• ×

د. أحمد القاضي

الحلقة الرابعة : الإيمان بالربوبية

د. أحمد القاضي

 0  0  1.6K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
بسم الله الرحمن الرحيم

       الإيمان بالربوبية هو : الاعتقاد الجازم بأن الله تعالى وحده، هو الرب ؛ الخالق ، المالك ، الآمر . ومعنى الرب : السيد، المالك، المتصرف، الذي ربى جميع العالمين بنعمه . قال تعالى : (قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَى . قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى)[ طه :60]   

 فمدار الربوبية على ثلاثة أمور : 

1- الخلق : فالله خالق كل شيء ، وما سواه مخلوق . قال تعالى : ( اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ) [الزمر : 62]، وقال : ( وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً )[ الفرقان : 2].وكل خلق أضيف إلى غيره فهو خلق نسبي ؛ بمعنى التشكيل، والتأليف، والتقدير، لا الإنشاء من العدم كقوله : ( فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ) [المؤمنون : 14]

2- الملك : فالله المالك ، وما سواه مملوك . قال تعالى : ( أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ) [البقرة : 107]، وقال : (وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ) [آل عمران :189]، وقال : ( قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء ) [آل عمران : 26]، وقال : (وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ ) [الإسراء : 111]، وقال : (ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ )[ فاطر : 13]. وكل ملك أضيف إلى أحد سواه ، فهو ملك نسبي، مؤقت، جزئي ، كما في قوله : ( يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ ) [غافر : 29]، وقوله : ( أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ )[ النساء : 3]. قال تعالى : (إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ )[ مريم : 40].

3- الأمر : فلله الأمر كله ، وما سواه مأمور . قال تعالى : ( قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ ) [آل عمران :154]، وقال : ( أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ) [الأعراف : 54]، وقال : (وَقُضِيَ الأَمْرُ وَإِلَى اللّهِ تُرْجَعُ الأمُورُ )[ البقرة : 210]. وقال لنبيه : ( لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ ) [آل عمران : 128]، فكيف بمن دونه .وقال : ( لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ )[ الروم : 4]. فهو الآمر وحده في خلقه ، وما أضيف إلى غيره من أمر، كقوله: ( فَاتَّبَعُواْ أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ ) [هود : 97]، فهو أمر نسبي ، داخل تحت مشيئته ؛ إن شاء أمضاه ، وإن شاء منعه .

وأمره ، سبحانه ، يشمل الأمر الكوني ، والشرعي ، فأما الكوني ، فنافذ لا محالة، وهو مرادف للمشيئة، قال تعالى : ( إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) [يس : 82]، وأما الشرعي فهو محل الاختبار ، وهو مرادف للمحبة؛  فقد يقع وقد لا يقع . وكل ذلك داخل في عموم مشيئته ، كما قال : ( لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ . وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ )[ التكوير : 28-29].

وبقية صفات ربوبيته ، سبحانه ، ترجع إلى هذه الأمور الثلاثة ؛ الخلق ، والملك، والأمر ، كالرَّزق ، والإحياء ، والإماتة ، وإنزال الغيث ، وإنبات الأرض ، وتصريف الرياح ، وإجراء الفلك ، وتعاقب الليل والنهار ، والحمل ، والوضع ، والصحة ، والمرض ، والعز ، والذل ، وغيرها .

وهذا الإيمان بربوبيته ، سبحانه ، مركوز في الفطر، مدرك ببداهة العقول، محسوس في الكون، موفور في النصوص . ومن دلائل ذلك في كتاب الله :

( إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) [البقرة : 164]

( تُولِجُ اللَّيْلَ فِي الْنَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الَمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَن تَشَاء بِغَيْرِ حِسَاب ) [آل عمران : 27]

( إِنَّ اللّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ . فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَاناً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ . وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُواْ بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ . وَهُوَ الَّذِيَ أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ . وَهُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبّاً مُّتَرَاكِباً وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انظُرُواْ إِلِى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) [الأنعام : 95-99]

     وإنما وقع في هذا الباب ضلال جزئي ، من قبل طوائف متعددة ، حيث أشركوا في الربوبية ، مثل :

1- الثنوية من المجوس ، والمانوية : القائلون بأن للعالم خالقين : إله النور ؛ يخلق الخير ، وإله الظلمة ؛ يخلق الشر ! وهم متفقون على أن النور خير من الظلمة ، ومختلفون في الظلمة ؛ هل هي قديمة ، أم محدثة ؟

2- النصارى : القائلون بالتثليث ؛ فيجعلون الإله الواحد ، بزعمهم ، ثلاثة أقانيم : الأب ، والابن ، وروح القدس .

3- بعض مشركي العرب : الذين يعتقدون في آلهتهم شيئاً من النفع والضر .

4- القدرية النفاة : القائلون : ( العبد يخلق فعل نفسه ) خلقاً مستقلاً عن الله .

وكل هذه الضلالات مدفوعة بدلالة الفطرة ، والعقل ، والحس ، والشرع على وحدانية الرب سبحانه في خلقه، وملكه، وأمره . قال تعالى : ( مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ )[ المؤمنون : 91]. فالإله الحق لا بد أن يكون خلاقاً، فعالاً لما يريد، فلو كان معه شريك لكان يخلق ويفعل! وحينئذ لا يخلو الحال من أحد احتمالين :

1- إما أن يذهب كل إله بخلقه، ويستقل بسلطانه:وهذا الاحتمال يأباه انتظام العالم.

2- وإما أن يقع بينهما مغالبة واستعلاء : فلو أراد أحدهما تحريك جسم، وأراد الآخر تسكينه، أو أراد أحدهما إحياء شيءٍ ، وأراد الآخر إماتته ، فإما أن يحصل مرادهما، أو مراد أحدهما، أو لا يحصل مراد أيٍ منهما. والأول والثالث ممتنعان، لأنهما نقيضان؛ لا يجتمعان،ولا يرتفعان، فتعين الثاني؛ فمن حصل مراده فهو الإله القادر،والآخر لا يصلح للإلهية. فآل الأمر إلى إثبات ربٍ واحد؛ خالقٍ واحد،وملكٍ واحد،ومدبر واحد .



التعليقات ( 0 )