• ×

د. أحمد القاضي

الحلقة التاسعة : الإيمان بالملائكة

د. أحمد القاضي

 0  0  1.5K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه أما بعد :
فالإيمان بالملائكة : هو الاعتقاد الجازم بأنهم :
أولاً : عباد مكرمون ، بررة مقربون ، خاضعون لربهم ، مشفقون : فليس لهم من خصائص الربوبية والألوهية شيء . قال تعالى : ( بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ . لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ . يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ ) الأنبياء : 26-28، وقال : ( يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ) النحل : 50، وقال : (لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ) التحريم : 6، وقال : (كِرَامٍ بَرَرَة ) عبس : 16، وقال : ( وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاء إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ . قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِم ) سبأ : 40-41، وقال : ( قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ) البقرة : 32
ثانياً : أنهم مخلوقون من نور ، أولو أجنحة ، على هيئات عظيمة ، متنوعة : قال صلى الله عليه وسلم : ( خلقت الملائكة من نور ) رواه مسلم . وقال تعالى : ( الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) فاطر : 1. وقال صلى الله عليه وسلم : ( أذن لي أن أحدث عن أحد حملة العرش ، ما بين شحمة أذنه ، وعاتقه ، مسيرة سبعمائة عام ) رواه أبوداود. وفي رواية للطبراني : ( رجلاه في الأرض السفلى، وعلى قرنه العرش، وبين شحمة أذنه، وعاتقه ، خفقان الطير سبعمائة عام، يقول : سبحانك حيث كنت ) . فهم خلق حقيقي ، لا قوى معنوية كما زعم ذلك بعض المجازفين .وهم خلق كثير ، لا يحصيهم كثرةً إلا خالقهم ، ففي حديث أنس المتفق عليه ، في قصة المعراج : أن النبي صلى الله عليه وسلم ، رفع له البيت المعمور، في السماء السابعة ، يصلي فيه كل يوم سبعون ألف ملك ، إذا خرجوا لم يعودوا إليه، آخر ما عليهم )
ثالثاً : أنهم صافون مسبحون : ألهمهم الله تسبيحه ، وامتثال أمره ، ومنحهم القوة على تنفيذه . قال تعالى : ( وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ . وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ . وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ ) الصافات : 164-165، وقال : ( وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِندَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ. يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ ) فصلت : 19-20( لَا يَسْأَمُونَ ) الأنبياء : 38. وعن حكيم بن حزام ، رضي الله عنه ، قال : بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه، إذ قال لهم : ( أتسمعون ما أسمع ؟ قالوا : ما نسمع من شيء ؟ قال : إني لأسمع أطيط السماء ، وما تلام أن تئط ، وما فيها موضع شبر إلا وعليه ملك ساجد أو قائم ) رواه الطبراني، وقال الألباني : صحيح على شرط مسلم .
رابعاً : أنهم محجوبون عن المشاهدة : فهم عالم غيبي ، لا يقعون تحت مدارك الحواس الإنسانية ، في الحياة الدنيا، إلا لمن شاء الله ، كرؤية نبينا صلى الله عليه وسلم لجبريل على صورته التي خلقه الله عليها . وإنما يرون في الآخرة . قال تعالى : ( يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْراً مَّحْجُوراً ) الفرقان : 22، وقال : ( وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ ) الرعد : 23 . ولكن الله أعطاهم القدرة على التحول ، والتشكل على هيئة الآدميين ، قال تعالى : ( فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً ) مريم : 17، وقال : (وَلَقَدْ جَاءتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُـشْرَى قَالُواْ سَلاَماً قَالَ سَلاَمٌ فَمَا لَبِثَ أَن جَاء بِعِجْلٍ حَنِيذٍ . فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُواْ لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوط ٍ) هود : 69-70، وقال : (وَلَمَّا جَاءتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقَالَ هَـذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ . وَجَاءهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِن قَبْلُ كَانُواْ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَا قَوْمِ هَـؤُلاء بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُواْ اللّهَ وَلاَ تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ ) هود : 77-78، فكانوا عليهم السلام على صورة رجال . وكذلك حين أتى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم على صفة رحل شديد بياض الثياب ، شديد سواد الشعر . وكان يأتيه أحياناً على صورة دحية الكلبي ، رضي الله عنه .
خامساً : أنهم موكلون بأعمال متنوعة : إلى جانب وظيفتهم الأساسية المستمرة ؛ من عبادة الرب وتسبيحه . فمن ذلك :
1- النزول بالوحي : وهي وظيفة جبريل عليه السلام ، قال تعالى : ( قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ ) النحل : 102، وقال : ( وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ . نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ . عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ ) الشعراء : 192-194
2- العناية بالجنين : بنفخ الروح فيه ، وكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد .
3- حفظ بني آدم : قال تعالى : ( لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللّهِ ) الرعد : 11
4- حفظ أعمال بني آدم : ( إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ . مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ) ق : 17-18
5- تثبيت المؤمنين ونصرهم : قال تعالى : (إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلآئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرَّعْبَ فَاضْرِبُواْ فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ ) الأنفال : 12
6- قبض الأرواح : وهي وظيفة ملك الموت ، قال تعالى : ( قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ ) السجدة : 11
7- سؤال الميت في قبره عن ربه، ودينه، ونبيه . والسائلان هما : منكر ونكير .
8- النفخ في الصور : وهي وظيفة إسرافيل، عليه السلام ، للصعق ، والبعث . قال تعالى : ( وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُونَ ) الزمر : 68
9- خزانة النار : قال تعالى : ( وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً ) المدثر : 31، وقال : ( وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُم مَّاكِثُونَ ) الزخرف :77، وقال: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ) التحريم : 6
10- الاستغفار للمؤمنين، والدعاء لهم، وبشارتهم، وإكرامهم في الجنة : قال تعالى : ( الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ . رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدتَّهُم وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ . وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَن تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) غافر : 7-9 وقال : ( إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ ) فصلت : 30، وقال : ( وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ . سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ ) الرعد : 23-24


التعليقات ( 0 )