• ×

د. أحمد القاضي

الحلقة الثالثة عشرة : الإيمان بالقدر

د. أحمد القاضي

 0  0  1.4K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد :
فالإيمان بالقدر هو : الاعتقاد الجازم أن الله تعالى قدر مقادير الخلائق بعلمه الأزلي ، وكتبها في اللوح المحفوظ ، وأجراها بمشيئته ، وأوجدها بقدرته . قال تعالى: ( إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ) القمر : 49، وقال: ( وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً ) الفرقان : 2
ومما يدخل في الإيمان بالقدر ، ما يلي :
أولاً : الإيمان بعلم الله الأزلي ، الأبدي ، المحيط بكل شيء جملةً ، وتفصيلاً ، مما يتعلق بأفعاله ؛ من الآجال، والأرزاق، أو أفعال عباده؛ من الطاعات، والمعاصي. قال تعالى: (وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)البقرة : 29،وقال:(ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ)الأنعام: 96
فقد علم من سيطيعه،ومن سيعصيه، كما علم ما يُعمَّر من مُعمَّر وما يُنقَص من عمره.
ثانياً : الإيمان بكتابة الله للمقادير في اللوح المحفوظ : قال تعالى: ( مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ) الحديد : 22، وقال : ( عَالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ) سبأ :3 .
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ، رضي الله عنهما ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة ، قال : وعرشه على الماء ) رواه مسلم . وعن عبادة بن الصامت،رضي الله عنه، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( إن أول ما خلق الله تعالى القلم فقال له : اكتب، فقال : رب وماذا أكتب ؟ قال : اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة ) رواه أبو داود .
وقد جمع الله العلم، والكتابة في قوله : ( أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ) الحج : 70
ثالثاً : الإيمان بمشيئة الله النافذة : فما شاء الله كان ، وما لم يشأ لم يكن . لا مانع لما أعطى ، ولا معطي لما منع ، ولا راد لما قضى ، ولا يكون في ملكه ما لا يريد . يهدي من يشاء بفضله ، ويضل من يشاء بعدله ، ولا معقب لحكمه .
قال تعالى : ( وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمْ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنْ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ ) البقرة : 253، وقال : ( لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ . وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ) التكوير :28- 29
رابعاً : الإيمان بخلق الله لجميع الكائنات ، وإيجاده لها : فالله الخالق ، وما سواه مخلوق . وجميع الأشياء ؛ ذواتها، وصفاتها، وحركاتها، مخلوقة، محدثة . والله خالقها، وموجدها. قال تعالى : ( اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ) الزمر: 62، وقال : ( وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ) الصافات : 96. فأفعال العباد خلق لله ، وكسب لهم ؛ قال تعالى : (لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ) البقرة : 286
خامساً : الإيمان أنه لا تلازم بين المشيئة والمحبة : فقد يشاء ما لا يحب، وقد يحب ما لا يشاء، لحكمة بالغة، وغاية محكمة. قال تعالى: ( وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ) السجدة :13،وقال : ( إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ) الزمر:7
سادساً : الإيمان أنه لا تعارض بين الشرع والقدر : قال تعالى : ( إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى. فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى.وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى.فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى.وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى. وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى.فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى ) الليل : 4- 10. وذلك أن الشرع كتاب مفتوح ، والقدر غيب مكنون . فقد قدر الله مقادير العباد ، وأخفى ذلك عنهم ، وأمرهم ، ونهاهم ، وأعدهم ، وأمدهم ، بما يؤهلهم لامتثال أمره ، واجتناب نهيه ، وعذرهم إذا عرض لهم مانع من موانع التكليف . فلا حجة لأحد على فعل المعصية ، وترك الطاعة ، بالقدر السابق . قال تعالى: ( سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ تَخْرُصُونَ . قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ ) الأنعام : 148-149، فأكذب دعواهم ، أولاً ، وأذاقهم بأسه ، ثانياً ، ولو كان لهم في القدر حجة ما أذاقهم بأسه ، وكشف زيف دعواهم، ثالثاً ؛ فهم لم يطلعوا على كتابهم فيصدروا عن علم، فيكون حجة لهم . بل هي مبنية على ظن وتخرص ، ليس إلا ! فصارت الحجة البالغة لله .
وقد ضل في باب القدر طائفتان :
إحداهما : القدرية النفاة : الذين أنكروا القدر، وهم على درجتين :
1)   غلاة : وهم أوائلهم ، أنكروا العلم والكتابة، وزعموا أن الأمر أُنُف .
2)   مقتصدون: وهم المعتزلة، أنكروا المشيئة والخلق،وزعموا أن العبد يخلق فعله
الثانية : الجبرية : الذين قالوا: العبد مجبور على فعله،وسلبوه الإرادة،والفعل،والاختيار، وجعلوا حركاته اضطرارية كحركات المرتعش، ونفوا عن أفعال الله الحكمة والتعليل .
وكلا الطائفتين محجوج بالشرع والواقع :
1)   فمنكرو القدر، بمراتبه الأربع ، ترد عليهم النصوص الصريحة بإثباتها، ويدل الواقع على أن المرء يعمد لفعل شيءٍ من الأشياء فيحال بينه وبينه .
2)   والجبرية الغلاة في إثبات القدر، ترد عليهم النصوص الدالة على إثبات الإرادة، والفعل، والمشيئة للعبد. ويدل الواقع على أن كل إنسان يفرق بين أفعاله الاختيارية، وما يقع عليه من أمور اضطرارية .
كما أن النصوص الشرعية متوافرة في إثبات الحكمة والتعليل في أفعال الله عز وجل .


التعليقات ( 0 )