• ×

محمد السيد هلال

أخبروه أن الله يحبه

محمد السيد هلال

 0  0  1.9K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

أخبروه أن الله يحبه

الحمد لله نحمده, ونستعينه, ونستهديه, ونستغفره, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا, ومن سيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له, ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن  لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمدا عبده ورسوله .

أما بعد:

عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أُمَّهُ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, وَكَانَتْ فِي حَجْرِ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ "رَجُلًا عَلَى سَرِيَّةٍ, وَكَانَ يَقْرَأُ لِأَصْحَابِهِ فِي صَلَاتِهِمْ فَيَخْتِمُ بِقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ: فَلَمَّا رَجَعُوا ذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: (سَلُوهُ لِأَيِّ شَيْءٍ يَصْنَعُ ذَلِكَ) فَسَأَلُوهُ فَقَالَ: "لِأَنَّهَا صِفَةُ الرَّحْمَنِ, وَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَقْرَأَ بِهَا" فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أَخْبِرُوهُ أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّهُ).

الشرح:

ما أجمل هذه البشرى, ويا سعد هذا الرجل الذي بشره النبي صلى الله عليه وسلم بحب الرحمن, فلتتأمل حلوة هذه الحروف (أَخْبِرُوهُ أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّهُ) هذا فضل الله يأتيه من يشاء, اللهم إنا نسألك حبك وحب من يحبك وحب كل عمل يقربنا إليك اللهم أمين.

شرح ألفاظ الحديث:

رَجُلًا عَلَى سَرِيَّةٍ: أميراً عليهم.

السرية: كغَنِيَّةٍ: قِطْعَةٌ مِن الجَيْشِ، فَعِيلَةٌ بمعْنَى فاعِلَةٍ، لأنَّها تَسْري في خُفْيَةٍ لَيْلاً لئَلاَّ يَنْذَر بهم العَدُوُّ فيَحْذروا ، وهي (مِنْ خَمْسةِ أَنْفُسٍ إلى ثَلَثمِائَةٍ) أَو هي مِن الخَيْل نحو ( أَرْبعمائَةٍ )([1])

قوله: "فيختم بـقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ": أي يختم قراءته بهذه السورة.

 قال ابن دقيق العيد: يدل على أنه كان يقرأ بغيرها، والظاهر أنه كان يقرأ: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) مع غيرها في ركعة واحدة، ويختم بها في تلك الركعة، وإن كان اللفظ يحتمل أن يكون يختم بها في آخر ركعة يقرأ فيها السورة"([2]).

قولها: "فَلَمَّا رَجَعُوا ذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" لما استنكروا فعله, ذكروه للنبي صلى الله عليه وسلم, وإنما استنكروه لأنه مخالف لما عهدوه من عمل النبي صلى الله عليه وسلم, وأصحابه في صلاتهم.  

قوله صلى الله عليه وسلم (سَلُوهُ لِأَيِّ شَيْءٍ يَصْنَعُ ذَلِكَ) فيها الاستفصال قبل الإنكار على من أتى بفعل مخالف للمعتاد.([3])  

فَسَأَلُوهُ فَقَالَ: "لِأَنَّهَا صِفَةُ الرَّحْمَنِ, وَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَقْرَأَ بِهَا"

قال ابن دقيق العيد: قوله (لِأَنَّهَا صِفَةُ الرَّحْمَنِ) يحتمل أن يراد به: أن فيها ذكر صفة الرحمن كما إذا ذكر وصف فعبر عن ذلك الذكر بأنه الوصف, وإن لم يكن ذلك الذكر نفس الوصف, ويحتمل أن يراد به غير ذلك؛ إلا أنه لا يختص ذلك بقل هو الله أحد, ولعلها خصت بذلك لاختصاصها بصفات الرب تعالى دون غيرها([4]).

وقال شيخ الإسلام: تضمنت هذه السورة من وصف اللّه سبحانه وتعالى الذي ينفي قول أهل التعطيل وقول أهل التمثيل، ما صارت به هي الأصل المعتمد في مسائل الذات.([5])

والصفة هي: الاسم الدال على بعض أحوال الذات...وهي الأمارة اللازمة بذات الموصوف الذي يعرف بها. ([6])

قوله صلى الله عليه وسلم: (أَخْبِرُوهُ أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّهُ).

قال شيخ الإسلام:  فأقره النبي صلى الله عليه وسلم على تسميتها صفة الرحمن([7]).

وقال: وهذا يقتضي أن ما كان صفة لله من الآيات, فإنه يستحب قراءته, والله يحب ذلك, ويحب من يحب ذلك, ولا خلاف بين المسلمين في استحباب قراءة آيات في الصفات, للصلاة الجهرية التي لم يسمعها العامي وغيره([8]).

فيه أثبات الصفة لله:

قال ابن حجر: (وفي حديث الباب حجة لمن أثبت أن لله صفة وهو قول الجمهور، وشذ ابن حزم فقال هذه لفظة اصطلح عليها أهل الكلام من المعتزلة ومن تبعهم، ولم تثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من أصحابه، فإن اعترضوا بحديث الباب فهو من أفراد سعيد بن أبي هلال وفيه ضعف، قال: وعلى تقدير صحته فقل هو الله أحد صفة الرحمن كما جاء في هذا الحديث، ولا يزاد عليه بخلاف الصفة التي يطلقونها فإنها في لغة العرب لا تطلق إلا على جوهر أو عرض كذا قال، وسعيد متفق على الاحتجاج به فلا يلتفت إليه في تضعيفه، وكلامه الأخير مردود باتفاق الجميع على إثبات الأسماء الحسنى، قال الله تعالى :{وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} [الأعراف: 180], وقال بعد أن ذكر منها عدة أسماء في آخر سورة الحشر {لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى}[طه:8], والأسماء المذكورة فيها بلغة العرب صفات ففي إثبات أسمائه إثبات صفاته، لأنه إذا ثبت أنه حي مثلا فقد وصف بصفة زائدة على الذات وهي صفة الحياة، ولولا ذلك لوجب الاقتصار على ما ينبئ عن وجود الذات فقط، وقد قاله سبحانه وتعالى: {سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ} [الصفات:180] فنزه نفسه عما يصفونه به من صفة النقص، ومفهومه أن وصفه بصفة الكمال مشروع)([10])

وفيه أثبات صفة المحبة لله سبحانه وتعالى على حقيقتها على الوجه الذي يليق به سبحانه وتعالى. والنصوص في ذلك كثيرة.

 

قال محمد بن علي الأثيوبي: (الحق أن صفة المحبة ثابتة لله سبحانه وتعالى على حقيقتها على الوجه الذي يليق بجلاله سبحانه وتعالى، ولا يلزم من إثباتها له على هذا الوجه تشبيهه بمخلوقاته، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا، كما أنه لا يلزمنا ذلك حينما نثبت سائر صفات المولى سبحانه، كالسمع، والبصر، والكلام، والعلم، وسائر صفاته، سواءً بسواء، وكما لا يلزمنا أيضًا حينما نثبت له ذاته المقدسة، فإن إثبات الصفات فرع إثبات الذات)([9]).

 

فوائد([11]):

1- فضل سورة الإخلاص واستحباب قراءتها.

2- أن تفضيل بعض القرآن على بعض، عائد لما يحتوى عليه المفضَّل من تمجيد الله والثناء عليه.

3- أن الأعمال يكتب ثوابها بسبب ما يصاحبها من نية صالحة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالسؤال عن القصد من تكريرها.

4- أنه ينبغي أن يكون أصحاب الولايات والقيادات من أهل العلم والفضل والدين.

5- أنه من أحب صفات الله وَتَذوَّق حلاوة مناجاته بها فالله يحبه، لأن الجزاء من جنس العمل.

6- أن إخبار الوالي الأكبر عن أعمال الأمراء والعمال لقصد الإصلاح لا يُعَدُّ وشاية ولا نميمة.

 

([1]) تاج العروس (مادة: سري) (38/264).

([2]) أحكام الأحكام (1/268). مطبعة السنة المحمدية.

([3]) وهذا الاستفصال من الفاعل من هدي النبي صلى الله عليه وسلم, لذا قال لحاطب "ما حملك على ما صنعت" البخاري (3983), وقال لخالد "يا خالد ما حملك على ما صنعت"سنن أبي داود (2721).    

([4]) أحكام الأحكام (1/168).

([5]) مجموع الفتاوى (10/45)دار الوفاء.

([6]) التعريفات للجرجاني (175) دار الكتاب العربي بيروت.

([7]) مجموع الفتاوى (6/340).

([8]) الفتاوى الكبرى (6/327) دار المعرفة.

([9]) ذخيرة العقبى في شرح المجتبى (12/543) دار المعراج.

([10]) فتح الباري (13/356-357) دار الفكر.

([11]) تيسير العلام شرح عمدة الأحكام (176) مكتبة الصحابة.



التعليقات ( 0 )