• ×

أ.د. أحمد القاضي

الحصاد الكريم، وحصاد الهشيم

أ.د. أحمد القاضي

 0  0  1.8K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده : أما بعد :
فها هو ذا رمضان يلملم أوراقه، ويودع أحبابه، في مشهد عاطفي تتدفق له قلوب المؤمنين ، قبل عيونهم، وقد بدأ (العد التنازلي) في إكمال العدة . إلا إن هذا الختام المهيب، مجلل بتكبير المعبود، وشكر المنعم، قال تعالى : (وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [البقرة/185]
لقد أمضى المؤمنون في هذا الشهر أياماً بهيجة، وليالي أنيسة، في صلة حميمة مع ربهم، وخالقهم، ظمئوا، وجاعوا، وقاموا، ونصبوا، ابتغاء وجهه، ورجاء ثوابه، وتحصيل موعوده، فنالوا خيراً كثيراً، في هذه الدنيا، من صفاء القلوب، ولذة المناجاة، وصحة الأبدان، فوق ما يرجونه من ثواب الآخرة.
لقد أورثهم الصيام الهدايات التالية :
1-      الإخلاص لله : بأداء عبادة لم يحملهم على الالتزام بها، مع إمكان تركها، إلا إرداة وجهه .
2- التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم: بإمساكه، وفطره، وسمته، وتلاوته، وجوده، وقيامه، وكأنما هو ماثل أمامهم .
3- استنباط معالي الأخلاق؛ من الصبر، والتعفف، والرحمة بالخلق، والترفع عن سفسافها؛ من قول الزور، والعمل به، والجهل، واتباع الهوى.
4-      إلف العبادة، والإنس بها، والتعود عليها: مما يهيئ للمداومة عليها؛ من صيام نفل، وقيام ليل، وصدقة .
وإلى جانب هذه الصورة الزاهية، التي رسمها الصيام في حياة المؤمنين، هناك مشهد كئيب، وصورة قاتمة، لبعض المنكوسين، المحجوبين، الذين لم يرفعوا رأساً بهذا الشهر الكريم، وما خرجوا إلا بحصاد الهشيم . وعلى رأس هؤلاء، ورأسهم ذَنَب، أصحاب الشهوات، الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، فينشروا خزيهم، ويكشفوا سوأتهم في رمضان، ويلقوا شباكهم النتنة بين الناس ليصطادوا كل ذي قلب مريض، عبر (حلقات) من مكر الليل والنهار، و(مسلسَلات) مسلسِلات للعقول والقلوب، هادمات للقيم والأخلاق، مدمرات للقوى المعنوية للأمة . قال تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) [النور/19]
وهذا الصنف الخاسر، لا يستحي، ولا يرعوي، بل يجاهر بإثمه، ببجاحة، حتى إذا ما صاح بهم أهل العلم، والغيرة، وحذروا من شرهم، وكشفوا عوارهم، تنادوا من كل فج عميق، وثاروا كأنهم حمر مستنفرة، ونادوا بالويل والثبور، على أهل الفضيلة والعلم، ورموهم بألقاب السوء؛ كالإرهاب، والتكفير، ومصادرة الحريات ! ووالله إنهم بذلك أولى وأحرى (رمتني بدائها وانسلت) فهم الذين يزرعون الفتنة، ويؤسسون للإرهاب، ويفسدون في الأرض ولا يصلحون .
فسبحان الله ، كيف فاوت بين العقول، والقلوب ! وسخر الأبدان والجهود ! وهنيئاً لكل باذل ما بذل، وكل حارث ما حرث . قال تعالى : (مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآَخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ) [الشورى/20]
تقبل الله من ومنكم الصيام والقيام، وأعاد علينا، وعليكم شهر رمضان، بخير، وعز، ونصر، وتمكين . والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .


التعليقات ( 0 )