• ×

عادل بن عبد الله باريان

بين جبريل عليه السلام والصحابة رضي الله عنهم (5)

عادل بن عبد الله باريان

 0  0  1.3K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله نبينا محمد بن عبدالله و على آله وصحبه ومن وآلاه وبعد :
فأستكمل بقية الفوائد المستنبطة من الآية الكريمة -مستعيناً بالله تعالى- :
9- لا تجوز معاداة الصحابة رضوان الله عليهم ؛ لوجود العلة التي عللَّ الله بها عمنَّ سبَّ جبريل عليه السلام.
فالله أمر نبيه أنَّ من سبَّ جبريل فينبغي أن نقولَ له ( قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ) .
و كذلك العلة منطبقة على الصحابة – رضوان الله عليهم – فلا تجوزُ مسبتهم ؛ لأنه بلغوا لنا هذا القرآن حتى وصلَ إلينا بلا زيادة ولا نقصان .
فمن هنا يتبين وجه الشبه بين الصحابة – رضوان الله عليهم – و بين جبريل
عليه الصلاة و السلام – فكلاهما مبلغٌ لكلام الله تبارك وتعالى .
قال الإمام مالك واصفاً الذين يقدحون في الصحابة : ( إنما هؤلاء أقوام أرادوا القدح في النبي صلى الله عليه وسلم فلم يمكنهم ذلك ، فقدحوا في أصحابه حتى يقال رجل سوء و لو كان رجلاً صالحاً لكان أصحابه صالحين ). [1]
وقال ابن تيمية رحمه الله : ( الطعن فيهم - أي في الصحابة - طعن في الدين ).[2]
قال الإمام أحمد بن حنبل لما سئل عن رجل تنقص معاوية ، وعمرو بن العاص أيقال له رافضي ؟ فقال : " إنه لم يجترئ عليهما إلا وله خبيئة سوء ، ما انتقص أحدٌ أحداً من الصحابة إلا وله داخلة سوء" وفى رواية أخرى قال : " إذا رأيت رجلاً يذكر أحداً من الصحابة بسوء فاتهمه على الإسلام " [3]
ويُسئل الإمام النسائى عن معاوية بن أبى سفيان - رضى الله عنهما - فيقول : " إنما الإسلام كدار لها باب ، فباب الإسلام الصحابة ، فمن آذى الصحابة إنما أراد الإسلام ، كمن نقر الباب - أى نقبه - إنما يريد دخول الدار، قال : فمن أراد معاوية فإنما أراد الصحابة[4]
وقال الإمام الحافظ أبى زُرْعة الرازي- رحمه الله تعالى- : " إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله ، فاعلم أنه زنديق ، وذلك أن الرسول عندنا حق ، والقرآن حق ، وما جاء به حق ، وإنما أدى إلينا هذا القرآن ، والسنن ، أصحاب رسول الله ، وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة ، والجرح بهم أولى ، وهم زنادقة " [5]
وصدق شمس الأئمة السرخسى : " الشريعة إنما بلغتنا بنقلهم فمن طعن فيهم فهو ملحد , منابذ للإسلام , دواؤه السيف إن لم يتب " [6]
فالواجبُ تجاههم –رضوان الله عليهم - : محبتهم ، تصديقاً لثناء الله تبارك وتعالى لهم ، كقوله تعالى {والذين آمنوا و هاجروا و جاهدوا في سبيل الله والذين آووا و نصروا أولئك هم المؤمنون حقاً ، لهم مغفرة و رزق كريم } الأنفال/74 .
ففي هذه الآية وصف الله تعالى عموم المهاجرين والأنصار بالإيمان الحق ومن شهد الله له بهذه الشهادة فقد بلغ أعلى مرتبة العدالة .
و قوله تعالى { والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم } التوبة/100 .
فالله تعالى أخبر في هذه الآية برضاه عنهم ولا يثبت الله رضاه إلا لمن كان أهلاً للرضا ، ولا توجد الأهلية لذلك إلا لمن كان من أهل الاستقامة في أموره كلها عدلاً في دينه .
و قوله تعالى { لقد رضي الله عنه المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحاً قريباً } [الفتح/18 ].
و هذه الآية كذلك فيها دلالة واضحة على تعديل الصحابة الذين كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية، و وجه دلالة الآية على تعديلهم أن الله تعالى أخبر برضاه عنهم وشهد لهم بالإيمان وزكاهم بما استقر في قلوبهم من الصدق والوفاء والسمع والطاعة ولا تصدر تلك التزكية العظيمة من الله تعالى إلا لمن بلغ الذروة في تحقيق الاستقامة على وقف ما أمر الله به .
و قوله تعالى : { محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعاً سجداً يبتغون فضلاً من الله و رضواناً ، سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة و مثلهم في الإنجيل .. الآية } [الفتح/29] .
فهذا الوصف الذي وصفهم الله به في كتبه و هذا الثناء الذي أثنى به عليهم لا يتطرق إلى النفس معه شك في عدالتهم .
و أنه مع محبتهم لا يجوزُ سبهم ، فقد روى البخاري (2/292) بإسناده إلى أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه ) .
فقد نهى صلى الله عليه وسلم بعض من أدركه وصحبه عن العرض لمن تقدمه لشهود المواقف الفاضلة فيكون من بعدهم بالنسبة لجميعهم من باب أولى .
فالصحابة كلهم عدول بتعديل الله لهم و ثنائه عليهم و ثناء رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فليسوا بحاجة إلى تعديل أحد من الخلق .
و قد أجمع أهل السنة والجماعة على أن الصحابة جميعهم عدول بلا استثناء من لابس الفتن و غيرها ولا يفرقون بينهم .
فالكل عدول إحساناً للظن بهم و نظراً لما أكرمهم الله به من شرف الصحبة لنبيه عليه الصلاة والسلام ولما لهم من المآثر الجليلة من مناصرتهم للرسول صلى الله عليه وسلم والهجرة إليه والجهاد بين يديه والمحافظة على أمر الدين والقيام بحدوده فشهاداتهم و رواياتهم مقبولة دون تكلف عن أسباب عدالتهم بإجماع من يعتد بقوله .
و قد نقل الإجماع على عدالتهم جم غفير من أهل العلم ، و من تلك النقول :-
1 - قال الخطيب البغدادي بعد أن ذكر الأدلة من كتاب الله و سنة رسول الله التي دلت على عدالة الصحابة وأنهم كلهم عدول ، قال : [ هذا مذهب كافة العلماء ومن يعتد بقوله من الفقهاء ] .[7]
2 - قال ابن عبد البر : [ و نحن وإن كان الصحابة رضي الله عنهم قد كفينا البحث عن أحوالهم لإجماع أهل الحق من المسلمين و هم أهل السنة والجماعة على أنهم كلهم عدول فواجب الوقوف على أسمائهم ] .[8]
3 - قال الحافظ ابن حجر: [ اتفق أهل السنة على أن الجميع عدول و لم يخالف ذلك إلا شذوذ من المبتدعة ] . [9]
أما الرافضة فهم يعتقدون أن الصحابة الكرام رضي الله عنهم ليسوا بعدول بل يعتقدون ضلال كل من لم يعتقد أن النبي صلى الله عليه وسلم نص على أن الخليفة من بعده هو علي رضي الله عنه ، و يعتقدون أن جميع الناس هلكوا وارتدوا بعد أن قُبض النبي صلى الله عليه وسلم إلا نفراً يسيراً منهم يعدون بالأصابع ، و سبب تكفيرهم لهم أنهم يزعمون أنهم بايعوا بالخلافة غير علي رضي الله عنه ولم يعملوا بالنص عليه ، ومعتقدهم هذا طافحة به كتبهم . [10]
فقد روى الكشي منهم وهو عندهم أعرفهم بحال الرجال وأوثقهم في رجاله وغيره عن الإمام جعفر الصادق [11]رضي الله عنه وحاشاه من ذلك أنه قال : " لما مات النبي صلى الله عليه وسلم ارتد الصحابة كلهم إلا أربعة : المقداد و حذيفة وسلمان وأبو ذر رضي الله عنهم فقيل له : كيف حال عمار بن ياسر ؟ قال: حاص حيصة ثم رجع " .
قال الشيخ محمد بن عبدالوهاب – رحمه الله – معلقاً على هذا :
(هذا العموم المؤكد يقتضي ارتداد علي وأهل البيت ، ، وهم لا يقولون بذلك ، وهذا هدم لأساس الدين لأن أساسه القرآن والحديث ، فإذا فرض ارتداد من أخذ من النبي صلى الله عليه وسلم إلا النفر الذين لا يبلغ خبرهم التواتر وقع الشك في القرآن والأحاديث ، نعوذ بالله من اعتقادٍ يُوجب هدم الدين . وقد اتخذ الملاحدة كلام هؤلاء الرافضة حجة لهم فقالوا : كيف يقول الله تعالى ( كنتم خير أمة أُخرجت للناس ) وقد ارتدوا بعد وفاة نبيهم إلا نحو خمسة أو ستة أنفس منهم لامتناعهم من تقديم أبي بكر على علي وهو الموصى به.
فانظر إلى كلام هذا الملحد تجده من كلام الرافضة ، فهؤلاء أشد ضرراً على الدين من اليهود والنصارى ، وفي هذه الهفوة الفساد من وجوه: فإنها تُوجب إبطال الدين والشك فيه ، وتجوّز كتمان ما عُورض به القرآن ، وتجوّز تغيير القرآن ، وتخالف قوله تعالى ( رضي الله عن المؤمنين ) وقوله تعالى ( رضي الله عنهم ورضوا عنه ) وقوله في من آمن قبل الفتح وبعده ( وكلاً وعد الله الحسنى ) وقوله في حق المهاجرين والأنصار ( أولئك هم الصادقون ) ، ( وأولئك هم المفلحون ) وقوله ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونا شهداء على الناس ) وقوله ( كنتم خير أمة أُخرجت للناس ) وغير ذلك من الآيات والأحاديث الناصة على أفضلية الصحابة واستقامتهم على الدين ، ومن اعتقد ما يخالف كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فقد كفر ، ما أشنع مذهب قوم يعتقدون ارتداد من اختاره الله لصحبة رسوله ونصرة دينه ) . [12]
ولا زال الحديث مستمراً عن صحابة رسولنا الكريم رضوان الله عليهم أجمعين .
وصلى الله وسلمَّ على نبيه الأمين محمد ، وعلى جبريل الرسول ، الكريم ،القوي ، المطاع الأمين ، المقرَّب من رب العالمين .

 

[1] - الصارم المسلول (ص 553) .
[2] - منهاج السنة (1/18) .
[3]- البداية والنهاية 8/142 0
[4] تـهذيب الكمال للحافظ للمزى 1/339 ترجمة الإمام النسائى0
[5] رواه الخطيب فى الكفاية ص 97، والحافظ ابن حجر فى الإصابة 1/10 0
[6] أصول السرخسى 2/132 0
[7] - في الكفاية (ص 67) .
[8] - الاستيعاب حاشية على الإصابة (1/8) .
[9] - في الإصابة (1/17) .
[10] - راجع كتبهم : الاختصاص للمفيد (ص 6) و كتاب الروضة من الكافي للكليني حديث رقم (356) . وغيرها من الكتب .
[11] - هو جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، الملقب بالصادق ، افترى عليه الروافض و نسبوا إليه أشياء كثيرة مكذوبة ، قال الذهبي في السير في ترجمته 1 / 255 : ( وكان يغضب من الرافضة و يمقتهم إذا علم أنهم يتعرضون لجده أبي بكر ظاهراً و باطناً ... ) .
[12] - رسالة في الرد على الرافضة ، للشيخ محمد بن عبدالوهاب التميمي . ص 52 .


التعليقات ( 0 )