، وتضييع الطاعات ، واجتراح السيئات. قال تعالى : ( وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانَاً ) الأنفال : 2، وقال: ( فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ) التوبة: 124، وقال : ( هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَعَ إِيمَانِهِمْ ) الفتح : 4
4- والإيمان يتفاضل ، وبعض خصاله أعلى من بعض ، كما في الحديث المتقدم :( الإيمان بضع وسبعون، أو بضع وستون ، شعبة ؛ فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق ، والحياء شعبة من الإيمان ) متفق عليه.
5- وأهله فيه متفاضلون ؛ بعضهم أكمل إيماناً من بعض ، كما قال تعالى : ( ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِير ) فاطر:ُ 32، وقال صلى الله عليه وسلم: ( أكمل المؤمنين إيماناً ، أحسنهم خلقاً ) رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي .
فمن أتى بالشهادتين معتقداً معناهما ، ملتزماً مقتضاهما فقد أتى بأصل الإيمان ، ومن فعل الواجبات، وترك المحرمات، فقد أتى بالإيمان الواجب . ومن فعل الواجبات، والمستحبات، وترك المحرمات، والمكروهات، فقد أتى بالإيمان الكامل .
6- والاستثناء في الإيمان ؛ بأن يقول : ( أنا مؤمن إن شاء الله ) له ثلاثة أحوال :
أحدها: إن قاله شاكاً في أصل الإيمان: فالاستثناء محرم، بل كفر؛لأن الإيمان جزم
الثاني: إن قاله خوفاً من تزكية النفس بادعاء تحقيق الإيمان الواجب، أوالكامل،
 فواجب .
الثالث : إن قاله تبركاً بذكر المشيئة ، فالاستثناء جائز .
7- ولا يزول وصف الإيمان بمطلق المعاصي والكبائر ، بل تنقصه ، مع بقاء أصله. فمرتكب الكبيرة مؤمن ناقص الإيمان ؛ مؤمن بإيمانه ، فاسق بكبيرته ، لا يخرج من الملة في الدنيا ، ولا يخلد في النار في الآخرة ، بل يكون تحت المشيئة ؛ إن شاء عفا الله عنه مجاناً، وأدخله الجنة ، وإن شاء عذبه بقدر ذنبه ، ومآله إلى الجنة ، أو ببعض ذنبه، فيخرج بشفاعة الشافعين ، أو برحمة أرحم الراحمين . قال تعالى : ( إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً) النساء 48، وقال صلى الله عليه وسلم : ( يدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، ثم يقول الله تعالى : أخرجوا من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان . فيخرجون منها، قد اسودوا، فيلقون في نهر الحياة ) رواه البخاري ، وقال : ( يَخرج من النار من قال: لا إله إلا الله ، وفي قلبه وزن شعيرة من خير، و يَخرج من النار من قال: لا إله إلا الله ، وفي قلبه وزن برة من خير، ويَخرج من النار من قال: لا إله إلا الله ، وفي قلبه وزن ذرة من خير ) رواه البخاري . وفي رواية : (من إيمان) ، مكان (من خير) .


التعليقات ( 0 )