• ×

د. أحمد القاضي

الحلقة الثامنة : الإيمان بالأسماء والصفات (2/2)

د. أحمد القاضي

 0  0  1.5K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد :
فقد ضل في باب أسماء الله وصفاته طوائف من أهل القبلة ، وهم :
1- أهل التمثيل : الذين بالغوا في الإثبات حتى وقعوا في التمثيل . وشبهتهم أن ذلك مقتضى النصوص ، لأن الله خاطب الناس بما يعهدون في المخلوقات !
والرد عليهم ، من وجوه :
أولاً : أن الله نفى عن نفسه المثل ، والكفؤ ، والند ، بآيات محكمة صريحة ؛ قال تعالى: ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء ) الشورى:11، ( فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ) البقرة: 22(وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ ) الإخلاص : 4، ولا يمكن أن يكون كلام الله متناقضاً .
ثانياً : أن العقل السليم يأبى أن يكون الإله الخالق الكامل ، كالعبد المخلوق القاصر . فكما أن ذاته لا تشبه الذوات ، فصفاته لا تشبه الصفات .
ثالثاً : أن الله خاطب العباد بما يفهمون ، من حيث أصل المعنى . ولا يلزم من الاشتراك في المعنى الكلي المطلق ، التماثل في الحقائق والكيفيات . فإذا كان اتفاق الأسماء بين المخلوقات نفسها ، لا يوجب تماثلاً بينها ، كلفظ السمع ، والبصر ، والقدرة ، فما بين الخالق والمخلوق من باب أولى .
2- أهل التعطيل : الذين بالغوا في النفي ، حتى وقعوا في التعطيل . وشبهتهم أن إثبات الصفات يستلزم التمثيل ، لكون تلك الصفات مما يتصف به المخلوق ، فيتعين نفيها عن الخالق ! وأثبتوا لله وجوداً مطلقاً غير موصوف، فأشدهم تعطيلاً القرامطة الباطنية الذين نفوا عنه النقيضين، ثم الجهمية الذين أنكروا الأسماء والصفات، ثم المعتزلة الذين أثبتوا الأسماء وأنكروا ما تضمنه من صفات .
والرد عليهم ، من وجوه :
أولاً : أن الله تعالى أثبت لنفسه الصفات في آيات محكمة، صريحة، مفصلة ، وذكرها مقرونة بنفي التمثيل،كقوله : ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ) الشورى : 11. ولا يمكن أن يكون كلام الله متناقضاً .
ثانياً : أن إثبات وجود مطلق ، لا يقبل الاتصاف بوصف ، لا حقيقة له في الأعيان ، وإنما هو قضية في الأذهان فحسب . فمقالتهم تؤول إلى إنكار الخالق .
ثالثاً : أن الوصف بالألفاظ العامة ، المطلقة ، الكلية ، في معين ، لا يلزم أن يكون هو بعينه ثابتاً في معين آخر ، بل كلاً منهما يكون فرداً من أفراد ذلك الوصف العام . لأن الصفة إذا قيدت ، أو أضيفت ، زال الاشتراك في الخارج .
3- أهل التأويل : الذين اعتقدوا أن النصوص لا تدل على صفة حقيقية لله تعالى ، فطفقوا يبحثون عن معاني أخرى يحملون النصوص عليها ، بلا دليل صحيح يسوغ لهم صرف الكلام عن ظاهره، إلى خلاف الظاهر، مسمين تحريفهم هذا تأويلاً!
والرد عليهم ، من وجوه :
أولاً : أن الله تعالى أعلم بنفسه ، وأصدق قيلاً ، وأحسن حديثاً ، من خلقه . ورسوله صلى الله عليه وسلم ، أعلم بربه، وأصدق لساناً، وأفصح بياناً، وأنصح الأمة للأمة . فكيف يستدرك أحد على الله ورسوله ، ويجعل كلامهما مدعاةً للتلبيس والضلال .
ثانياً : أن الأصل في الكلام حمله على حقيقته . ولا يصح تأويله إلا بدليل صحيح يقتضي صرفه عن ظاهره إلى مجازه . ولا دليل .
ثالثاً : أن النبي صلى الله عليه وسلم قد بين للناس ما نزل إليه من ربهم ، وبلغ البلاغ المبين ، فلا يمكن أن يهمل صلى الله عليه وسلم هذا الباب العظيم دون بيان المراد الذي ادعاه هؤلاء المحرفون من المعاني المخترعة ! 
4- أهل التجهيل : الذين اعتقدوا أن معاني ما أخبر الله به عن نفسه ، أو أخبر بها رسوله مجهولة المعنى ، لا يعلمها إلا الله ، ولا سبيل لأحد إلى العلم بها ! ويسمون أنفسهم ( مفوضة ) ، وطريقتهم ( التفويض ) .
والرد عليهم ، من وجوه :
أولاً : أنه يمتنع أن يكون باب العلم بالله ، الذي هو أشرف أبواب الدين موصداً، فلا عقل ، ولا نقل يؤدي إليه .
ثانياً : أن الله تعالى أنزل القرآن بلسان عربي مبين ، وأمر عباده بتعقله ، وتدبر معانيه ، ولم يستثن شيئاً . فدل على إمكان العلم بالمعاني ، وأما الكيفيات والحقائق فإنها من الغيبيات التي يفوض علمها إلى الله .
ثالثاً : أن هذا المسلك يقتضي تجهيل السابقين الأولين ، من سلف هذه الأمة ، ووصفهم بأنهم بمنزلة الأميين الذين لا يعلمون الكتاب إلا أماني ، وأن آيات الصفات في حقهم بمنزلة الطلاسم ، وحروف المعجم التي لا تفيد معنى معقولاً .


التعليقات ( 0 )