عادل بن عبد الله باريان

بين جبريل عليه السلام والصحابة رضي الله عنهم (7) عدالة الصحابة رضوان الله عليهم

عادل بن عبد الله باريان

 0  0  1.6K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن وآلاه وبعد :
ففي الحلقة الماضية تقدمَّ ذكر فضل الصحابة، ووجوب محبتهم والترضي عليهم والكف عن مساوئهم.
وبقي أن يُعلم أنَّ للرافضة شبهات من النصوص من الكتاب والسنة تقدح في الصحابة – رضوان الله عليهم -، ولا يمكن في هذه العجالة ذكرها والإجابة عنها.
لكن يكفيكَ أيها الموحد –وفقك الله – بأن تعلم بأنَّ المقصودَ من عدالة الصحابة – رضوان الله عليهم أجمعين – ليس هو القول بعصمتهم، ولا بعدم صدور الخطأ منهم.
إذن ما المرادُ بعدالة الصحابة – رضوان الله عليهم - ؟
الجواب : اعلم وفقني الله وإياك أنه ليس المقصود من العدل أن يكون بريئاً من كل ذنب، وإنما المراد أن يكون الغالب عليه التدين الموافق للكتاب وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، والتحري في فعل الطاعات.
ومعنى عدالة الصحابة : أنهم لا يتعمدون الكذب على رسول الله، لما اتصفوا به من قوة الإيمان، والتزام التقوى، والمروءة، وسمو الأخلاق والترفع عن سفاسف الأمور.
وفى ذلك يقول الإمام الشافعي : " لو كان العدل من لا ذنب له لم نجد عدلاً، ولو كان كل مذنب عدلاً لم نجد مجروحاً، ولكن العدل من اجتنب الكبائر؛ وكانت محاسنه أكثر من مساويه " [1].
و كذلك لا بدَّ أن تعلم – بارك الله فيك – أنَّ الصحابة من جملة البشر، فلهم أخطاء وذنوب ومعاصي.
وكذلك لا بدَّ أن تعلم – رعاك الله – أنَّ من كان ينتسبُ ظاهراً أنه من الصحابة وهو في حقيقته من المنافقين وهؤلاء منهم من كان في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما في صحيح مسلم من حديث حذيفة بن اليمانرضي الله عنه صاحب سر رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنافقين قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم في أمتي - وفى رواية - في أصحابي أثنا عشر منافقاً فيهم ثمانيةٌ لا يدخلون الجنة، ولا يجدون ريحها حتى يَلِجَ الجَمَلُ فى سم الخياط. ثَمانيةٌ منهم تَكْفِيكُهُمُ الدُّبِيْلَةُ، سِرَاجٌ من النارِ، يظهرُ فى أكتافِهِم حتى يَنْجُمَ من صُدَورِهِم"[2].
فهذا يدل على أنهم قليلون، لأنه عليه الصلاة والسلام عدهم.
أو أنَّ المراد بالأصحاب: هم الذين ينسبون إلى الصحبة، كما قررَّ ذلك النووي – رحمه الله – فقال : ( قوله صلى الله عليه وسلم : ( في أصحابي ) فمعناه الذين ينسبون إلى صحبتي، كما قال في الرواية الثانية : ( في أمتي ) ) اهـ.[3]
أو الذين نكصوا بعد وفاته عليه الصلاة والسلام ؛ كما في الصحيحين بقوله صلى الله عليه وسلم : "… ألا وإنه سَيْجَاءُ برجالٍ من أمتي فيؤخذُ بِهمْ ذات الشمال، فأقول : يا ربِّ أُصيحَابى، فيقال : إنك لا تدرى ما أحدثوا بعدك فأقول كما قال العبد الصالح : (وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ)[4] فيقال : إن هؤلاء لا يَزَالوا مُرْتَدِّينَ على أعقابِهِم منذ فَارَقْتَهُم" [5].
والجواب عن هذه الشبهة : أن يقصد بالصحابة هم المنتمونَ إليه، وليسوا منه.
وفي الحديث إشارة إلى قلة عددهم ؛ لكونه جاء بالتصغير. وقد نصَّ على هذا الخطابي – رحمه الله -.[6]
ثمَّ أدرك – سددك الله – أنَّ الله قد يمتنُّ عليهم بأعمال صالحة تكفر تلك الخطايا والسيئات، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب حين أرادَ أن يضرب عنق الصحابي حاطب بن أبي بلتعة – رضي الله عنه - "يا ابن الخطاب وما يدريك لعل الله قد اطلع على أهل هذه العصابة من أهل بدر فقال : اعملوا ما شئتم فإني قد غفرت لكم " اهـ[7]
و لتعلم – وفقك الباري – إلى أنه وإن صدرت منهم الخطايا فإنَّ الله قد أخبرَ بأنه تاب عن بعضها، فالذنوبُ عند أهل السنة والجماعة لا تخرج عن دائرة الإسلام.
و لتتأمل معي – أخي المسلم – هذه الآية ورددها مراراً، وهي قوله تبارك وتعالى : (إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ وَلَقَدْ عَفَا اللّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ )[آل عمران : 155].
و تأمل هذه الآية في غزوة حنين : (وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ) [التوبة : 25]
ثم قال تبارك وتعالى : (ثُمَّ أَنَزلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا وَعذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ) [التوبة : 26].
فأينَ أولوا العقول الذين يستدلون بمثل هذه النصوص للطعن في جناب الصحابة – رضوان الله عليهم - !!
ألا يفهمُ هؤلاء السياق ؟
ألا يعقلوا ما دلت عليه الآيات.
ففي الآية الأولى : دليلٌ وبرهان على مغفرة الله تبارك وتعالى للصحابة الذين تولوا عندَ القتال.
و في الآية الثانية : إخبارٌ بأنَّ الرب تبارك وتعالى أنزلَ سكينته على رسوله وعلى المؤمنين.
وقد وصف الله تعالى أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأنهم: {أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ} [الفتح:29].
وفي هذا المعنى يقول علي رضي الله عنه: «لقد رأيت أثراً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فما أرى أحداً يشبههم، والله إِنْ كانوا ليصبحون شعثاً غبراً صُفراً بين أعينهم مثل ركب المعزى، قد باتوا يتلون كتاب الله يراوحون بين أقدامهم وجباههم، إذا ذُكر الله مادوا كما تميد الشجرة في يوم ريح، فانهملت أعينهم حتى تبل والله ثيابهم، والله لكأن القوم باتوا غافلين».[8]. [9]
و أما الوقوع في الصحابة بسبب ما حصلَ بينهم من قتال، فلتعلم أولاً أنَّ هذا القتال الذي حصلَ بينهم – رضي الله عنهم - غيرُ مكفرٍ.
و أما استدلال الرافضة بقوله صلى الله عليه وسلم " لا ترجعوا بعدى كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض ".
فالجواب : أنَّ إطلاق الكفر على قتال المؤمن ليس على ظاهره، لدلالة قوله تبارك وتعالى : (وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ) [الحجرات : 9].
يقول الحافظ ابن كثير : " وبهذا استدل البخاري[10] وغيره على أنه لا يخرج عن الإيمان بالمعصية وإن عظمت، لا كما يقوله الخوارج ومن تابعهم من المعتزلة ونحوهم، وهكذا ثبت في صحيح البخاري من حديث الحسن، عن أبى بكرة رضي الله عنه قال : رأيت رسول الله على المنبر- والحسن بن علي إلى جنبه- وهو يقبل على الناس مرة، وعليه أخرى ويقول : إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين [11].
فكان كما قال صلى الله عليه وسلم، أصلح الله تعالى به بين أهل الشام، وأهل العراق، بعد الحروب الطويلة، والواقعات المهولة" [12].
وأكثر الصحابة – رضوان الله عليهم – كانوا ممن اعتزلوا الفتنة، ويدل لذلك :
رواية معمر بن راشد، عن أيوب السختياني، عن محمد بن سيرين أنه قال : لما حدثت الفتنة كان عدد الصحابة عشرة آلاف،لم (يخف منهم أربعون رجلا )[13] ونفس الرواية ذكرها أبو بكر الخلال بإسناد صحيح، عن عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن أبيه، عن اسماعيل-ابن علية- عن أيوب- السختياني- عن محمد بن سيرين، أن قال : (( هاجت الفتنة وأصحاب رسول الله –صلى الله عليه وسلم- عشرة آلاف، فما حضر فيها مائة، بل لم يبلغوا ثلاثين ))[14]. فهتان الروايتان صريحتان في أن من جملة عشرة آلاف صحابي لم يشارك منهم في الفتنة إلا قلة قليلة لا تصل إلى أربعين شخصاً.[15]
والطبري روى بإسناده عن الشعبي أنه قال : (( بالله الذي لا إله إلا هو ما نهض في تلك الفتنة-دون تحديد للمعركة- إلا ستة بدريين ما لهم من سابع، أو سبعة ما لهم ثامن ))[16]. وفي رواية أخرى عن الشعبي أنه قال : (( بالله الذي لا إله إلا هو، ما نهض في ذلك الأمر إلا ستة بدريين، ما لهم من سابع ))[17].
ومن الشواهد على ذلك : أن علي بن أبي طالب –رضي الله عنه- لما طلب من أهل المدينة الخروج معه للتصدي لأهل مكة والشام، تثاقل عنه أكثرهم، ولم يستجب له إلا ما بين : 4-7 من البدريين[18]. وهذا يعني أن المدينة - عاصمة الخلافة الإسلامية -، التي كان يسكنها كثير من الصحابة، لم يخرج منهم مع علي إلا عدد قليل.
فالحذر الحذر من التنقص والتعرض لجناب أصحاب محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم.
قال الذهبي: -رحمه الله- " فمن طعن فيهم أو سبهم، فقد خرج من الدين ومرق من ملة المسلمين؛ لأن الطعن لا يكون إلا عن اعتقاد مساويهم، وإضمار الحقد فيهم، وإنكار ما ذكره الله تعالى في كتابه من ثنائه عليهم، وما لرسول الله صلى الله عليه وسلم من ثنائه عليهم وبيان فضائلهم ومناقبهم وحبهم...
إلى أن قال– والطعن في الوسائط طعن الأصل، والازدراء بالناقل ازدراء بالمنقول، هذا ظاهر لمن تدبره، وسلم من النفاق، ومن الزندقة والإلحاد في عقيدته". [19]
وقال الشيخ محمد صديق حسن خان القنوجي : " والعجب كل العجب من علماء الإسلام وسلاطين هذا الدين كيف تركوهم {أي الرافضة} على هذا المنكر البالغ في القبح إلى غايته ونهايته، فإن هؤلاء المخذولين لما أرادوا رد هذه الشريعة المطهرة ومخالفتها، طعنوا في أعراض الحاملين لها، الذين لا طريق لنا إليها إلا من طريقهم، واستذلوا أهل العقول الضعيفة والإدراكات الركيكة بهذه الذريعة الملعونة والوسيلة الشيطانية، فهم يظهرون السب واللعن لخير الخليقة، ويضمرون العناد للشريعة ورفع أحكامها عن العباد ".[20]
وأخيراً : " إنما الإسلام كدار لها باب، فباب الإسلام الصحابة، فمن آذى الصحابة ؛ إنما أراد الإسلام، كمن نقر الباب - أي نقبه - إنما يريد دخول الدار، قال : فمن أراد معاوية فإنما أراد الصحابة " [21].
وما أجمل قول الذهبي السابق آنفاً حيث قال : ( والطعن في الوسائط طعن الأصل، والازدراء بالناقل ازدراء بالمنقول، هذا ظاهر لمن تدبره، وسلم من النفاق، ومن الزندقة والإلحاد في عقيدته). [22]

 

[1] - ينظر : الروض الباسم في الذب عن سنة أبى القاسم لابن الوزير اليمانى 1/28 .
[2] - أخرجه مسلم كتاب صفات المنافقين وأحكامهم 9/136، 137 رقم 2779 .
[3] - شرح النووي على مسلم - (ج 9 / ص 156).
[4] - جزء من الآية 117 من سورة المائدة.
[5] - أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب التفسير، باب قوله تعالى : "وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ " 8/135 رقم 4625، ومسلم (بشرح النووى) كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب فناء الدنيا وبيان الحشر يوم القيامة 9/210 رقم 2860 من حديث ابن عباس .
[6] - فتح البارى 8/135،136.
تتمة :
هذا الحديث يسميه بعض أهل العلم – رحمهم الله – بحديث الحوض، ومن الأوجه للرد على من يستدل بهذا الحديث على كفر الصحابة – رضوان الله عليهم – من خلال هذه الأوجه :
الوجه الأول : أن المراد بهم أناس ممن أسلموا ولم يحسن إسلامهم، كأولئك الذين في أطراف الجزيرة وحصلت الردة منهم بعد ذلك، أو الذين منعوا الزكاة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
وأما المهاجرون والأنصار فقد ثبتوا على إيمانهم، وقاتلوا المرتدين، ونشروا الإسلام في أصقاع الأرض، ولذا يقول الإمام جعفر الصادق رضي الله عنه: «كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اثني عشر ألفا، ثمانية آلاف من المدينة، وألفان من مكة، وألفان من الطلقاء، ولم ير فيهم قدري ولا مرجئ ولا حروري ولا معتزلي ولا صاحب رأي، كانوا يبكون الليل والنهار، ويقولون: اقبض أرواحنا من قبل أن نأكل خبز الخمير». الخصال: (640)، البحار: (22/305)، حدائق الأنس: (200).
الوجه الثاني : إن لفظ الصحابي في اللغة – لا الاصطلاح الشرعي - يشمل المنافق، فيحتمل أن يريد النبي صلى الله عليه وآله وسلم المنافقين الذين لم يعرفهم أو لم يظهر له نفاقهم، وقد قال تعالى: {لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ}. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لما طلب منه قتل عبدالله بن أبي سلول
فقال عليه الصلاة والسلام : («لا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّهُ كَانَ يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ». رواه البخاري في صحيحه.
الوجه الثالث : أن الله سبحانه وتعالى أخبر أنه غفر للمهاجرين والأنصار الذين خرجوا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في غزوة تبوك: {لَقَدْ تَابَ اللهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ} [التوبة:117]. وفي هذا دلالة قاطعة على ثباتهم على الإيمان.
انظر كتاب : الصحابة والمنافقون في صدر الإسلام. تأليف : عبدالله بن سليمان الشايع.
[7] - أخرجه الحاكم فى المستدرك كتاب معرفة الصحابة، باب ذكر أهل بدر 4/87 رقم 6966، وقال : هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبى .
[8] - رواه أبو نعيم في الحلية: (1/76).
[9] - وموقف الرافضة من النصوص الواردة في الثناء على الصحابة – رضوان الله عليهم – لهم فيه عدة مسالك :
ومن أشهرها عندهم : أنَّ هذا الثناء من الله تبارك وتعالى لهم، ثم بعد ذلك سخطَ الله عليهم، والجواب أن يقال : الله سبحانه وتعالى لم يخبر أنه سخط على من بايع تحت الشجرة كما أخبر برضاه عنهم.
وأما من قال بأن الرضا حصل لدقائق محدودة ثم سخط عليهم بعد ذلك، فيقال له:
هل كان الله يعلم أنهم سيبدلون أم لا؟ فإن قال: لا، فهي طامة ؛ حيث اتهم الله بالجهل عياذاً بالله! وإن قال: نعم، فيقال: كيف يجعل الله الرضا يتلى إلى يوم القيامة وهو يعلم أن الفضل لن يستمر إلا سنواتٍ محدودة ثم يبدلون؟! فقائل هذا كأنه يصف القرآن بغش الأمة.. وحاشا ذلك أن يكون!.
فقالوا بأنها لا تدل على فضل الصحابة رضي الله عنهم؛ لأن الله قال في آخرها: {وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ} فمنهم للتبعيض أي بعضهم، وهو من آمن وعمل صالحاً فلا تشمل جميع من كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم.
وهكذا كل آية لا تروق لهم يحاولون صرفها وتأويلها، حتى لو أدى ذلك إلى ضرب القرآن بعضه ببعض.
وقول الشيعة بالتبعيض في هذه الآية ضرب لبعض القرآن ببعض؛ وذلك من عدة وجوه:
الأول: أن حصر «من» في قوله سبحانه: {مِنْهُمْ} بأنها تبعيضية تَحكُّم بلا دليل، ولا يجوز القول على الله بغير علم!!
الثاني: أن أوّل الآية لم يذكر إلا من آمن وعمل الصالحات: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ}.
فهذه الصفات لا يتصف بها غيرُ المؤمنين، والمؤمنون كلهم أهل للمغفرة والثواب، ولو أن الآية شملت المنافقين لصح قولنا بأن «منهم» للتبعيض، ولكنها لم تذكر إلا صنف المؤمنين الصادقين والذين وصفهم الله بقوله: {سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْوَانًا} فتأمل!
وقد لجأ بعض الشيعة إلى القول بالتبعيض؛ لعلمهم بدلالة الآية على فضل من كان مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والذين جاهدوا معه في حياته، وبعد وفاته جاهدوا المرتدين، ومدَّعي النبوة، ومانعي الزكاة، وهم الذين فتحوا الأمصار، وفتحوا بلاد فارس والروم.
الثالث: أن هذا الوصف -كما نصت الآية- قد جاء في التوراة والإنجيل، فهو وصف وثناء عليهم قبل أن يُخلقوا، ولو كانوا سيبدلون ويغيرون لاستحقوا الذم لا المدح..
ولهذا فآخر الآية تأكيد لما سبق، ولا يمكن أن تناقض كلمات الله بعضها بعضاً.. وكذا القرآن لابد أن يؤخذ بجميعه؛ فلا يؤخذ بعضُه ويترك البعضُ الآخر، ولا يؤخذ جزءٌ من آية ويترك الجزءُ الآخر منها..
ومن ادعى أن سيبدلون ويغيرون فقد وصف الله تعالى بغش الأمة وتضليلها، بل وغش المؤمنين من بني إسرائيل ممن أَنْزَلَ عليهم التوراة والإنجيل، وذكر لهم هذه الأوصاف الموجبة لمحبتهم والدعاء لهم.
وعليه يكون معنى (من) في الآية أحد أمرين:
الأمر الأول: إما أنها لبيان الجنس، أي: وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات من جنس هؤلاء وأمثالهم مغفرةً وأجراً عظيماً، وذلك كقوله سبحانه: {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ} [الحج:30] أي: من جنس هذه الأوثان، وليس معناها: اجتنبوا الرجس من الأوثان وأما باقي الأوثان فلا تجتنبوها! وهذا ما ذكره علماء أهل السنة كما ذكره بعض علماء الشيعة.
والأمر الثاني: أن تكون مؤكدة، أي: وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات من هؤلاء بالذات مغفرةً وأجراً عظيماً، وذلك مثل قوله سبحانه: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} [الإسراء:82] وليس قوله: {مِنَ الْقُرْآَنِ} أي: بعض القرآن شفاء ورحمة وبعضه ليس كذلك، بل (مِن) هناك مؤكدة فكذلك هنا. معاني القرآن للنحاس: (4/187)، فتح القدير للشوكاني: (3/253).
انظر كتاب : الصحابة والمنافقون في صدر الإسلام. تأليف : عبدالله بن سليمان الشايع.
[10] - صحيح البخارى : باب المعاصى من أمر الجاهلية ولا يكفر صاحبها بإرتكابـها إلا بالشرك لقوله صلى الله عليه وسلم لأبى ذر : "إنك امرؤ فيك جاهلية" وقول الله تعالى : "إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء" وباب "وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ" فسماهم مؤمنين 1/106 رقم 30، 31 .
[11] - أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الصلح، باب قول النبىصلى الله عليه وسلم للحسن بن على رضي الله عنهما"إن ابنى هذا سيد … الحديث" وقوله جل ذكره "فأصلحوا بينهما" 5/361 رقم 2704 0
[12] - تفسير القرآن العظيم لابن كثير 4/211 .
[13] - معمر بن راشد : الجامع، ج 11ص: 357.
[14] - الخلال : السنة، ج2 ص: 466.و احمد بن حنبل : العلل ومعرفة الرجال، ج3 ص: 182.
[15] - وأما ما رواه الحاكم النيسابوري بإسناده عن محمد بن علي الصنعاني، عن اسحاق بن إبراهيم، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن محمد بن سيرين، أنه قال : ثارت الفتنة والصحابة عددهم 10 آلاف، لم يخف فيها منهم إلا أربعون رجلا. ووقف مع علي بن أبي طالب مائتان وبضع وأربعون رجلا من أهل بدر، منهم : أبو أيوب،و سهل بن حنيف،و عمار بن ياسر.فهو خبر لا يصح -بهذه الصيغة -، متنا ولا إسنادا، فمتنها متناقض، لأنه نص على أنه لم يشارك في الفتنة إلا أربعون صحابيا، ثم يذكر مباشرة أن أكثر من 240 صحابيا بدريا وقفوا مع علي بن أبي طالب ! أليس هذا تناقض صارخ؟! وهذا المتن المتناقض ترده أيضا، الروايتان الصحيحتان اللتان سبقا ذكرهما عن محمد بن سيرين.
وأما إسنادها، فمن رجاله : إسحاق بن إبراهيم بن عباد الديري (ت 283هـ)، وهو ضعيف، روى عن عبد الرزاق أحاديث منكرة ورواية الحاكم هذه تعرضت للتلاعب والتحريف على يد بعض رواتها، قد يكون إسحاق بن إبراهيم بن عباد الديري، وربما تعرضت لذلك خطأ لا عمدا. وذلك أن الرواية في أصلها عند معمر بن راشد تختلف عن رواية الحاكم، وفيها أن محمد بن سيرين قال : لما حدثت الفتنة، كان عدد الصحابة 10 آلاف، لم (( يخف منهم أربعون رجلا ))، ثم قال معمر- مباشرة – وقال غيره خف مع علي بن أبي طالب، مائتان وبضعة وأربعون، من أهل بدر، منهم : أبو أيوب،و سهل بن حنيف، وعمار بن ياسر. فرواية معمر الأصلية، فيها روايتان، الأولى عن محمد بن سيرين وفيها مجموع الصحابة وعدد من شارك منهم في الفتنة. والثانية خاصة بالذين قاتلوا مع علي من الصحابة، وقد رواها معمر عن غير محمد بن سيرين، وهذا الغير مجهول، وقد عبر عنه معمر بقوله : (( وقال غيره )) دون أن يعرفنا به. لكن رواية الحاكم أدمجت الخبرين في رواية واحدة هي لابن سيرين، لذلك جاءت متناقضة. مع العلم أن الخبر الثاني الذي ورد في رواية معمر، لا يصح لأنه يفتقد إلى الإسناد،و متنه ترده الروايتان الصحيحتان اللتان سبقا ذكرهما،و لأنه أيضا يرده الخبر الأول الصحيح عن ابن سيرين في رواية معمر بن راشد.
وذكر الحافظ ابن حجر العسقلاني، أن جمهور الصحابة خاضوا في الفتنة،و قاتلوا فيها. انظر / الإصابة، ج13 ص: 41.
وهذا لا يوافق عليه لما سبق بيانه من ذكر الشواهد التأريخية على ذلك.
وانظر في هذه المسألة / الصحابة المعتزلون للفتنة الكبرى. د.خالد كبير علال.
[16] تاريخ الطبري، ج3 ص: 6.
[17] نفسه، ج3 ص: 6.
تتمة : ما رواه اليعقوبي (ت 292 هـ) من أنه شارك مع علي 1100صحابي، وقدرهم المسعودي ( ت346 هـ) ب : 2800 صحابي. فهو زعم باطل لا دليل عليه، لأن الروايات الصحيحة السابقة الذكر، تبطل ما زعمه اليعقوبي والمسعودي. ولأن المصنفات الأخرى التي أرخت للفتنة لم تذكر ذلك العدد الكبير، لا من حيث الأسماء ولا من حيث العدد. كما أن مبالغة هذين المؤرخين في العدد من ورائها النزعة الشيعية، فهما شيعيان متطرفان كما هو واضح في كتابيهما.
و الشيعة عند المحقيقين لا وزن لرواياتهم، لأنهم يتعمدون الكذب .
كما أنه لا يخفى علينا أن المؤرخّين اليعقوبي والمسعودي، لم يذكرا للخبر – الذي زعماه- إسنادا، لكي ننقده ونتعرف على صحته من سقمه.
وحتى إذا افترض جدلا صحة ما زعمه اليعقوبي والمسعودي، فإن عدد الصحابة المشاركين في الفتنة يبقى قليلا، والمعتزلون لها يبقى عددهم كبيرا، لأن مجموع عدد الصحابة –عند بداية الفتنة- قدر ب: 10 آلاف، فأين 2800 صحابي الذين زعم المسعودي أنهم كانوا مع علي، من ذلك المجموع العام ؟ !.
انظر في هذه المسألة / الصحابة المعتزلون للفتنة الكبرى. د.خالد كبير علال.
[18] ابن كثير : المصدر السابق، ج7 ص: 231ن 234.
[19] - الكبائر ص 285.
[20] - الدين الخالص 3/404.
[21]- إجابة الإمام النسائى لما سئل عن سيدنا معاوية رضي الله عنه. ينظر : تـهذيب الكمال للحافظ للمزى 1/339 ترجمة الإمام النسائي.
[22] - الكبائر ص 285.


التعليقات ( 0 )