• ×

د. أحمد القاضي

العقيدة و(التعارف)

د. أحمد القاضي

 0  0  1.8K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده . أما بعد :
فإن المؤمن بطبعه هين، لين، يألف، ويؤلف، يلقي السلام على من يعرف، ومن لا يعرف. وقد جاءت نصوص كثيرة ترسم هذه السمات النفسية لأهل الإيمان، منها :
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) [الحجرات/13]، وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُّ الْإِسْلَامِ خَيْرٌ؟ قَالَ: (تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ) متفق عليه، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( حُرِّمَ عَلَى النَّارِ كُلُّ هَيِّنٍ، لَيِّنٍ، سَهْلٍ، قَرِيبٍ مِنْ النَّاسِ) رواه أحمد، والطبراني .
وكان من نتيجة هذه السمة الحسنة انتشار الإسلام، وقبوله بين العالمين؛ من شتى الأعراق، واللغات، والبلدان، بالقدوة الحسنة، والمُثُل العليا التي كان يتحلى بها جيل الصحابة، والتابعين لهم بإحسان .
وقد كان تعرف المؤمنين على غيرهم تعرفاً واعياً، ولم يكن استكشافاً ساذجاً، فقد نبأهم الله من أخبارهم، وعرفهم بأحوالهم، فأدركوا الدور المناط بهم، والرسالة التي يحملونها للبشرية، فاستخدموا هذا المخزون المعرفي لدعوة الناس إلى الحق، ونقد ما هم عليه من انحراف .
وتحت ضغط الحالة الحضارية المتخلفة للمسلمين، والهزيمة النفسية التي تسكن نفوس كثير من المبهورين بالحضارة المادية المعاصرة، حاول بعض المتحدثين أن يعيد صياغة مفهوم (التعارف)، ويخرجه عن مراد الله، ويوظفه لمقاصد تفضي إلى نزع سمة التميز والخيرية عن الأمة، وتسلبها رسالتها الربانية.
يفسر بعض العصرانيين مفهوم (التعارف) بما يدل على مجرد (التعرف) وحسب! يقول د. أحمد صدقي الدجاني: (والإسلام يقرر أن الله خلق الناس من ذكرٍ وأنثى، وجعلهم شعوباً وقبائل ليتعارفوا... أحد الأهداف التي لها أولوية، هدف التعارف، الذي يتحقق من خلال معرفة الآخر على حقيقته، وتصحيح الصورة الذهنية عنه، الحـافـلـة بـركـامٍ من الأحكام المسبقة، وسوء الفهم، اللذين يفرقان بين أتباع الديانتين) وهو معنى يوحي بأن المراد بـ (التعارف) في آية الحجرات : استكشاف الآخر المجهول، ووصف الصورة الذهنية التي رسمها الكتاب والسنة عن الديانات المحرفة بالخطأ وسوء الفهم، وكأن ذلك من أساطير الأولين، وليس من حكيم عليم !
ويطوِّح بعضهم في تفسير (التعارف) ليحمله وزراً ثقيلاً، زاعماً أنه يدل على الدعوة إلى تكوين قيم إنسانية مشتركة ! يقول د. يوسف الحسن : (هذه هي رسالة الحضارة القائمة على الإيمان بوحدة الأصل البشري، وعلى مبدأ التعارف، والتسامح الثقافي في مواجهة نفي الآخرين، وعلى الرغبة المشتركة في بلورة قيمٍ إنسانية، تبطل المناخات المفعمة بالمخاوف) تُرى! هل كان النبي صلى الله عليه وسلم، وأصحابه معنيين بتأليف موسوعة في القيم الإنسانية، أم بالدعوة إلى (كلمةٍ سواء) مضمونها: (أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ) [آل عمران/64]
ويشطح فريق ثالث، فيفسر (التعارف) بـ (الاعتراف) ! يقول د. موسى الكيلاني بعد استدلاله بالآية السابقة: (فالمعرفة هي محور الحوار، والاعتراف المتبادل هو ركنه، وأسُّه).
وينحط فريق رابع، أعطى الدنية في دينه، ولم ينعم باستعلاء الإيمان ، حين يفسر (التعارف) بـ (طلب الاعتراف) من الآخر الكافر، واستجدائه ! يقول د. رضوان السيد: (وبدا من ناحية أخرى توق المسلمين الشديد، ليعترف بهم المسيحيون ديناً مستقلاً، كما اعترف بهم الإسلام باعتبارهم أهل كتاب). سبحانك هذا بهتان عظيم ! أين الدليل على أن المسلمين كانوا يتوقون إلى انتزاع اعتراف من النصارى بصحة دينهم ؟ إن هذه الدعوى أقرب إلى التعبير عن شعور الكاتب، منها إلى الحقيقة. لقد كان المسلمون يدعون الناس جميعاً إلى الدخول في السلم كافةً، واتباع الرسول الخاتم، والإيمان بالكتاب الناسخ المهيمن .
وبعيداً عن هذه الدركات الأربع، في تفسير (التعارف) بالتعرف تارة، وببلورة قيم مشتركة، تارة أخرى، وبالاعتراف ثالثةً، وبطلب الاعتراف رابعةً، نجد المفسرين المعتبرين يقولون غير ذلك قال ابن جرير رحمه الله: (وقوله «لتعارفوا» يقول: ليعرف بعضكم بعضاً في النسب). وقال ابن كثير رحمه الله: (أي ليحصل التعارف بينهم، كل يرجع إلى قبيلته). وهذه طريقة عامة المفسرين. فعلام التعني ، ولم التكلف ؟


التعليقات ( 0 )