• ×

المشرف العام

(وَإِلَيْهِ النُّشُورُ)

المشرف العام

 0  0  1.4K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

 قال تعالى (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) الملك51
 

قال ابن القيم: أخبر سبحانه أنه جعل الأرض ذلولاً منقادة للوطءِ عليها وحفرها وشقّها والبناء عليها, ولم يجعلها مستصعبةً ممتنعةً على من أراد ذلك منها. وأخبر سبحانه أنه جعلها مهادًا وبساطًا وفراشًا وكفاتًا[2]. وأخبر أنه دحاها وطحاها وأخرج منها ماءها ومرعاها, وثبّتها بالجبال, ونهج فيها الفجاج[3] والطرق, وأجرى فيها الأنهار والعيون, وبارك فيها وقدَّرَ فيها أقواتها,ومن بركتها أن الحيوانات كلها وأقواتها وأرزاقها تخرج منها. ومن بركتها أنها تحملُ الأذى على ظهرها وتُـخرِج لك من بطنها أحسن الأشياء وأنفعها؛ فتوارى منه كل قبيح وتخرج له كل مليح. ومن بركتها أنها تستر قبائح العبد وفضلات بدنه وتواريها, وتضمّه وتؤويه, وتخرج له طعامه وشرابه, فهي أحملُ شيءٍ للأذى وأعودُه بالنفع, فلا كان من التراب خيرُ منه ولا أبعد عن الأذى منه وأقرب من الخير.

والمقصود أنه سبحانه جعل لنا الأرض كالجمل الذلول الذي كيفما يقاد ينقاد. وحسن التعبير بمناكبها عن طرقها وفجاجا لما تقدّم من وصفها بكونها ذلولا, فالماشي عليها يطأ على مناكبها وهو أعلى شيء فيها, ولهذا فسرت المناكب بالجبال, كمناكب الانسان, وهي أعاليه.

قالوا:وذلك تنبيه على أن المشى في سهولها أيسر.

وقالت طائفة: بل المناكب الجوانب والنواحي, ومنه مناكب الانسان لجوانبه, والذي يظهر أن المراد بالمنكب الأعالي. وهذا الوجه الذي يمشي عليه الحيوان هو العالي من الأرض دون الوجه المقابل له, فان سطح الكرة أعلاها, والمشي إنما يقع في سطحها, وحسن التعبير عنه بالمناكب لما تقدّم من وصفها بأنها ذلول.

ثم أمرهم أن يأكلوا من رزقه الذي أودعه فيها, فذلّلها لهم ووطّأها, وفتق فيها السبل والطرق التب يمشون فيها, وأودعها رزقهم فذكر تهيئة المسكن للانتفاع والتقليب فيها بالمجئ والذهاب, والأكل مما أودع فيه للساكن. ثم نبّه بقوله: (وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) على أنّا في هذا المسكن غير مستوطنين ولا مقيمين بل دخلناه عابري سبيل فلا يحسن أن نتخذه وطنا ومستقرّا, وإنما دخلناه لنتزوّد منه الى دار القرار, فهو منزل عبور لا مستقر حبور[4], ومعبر وممر, ولا وطن مستقر.

فتضمّنت الآية الدلالة على ربوبيّته ووحدانيّته, وقدرته وحكمه ولطفه, والتذكير بنعمه وإحسانه, والتحذير من الركون إلى الدنيا, واتخاذها وطنا ومستقرا, بل نسرع فيها السير إلى داره وجنّته.

فلله ما في ضمن هذه الآية من معرفته وتوحيده, والتذكير بنعمته, والحث على السير إليه, والاستعداد للقائه, والقدوم عليه, والإعلام بأنه سبحانه يطوي هذه الدار كأنها لم تكن, وأنه يحيى أهلها بعدما أماتهم, وإليه النشور.
________________

[1] من كتاب الفرائد لابن القيم

[2] قال الشعبي: بطنها لأمواتكم وظهرها لأحيائكم من قول الشعبي.

[3] الفجاج: الطريق الواسع بين الجبلين.

[4] حبور: سرور



التعليقات ( 0 )