• ×

د. أحمد القاضي

(هدى للناس)

د. أحمد القاضي

 0  0  1.6K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
إن الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده . أما بعد :
سبحان من حبب الإيمان إلى عباده المؤمنين، وزينه في قلوبهم ! فإذا انقضى رمضان، واستدار الزمان، وأقبل رمضان، تاقت نفوس الصالحين للقياه، واشرأبت أعناقهم لترائي هلاله، وانشرحت صدورهم لصيامه، وقيامه. فكما أن القرآن الذي أنزل في شهر رمضان لا يَخلَق على كثرة الرد، فرمضان أيضاً لا يبلى مع العود.
والله تعالى حكيم في شرعه، كما أنه حكيم في قدره. لمَّا علم الله من حال عباده الخلل والقصور، هيأ لهم مواسم مضاعفة الأجور. ولمَّا علم ما يدركهم من السآمة والفتور، شرع لهم ما يبعث النشاط، ويجلب السرور .
يتوفر كثير من الناس خلال حياته العملية، على الاشتراك في دورة علمية، أو عملية، يشحذ فيها عزمه، ويستنفر طاقته، ليحوز مهارة، وينال شهادة. رمضان دورة مكثفة، ومدرسةٌ متخصصة، بل جامعة تضم بين جنباتها أنواع الهدى :

 
أولاً : هداية إيمانية : قال تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) [البقرة/183]. فغاية الصيام، ومقصوده تحصيل التقوى التي هي أكرم وصف اتصف به العبد : (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) [الحجرات/13] . وسر ذلك، والله أعلم أن الصوم يقمع فورة النفس، وفوعة الهوى، بسبب ما يحصل للصائم من كف النفس عن ملاذها، وكسر حدتها. وكيَّف ذلك بعض أهل العلم تكييفاً عملياً، بكون الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، كما في الحديث الصحيح، فمع الصوم تضيق مجاريه، فلا يصل إلى ما كان يصل إليه في غيره.

 
ثانياً : هداية تعبدية : رمضان مجمع أمهات العبادات :
فهو شهر الصلاة والقيام، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُرَغِّبُ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَأْمُرَهُمْ بِعَزِيمَةٍ، ثُمَّ يَقُولُ: ( مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) رواه أبو داود. وعنه، رضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) متفق عليه.
وهو شهر الزكاة، والصدقة، فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، رضي الله عنهما، قَالَ: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ، حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ) رواه البخاري.
وهو شهر الصوم فرضاً، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) متفق عليه.
وهو شهر الحج الأصغر، فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: لَمَّا رَجَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ حَجَّتِهِ قَالَ لِأُمِّ سِنَانٍ الْأَنْصَارِيَّةِ: ( مَا مَنَعَكِ مِنْ الْحَجِّ ؟) قَالَتْ: أَبُو فُلَانٍ، تَعْنِي زَوْجَهَا، كَانَ لَهُ نَاضِحَانِ، حَجَّ عَلَى أَحَدِهِمَا، وَالْآخَرُ يَسْقِي أَرْضًا لَنَا. قَالَ: ( فَإِنَّ عُمْرَةً فِي رَمَضَانَ تَقْضِي حَجَّةً، أَوْ حَجَّةً مَعِي) رواه البخاري.

 
ثالثاً : هداية خلقية، مسلكية : ذلك أن الصوم يربي الصائم على الصبر، ووالتجلد. والصبر من أمهات الأخلاق، فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، رضي الله عنه،أَنَّ نَاسًا مِنْ الْأَنْصَارِ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَعْطَاهُمْ، ثُمَّ سَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ، حَتَّى إِذَا نَفَدَ مَا عِنْدَهُ، قَالَ: ( مَا يَكُونُ عِنْدِي مِنْ خَيْرٍ، فَلَنْ أَدَّخِرَهُ عَنْكُمْ. وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ، وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ، وَمَا أَعْطَى اللَّهُ أَحَدًا مِنْ عَطَاءٍ أَوْسَعَ مِنْ الصَّبْرِ) رواه أبو داود . وفي الصوم صبر على طاعة الله، وصبر عن معصية الله، وصبر على الأمور المؤلمة. فالصوم مدرسة تربوية، ترفع النفس عن دنايا الأمور، وسفسافها. وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رضي الله عنه، قَالَ:قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( الصَّوْمُ جُنَّةٌ فَإِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يَوْمًا صَائِمًا فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَجْهَلْ فَإِنْ امْرُؤٌ شَتَمَهُ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ إِنِّي صَائِمٌ) رواه أحمد. وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رضي الله عنه، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ وَالْجَهْلَ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ) رواه البخاري.
فالصوم حقاً (هدى للناس) ! فلله درُّ من أدرك هذه المعاني، وحقق هذه المقاصد، ولم يجعل حظه من رمضان الجوع، والعطش، والتعب، والسهر، بل حقق التقوى، والدلَّ الحسن، وحصَّل الخشوع، وسار على السنن.


التعليقات ( 0 )