• ×

د. أحمد القاضي

الحلقة الثانية عشرة : الإيمان باليوم الآخر

د. أحمد القاضي

 0  0  1.7K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه أما بعد :
فالإيمان باليوم الآخر : هو الاعتقاد الجازم أن الله تعالى يؤخر العباد ليوم يبعثهم فيه من قبورهم،ويحاسبهم على أعمالهم ، ويجزيهم عليها ؛ إما بالجنة أو النار .
قال تعالى: ( إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ ) [إبراهيم : 42]، وقال: (زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ) [التغابن : 7]، وقال : ( وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ . فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ . وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الآخِرَةِ فَأُوْلَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ )[ الروم : 14- 16].
ومما يدخل في الإيمان باليوم الآخر ، ما يلي :
أولاً : الإيمان بما يكون بعد الموت : من معاينة الملائكة حين الاحتضار ، وفتنة القبر الحاصلة من سؤال الملكين للعبد عن ربه، ودينه، ونبيه ، وعذاب القبر، أو نعيمه، مما يكون في حياة البرزخ . قال تعالى : ( وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ ) [الأنفال : 50]، وقال: ( إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ) [فصلت : 30]، وقال: ( وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ. النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ) [غافر : 46]
ثانيا : الإيمان بالساعة وأشراطها : قال تعالى : ( وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ. يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ ) [الشورى: 17-18]، وقال : ( فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا )[ محمد: 18].
ومن أشراط الساعة الكبرى، ما دل عليه قوله صلى الله عليه وسلم : ( إنها لن تقوم حتى ترون قبلها عشر آيات ، فذكر : الدخان، والدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى بن مريم، ويأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم )[ رواه مسلم].
ومجيء الساعة مباغت، سريع ؛ قال تعالى : ( يَسْأَلُونَكَ عَنْ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَوَات وَالأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ) [الأعراف: 187 ]، وقال: ( وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ ) [النحل: 77]، وقيامها يكون بنفخة الصعق؛ قال تعالى : (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللَّهُ )[ الزمر: 68].
ثالثاً : الإيمان بالبعث : وهو إخراج الله تعالى العباد من قبورهم أحياءً ، حفاةً ، عراةً ، غرلاً، بهماً، بعد النفخة الثانية في الصور . قال تعالى : ( ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ ) الزمر ) [الزمر : 68 ]، وقال : (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنْ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ ) [يس : 51]، وقال صلى الله عليه وسلم : ( يحشر الناس يوم القيامة حفاة، عراة، غرلاً )[ رواه مسلم].
رابعاً : الإيمان بالقيامة الكبرى : وهي قيام الناس لرب العالمين قياماً طويلاً في عرصات القيامة ، يُسمعهم الداعي، وينفذهم البصر، وتدنوا منهم الشمس ، ويلجمهم العرق ، ويورد الحوض ، وتنشر الدواوين ، وتوضع الموازين ، وينصب الصراط ، في مواقف عظيمة ، وأحوال مهولة .
خامساً : الإيمان بالحساب : قال تعالى: ( إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ . ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ) [الأعلى: 25-26]،وقال: (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ . فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً) [الانشقاق : 7-8]، وقال : ( فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه.وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَه ) [الزلزلة : 7-8]، وقال : ( وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ ) [الأنبياء : 47]
وحساب الخلائق نوعان :
1- حساب المؤمنين : وهو إما عرض أو مناقشة . فحساب العرض لمن سبقت له من الله الحسنى من السعداء ، ويدل عليه حديث ابن عمر، رضي الله عنهما ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الله يدني المؤمن ، فيضع عليه كنفه، ويستره، فيقول : أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ فيقول : نعم ، أي رب ! حتى إذا قرره بذنوبه ، ورأى أنه قد هلك ، قال : قد سترتها عليك في الدنيا ، وأنا أغفرها لك اليوم . فيعطى كتاب حسناته ) متفق عليه. وأما حساب المناقشة، فيقع لأصحاب الكبائر من الموحدين ، ممن شاء الله أن يعذبهم بذنوبهم في النار ، ومآلهم إلى الجنة . ويدل عليه حديث عائشة ، رضي الله عنها ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( ليس أحد يحاسب يوم القيامة إلا هلك ) فقلت : يا رسول الله ، أليس قد قال الله: ( فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ.فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً ) ؟ فقال: ( إنما ذلك العرض ، وليس أحد يناقش الحساب يوم القيامة إلا عذب )[ متفق عليه].
 2- حساب الكافرين : فهؤلاء لا يحاسبون محاسبة الموازنة بين الحسنات والسيئات ، لأنه لا حسنات لهم ، بل يوقفون على أعمالهم ، ويقررون بها . ففي حديث ابن عمر السابق : ( وأما الكفار والمنافقون ، فينادى بهم على رؤوس الخلائق: "هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ، ألا لعنة الله على الظالمين" )[ متفق عليه].
سادساً : الإيمان بالجزاء : وهو الإيمان أن الجنة حق، والنار حق . فالجنة هي الدار التي أعدها الله جزاءً لعباده المتقين ، فيها من صنوف النعيم الحسي، والمعنوي ، ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. والنار هي الدار التي أعدها الله جزاءً للكافرين ، فيها من صنوف العذاب الحسي، والمعنوي مثل ذلك .
قال تعالى : (جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ.وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ.الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ.وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ.وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمْ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ) [فاطر : 32-37]


التعليقات ( 0 )