• ×

د. أحمد القاضي

التوحيد ليس متناً يحفظ

د. أحمد القاضي

 0  0  1.4K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

التوحيد ليس متناً يحفظ

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ونبيه محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد:

إن التوحيد ليس متنًا يحفظ ولا قواعد تستظهر، بل التوحيد حقيقة تقوم في القلب وتظهر آثارها على الجوارح، فلهذا كان الناس على درجات متفاوتة في هذا الأصل العظيم فمن الناس من يبلغ في التوحيد أعلى الدرجات، أرأيتم إبراهيم عليه السلام حين ألقاه قومه من شاهق في النار المضطرمة وهو يرى ألسنة اللهب تحته ويعلم أنه عما قريب سيصبح شواءً تأكله النار، فما كان منه إلا أن قال: حسبنا الله ونعم الوكيل([1]).

مثال آخر: أيضًا لإبراهيم عليه السلام بلغ به توحيد الله عز وجل أن قَدَّمَ مَحَابَّ الله وَمَرَاضِيهِ على مَحَابِّ نفسه، حتى إنه لـمَّا أمره ربه أن يذبح ابنه فلذة كبده قال له: {يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى} [الصافات:102]، هو لا يستشيره ولكنه يتلطف إليه بالعرض، فما تدري أتعجب من الأب أم تعجب من الإبن، {قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ} [الصافات:102]،  فقال الله عز وجل: {فَلَمَّا أَسْلَمَا} [الصافات:103]، هذا هو التوحيد، {فَلَمَّا أَسْلَمَا}، أي استسلما لله، وخَلَّصَا قلبيها من التعلق بما يخالف مراد الله عز وجل، ووقع ذلك بالفعل والعمل، قال: {وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ} [الصافات:103]، كما يصنع من يريد أن يذبح الشاة حين يشد رأسها ليجر السكين على الحلق، حينئذ وقع مراد الله عز وجل وتحقق التوحيد، قال تعالى: {وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} [الصافات:104- 107]، أرأيتم كيف يكون التوحيد.

فهذا مثال على إمام الموحدين في الأولين وهو إبراهيم عليه السلام.

وإمام الموحدين في الآخرين محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم يَبْلُغُ به أن يقول: «وَاللهِ يَا عَمَّ لَوْ وَضَعُوا الشَّمْسَ فِي يَمِينِي وَالقَمَرُ فِي يَسَارِي عَلَى أَنْ أَدَعْ هَذَا الأَمْرُ مَا تَرَكْتَهُ أَوْ أَمُوتُ دُونِهِ».

ولما أحاطت به قريش تبحث عنه ووقفوا على فم الغار في الهجرة قال له أبو بكر رضي الله عنه: يا رسول الله لو نظر أحدهم موضع قدميه لرآنا، فقال له: «لَا تَحْزَنَ إِنَّ اللهَ مَعَنَا، يَا أَبَا بَكْرٍ مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللهُ ثَالِثُهُمَا»([2]).

فبهذا نعلم أن التوحيد درجات متفاوتة، من الناس من يخلص قلبه لله عز وجل فيأتي بقلب سليم، قال ربنا عز وجل على لسان نبيه إبراهيم: {وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ * يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الشعراء:87- 89]، قال ابن القيم: (القلب السليم: هو الذي قد سلم من كل شهوة تخالف أمر الله ونهيه ومن كل شبهة تعارض خبره فسلم من عبودية ما سواه وسلم من تحكيم غير رسوله فسلم في محبة الله مع تحكيمه لرسوله في خوفه ورجائه والتوكل عليه والإنابة إليه والذل له وإيثار مرضاته في كل حال والتباعد من سخطه بكل طريق)([3]).

ومن الموحدين من يشوب توحيدهم نوع رياء، نوع حضور دنيا، نوع شهوات، نوع شبهات، فهو سُلَّمٌ متفاوت المراتب فالناس فيه ليسوا سواءً بل يتفاوتون بحسب ما قاموا به من معرفة الله والقيام بعبوديته.

وأكمل الناس إيمانًا من قام في قلبه من معرفة الله بمقتضى أسمائه وصفاته أكثر من غيره، ولهذا ينبغي على كل مؤمن أن يتعلم هذا الباب وهو باب العلم بالله بأسمائه وصفاته ومعرفة معانيها وآثارها ومقتضياتها، فإنها إذا وَقَرَت في القلب وسكنته نشطت الجوارح لعبادة الرب سبحانه وتعالى فيحمله ذلك ويُورِثُهُ محبة الله والانقياد إليه وخوفه ورجائه، وهذه هي أمهات العبادات القلبية، فتأتي أعماله كلها موافقة لمراد الله سبحانه وتعالى وينال بذلك درجة الصديقية.

ومعنى الصديق: هو الذي بلغ الغاية في التصديق، ثم إنه لا يبقى على هذا بل يحمله ذلك على تكميل غيره كما أنه كَمَّلَ نفسه بالعلم النافع والعمل الصالح يحمله ذلك على تكميل غيره بدعوة غيره إلى دين الله ودلالتهم على سبل الهدى، قال الله تعالى: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا} [الأنعام:122].

ومثل المؤمن كمثل رجل يحمل في يده مشعلاً مضيئًا يضيء لنفسه ويضيء لغيره، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ} [يونس:9]، فالإيمان هدى إذا استنار القلب بنور الإيمان جعل الله لصاحبه فرقانًا بين الحق والباطل وأذهب عنه الحَزَنَ وشرح صدره وأنار قلبه ووفقه إلى كل هدى.


([1]) صحيح البخاري (4536).

([2])أخرجه البخاري في كتاب المناقب- باب مناقب المهاجرين وفضلهم منهم أبو بكر رضي الله عنه (3653)، ومسلم في كتاب فضائل الصحابة- باب من فضائل أبي بكر الصديق رضي الله عنه (2381)، من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

([3]) إغاثة اللهفان (1/7).



التعليقات ( 0 )