• ×

عادل بن عبد الله باريان

بين جبريل عليه السلام والصحابة رضوان الله عليهم (2)

عادل بن عبد الله باريان

 0  0  2.9K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ، أما بعد :
في هذا المقال أبدأ بذكر هداية الآيات التي ذكرت معانيها في المقال السابق :
فمن هداية الآيات :
1 – بيان عداوة اليهود لجبريل عليه السلام .
قال الإمام أبو جعفر بن جرير الطبري رحمه الله : أجمع أهل العلم بالتأويل جميعًا على أن هذه الآية نزلت جوابًا لليهود من بني إسرائيل، إذ زعموا أن جبريل عدو لهم، وأن ميكائيل ولي لهم .[1]
قال أبو جعفر: ... فالله يقول لنبيه: قل يا محمد - لمعاشر اليهود من بني إسرائيل، الذين زعموا أن جبريل لهم عدو، من أجل أنه صاحب سطوات وعذاب وعقوبات، لا صاحب وحي وتنزيل ورحمة، فأبوا إتباعك، وجحدوا نبوتك، وأنكروا ما جئتهم به من آياتي وبينات حكمي، من أجل أن جبريل وليك وصاحب وحيي إليك، وزعموا أنه عدو لهم -: من يكن من الناس لجبريل عدوا، ومنكرا أن يكون صاحب وحي الله إلى أنبيائه، وصاحب رحمته، فإني له ولي وخليل، ومقر بأنه صاحب وحي إلى أنبيائه ورسله، وأنه هو الذي ينزل وحي الله على قلبي من عند ربي، بإذن ربي له بذلك،يربط به على قلبي، ويشد فؤادي ) .[2]
و في صحيح البخاري قال عبد الله بن سلام للنبي صلى الله عليه وسلم : ( إن جبريل عليه السلام عدو اليهود من الملائكة )[3]
و سبب عداء اليهود لجبريل عليه السلام : لأنهم لا يريدونَ أن يكونَ هناك نبياً من العرب ؛ بل يريدونه من بني إسرائيل .
لذلك هم يحسدون العرب على أن بُعثَ فيهم آخر الأنبياء و خاتم المرسلين ، كما قال تعالى : (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكاً عَظِيماً ) [النساء : 54] .
و من ثمَّ لجئوا إلى الطعن في الواسطة بين محمد و بين الله تبارك وتعالى في إنزال الوحي ، و هو جبريلُ عليه السلام .
فمنهم من يقول عنه : إنه صاحب فضاضة و غلضة و شدة و أنه لا ينزلُ إلاَّ بالبأس و العذاب ، بخلاف ميكائيل فإنه ينزل بالرحمة . إلى غير تلك الشتائم لرسول الله جبريل عليه السلام .
2 – لا حقَّ لليهود ولا لغيرهم كالرافضة ممن طعنوا في جبريل عليه السلام ، وذلك أن الأقرب في سبب عداوتهم له أنه كان ينزل القرآن على محمد عليه السلام لأن قوله : { مَن كَانَ عَدُوّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ على قَلْبِكَ بِإِذْنِ الله } فهو مشعرٌ بأن هذا التنزيل لا ينبغي أن يكون سبباً للعداوة لأنه إنما فعل ذلك بأمر الله فلا ينبغي أن يكون سبباً للعداوة ، وتقريرُ هذا من وجوه :
أولها : أن الذي نزله جبريل من القرآن بشارة المطيعين بالثواب وإنذار العصاة بالعقاب والأمر بالمحاربة والمقاتلة لما لم يكن ذلك باختياره بل بأمر الله الذي يعترفون أنه لا محيص عن أمره ولا سبيل إلى مخالفته فعداوة من هذا سبيله توجب عداوة الله وعداوة الله كفر ، فيلزم أن عداوة من هذا سبيله كفر .
وثانيها : أن الله تعالى لو أمر ميكائيل بإنزال مثل هذا الكتاب فإما أن يقال : إنه كان يتمرد أو يأبى عن قبول أمر الله وذلك غير لائق بالملائكة المعصومين أو كان يقبله ويأتي به على وفق أمر الله فحينئذ يتوجه على ميكائيل ما ذكروه على جبريل عليهما السلام فما الوجه في تخصيص جبريل بالعداوة ؟ .
وثالثها : أن إنزال القرآن على محمد كما شق على اليهود ، فإنزال التوراة على موسى شق على قوم آخرين ، فإن اقتضت نفرة بعض الناس لإنزال القرآن قبحه فلتقتض نفرة أولئك المتقدمين إنزال التوراة على موسى عليه السلام قبحه ومعلوم أن كل ذلك باطل فثبت بهذه الوجوه فساد ما قالوه .[4]
3 – محبة الملائكة من أصول الإيمان عند أهل السنة والجماعة ، فالإيمان بالملائكة أحدُ أركان الإيمان ، كما في حديث جبريل عليه السلام الطويل المشهور ، الذي سماه ابن دقيق العيد – رحمه الله – ( أم السنة ) ، و جاء فيه : ( والإيمانُ : أن تؤمن بالله ، وملائكته ، وكتبه ، ورسله ، واليوم الآخر ، وبالقدر خيره وشره ) .
قال تبارك وتعالى : ( الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ ) ( رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدتَّهُم وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) [غافر :7 – 8- 9] .
فمن وجدَ في نفسه شيئاً على الملائكة – والعياذ بالله - :
1 – فليقرأ الآيات السابقة من سورة غافر ، فإنها بلا شك ستملأ قلبه لهم محبةً و تعظيماً.
2 – أن يعلم أنهم عباد الله ( لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) [التحريم : 6] .
3 – أنهم يستغفرون للذين آمنوا ، كما في الآيات السابقة ، و السرُّ في ذلك :
أنه جمعتهم بالمؤمنين من البشر رابطة الإِيمان ، فهي التي ربطتهم بهم ؛ لأن المؤمنين إخوة واستغفارهم هو طلب المغفرة من الله للمؤمنين من عباده . كما في صحيح البخاري - (ج 10 / ص 494) عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها يا عائشة هذا جبريل يقرأ عليك السلام فقالت وعليه السلام ورحمة الله وبركاته .
ومن الملائكة الذين ينبغي وتنبغي محبتهم أكثر من غيره هو جبريل عليه السلام وذلك لما تميزَّ به من صفات حباه الله إليها ووصفه بها :
وقد وردت لجبريل عليه السلام عدد من الصفات كما في قوله تبارك وتعالى : { إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ 19 ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (20) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (21) وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (22) وَلَقَدْ رَآهُ بِالأفُقِ الْمُبِينِ (23) } سورة التكوير .
فتضمنت ست صفات :
الصفة الأولى : أنه رسولٌ من الله تبارك وتعالى . لقوله { إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ }.
الصفة الثانية : أنه كريم ، كما في قوله تعالى : { إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ } .
ووصفه الله بالكريم لكرم أخلاقه، وكثره خصاله الحميدة، فإنه أفضل الملائكة، وأعظمهم رتبة عند ربه .[5]
الصفة الثالثة : أنه قوي . وذلك لقوله : ( ذي قوة ) ، وهذا كقوله تعالى { عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى} [النجم: 5، 6]، أي: شديد الخَلْق، شديد البطش والفعل .[6]
الصفة الرابعة : أنه مطاع أمره عند الملائكة .
الصفة الخامسة : أنه أمين . فقد وصفه الرب تبارك وتعالى بكونه أميناً ، و قد تعجبَّ ابن كثير – رحمه الله – عندَ تفسيره لهذه الآية فقال : ( وقوله: { أَمِينٍ } صفة لجبريل بالأمانة، وهذا عظيمٌ جدا أن الرب عز وجل يزكي عبده ورسوله الملكي جبريل كما زكى عبده ورسوله البشري محمدا صلى الله عليه وسلم بقوله: { وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ } ) .[7]
الصفة السادسة : أنَّ له مكانة و منزلة رفيعة عند الرب تبارك وتعالى وسبحانه . لقوله تعالى :{ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ } أي: له مكانة عند الله عز وجل ومنزلة رفيعة .
وهذه الصفات يدل توافرها في جبريل عليه السلام يدل على شرف القرآن عند الله تعالى، فإنه بعث به هذا الملك الكريم، الموصوف بتلك الصفات الكاملة. والعادة أن الملوك لا ترسل الكريم عليها إلا في أهم المهمات، وأشرف الرسائل.[8]
ومن صفاته كذلك : أنه روح القدس ، كما قال تبارك وتعالى : (قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ ) [النحل : 102] .
ومعناه الروح المقدس . أي الطاهر من كل ما لا يليق .[9]
وهناك بعض الصفات و النكات استخلصتها لروح القدس جبريل عليه السلام من بعض النصوص :
1 – أنه عدلٌ ؛ لأنه أمَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة ، والأصلُ أنَّ الإمام عدلٌ ، و لا يتولى هذا المنصب إلاَّ العدل ، هذا مع آحاد الأمة ، فكيف إذا كان يصلي برسول الله صلى اله عليه وسلم .
ففي الصحيحين عن بشير بن أبي مسعود يقول سمعت أبا مسعود يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( نزل جبريل فأمني فصليت معه ثم صليت معه ثم صليت معه ثم صليت معه ثم صليت معه يحسب بأصابعه خمس صلوات ) .
وفي لفظٍ لمسلم : عن ابن شهاب أن عمر بن عبد العزيز أخر العصر شيئا فقال له عروة أما إن جبريل قد نزل فصلى إمام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له عمر اعلم ما تقول يا عروة .
2 – أنه كان يدارس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن ، ففي صحيح البخاري - (ج 10 / ص 497) عن ابن عباس رضي الله عنهما قال (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل وكان جبريل يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن فلرسول الله صلى الله عليه وسلم حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة) .
3 – أنَّ جبريل عليه السلام رقى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والراقي لا يكون إلاَّ ثقة هذا في آحاد الناس ، فكيف بمن يرقي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كما في صحيح مسلم - [ج 11 / ص 173] عن أبي سعيد أن جبريل أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : (يا محمد اشتكيت ) فقال : نعم . قال : ( باسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك من شر كل نفس أو عين حاسد الله يشفيك باسم الله أرقيك).
وفي صحيح مسلم - [ج 11 / ص 172] عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت ( كان إذا اشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم رقاه جبريل قال : باسم الله يبريك ومن كل داء يشفيك ومن شر حاسد إذا حسد وشر كل ذي عين ) .
4 – أنَّ جبريل عليه السلام هو الذي ينزل بالوحي من عند الله تبارك وتعالى ، لكن لا يمنع من هذا أن ينزلَ غيره بالوحي ، و قد دلَّ على هذا المعنى عدة نصوص ، ومن أصحها و أشهرها ما جاء في صحيح مسلم عن ابن عباس قال : بينما جبريل قاعد عند النبي صلى الله عليه وسلم سمع نقيضا من فوقه فرفع رأسه فقال هذا باب من السماء فتح اليوم لم يفتح قط إلا اليوم فنزل منه ملك فقال هذا ملك نزل إلى الأرض لم ينزل قط إلا اليوم فسلم وقال أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك : فاتحة الكتاب ، وخواتيم سورة البقرة ، لن تقرأ بحرف منهما إلا أعطيته .
5 – أنه عليه السلام كان يلقن رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن ، كما في صحيح البخاري- (ج 1 / ص 6) عن ابن عباس في قوله تعالى{ لا تحرك به لسانك لتعجل به }
قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعالج من التنزيل شدة وكان مما يحرك شفتيه فأنزل الله تعالى { لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه } ،قال جمعه لك في صدرك وتقرأه .
{ فإذا قرأناه فاتبع قرآنه } قال : فاستمع له وأنصت .
{ ثم إن علينا بيانه } : ثم إن علينا أن تقرأه فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك إذا أتاه جبريل استمع فإذا انطلق جبريل قرأه النبي صلى الله عليه وسلم كما قرأه .
6 – أنَّ الله تبارك وتعالى إذا أحبَّ أحداً من عباده نادى جبريل وأخبره سبحانه أن يحب ذلك العبد ، ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا أحب الله العبد نادى جبريل إن الله يحب فلانا فأحببه فيحبه جبريل فينادي جبريل في أهل السماء إن الله يحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول في الأرض .
7 – أنه عليه السلام عظيم الخلقة ، فقد رآه عليه الصلاة و السلام على صورته التي هو عليها وله ستمائة جناح .
ففي صحيح البخاري - (ج 15 / ص 102) عن الشيباني قال سألت زراً عن قوله تعالى { فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى } . قال أخبرنا عبد الله أن محمدا صلى الله عليه وسلم رأى جبريل له ست مائة جناح.
زاد عاصم عن زر في هذا الحديث " يتناثر من ريشه تهاويل من الدر والياقوت " أخرجه النسائي وابن مردويه ، ولفظ النسائي " يتناثر منها تهاويل الدر والياقوت " .[10]
وفي صحيح مسلم - (ج 1 / ص 414) عن مسروق قال قلت لعائشة فأين قوله { ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى } قالت : إنما ذاك جبريل صلى الله عليه وسلم كان يأتيه في صورة الرجال وإنه أتاه في هذه المرة في صورته التي هي صورته فسد أفق السماء .
وهذا العظم من جبريل عليه السلام نستفيدُ منه درساً مهماً في العقيدة ، لاسيما عند دراسة صفات الرب تبارك وتعالى ، فإذا علمتَ أيها الموحد – رعاك الله- عظمة المخلوق فهذا يدلك على عظمة الخالق تبارك وتعالى .
و يفيدك أيضاً – أسعدك الله بطاعته – أن لا تحمل ما تسمعه من صفات الله سبحانه وتعالى على ما تشاهده من صفات المخلوقين .
لأنَّ الرب تبارك وتعالى ليس كمثله شيء ، و لا يشبهه شيء من خلقه .
فما خطرَ ببالك ، فالله فوقَ ذلك .
فبعض الناس تشتبه عليهم بعض صفات الله كالنزول ، و نحوها فيقول : يلزم من كذا وكذا ، ويلزم من إثبات هذه الصفة لله كذا وكذا من اللوازم التي هي التي استنتجها هو من رأسه ، ولم يرد بها نص ، لذلك الواجب في هذا الباب ، والسلامة في هذا الباب هو الوقوف حيثُ وقف النص ، و إن استطعتَ أن لا تحكَّ شعر رأسك إلاَّ بأثر فافعل .
8 – كان رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم يحب زيارة جبريل عليه السلام ففي صحيح البخاري - (ج 22 / ص 467) عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يا جبريل ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا فنزلت { وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا } .
وذلك لصلاحه وقربه من الرب تبارك وتعالى . و قد استدل بعض أهل العلم على هذا الحديث باستحباب مجالسة الصالحين ، و قد ذكره النووي – رحمه الله- في باب مجالسة الصالحين . في كتابه رياض الصالحين .
9 – أنَّ جبريل عليه السلام شقَّ صدرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك مرتين : الأولى : حينما كان يلعب مع الغلمان ، و الثانية : كانت قبل الإسراء و العروج به إلى السماء .
دليل الأولى : في الصحيحين عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه جبريل صلى الله عليه وسلم وهو يلعب مع الغلمان فأخذه فصرعه فشق عن قلبه فاستخرج القلب فاستخرج منه علقة فقال هذا حظ الشيطان منك ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم ثم لأمه ثم أعاده في مكانه وجاء الغلمان يسعون إلى أمه يعني ظئره فقالوا إن محمدا قد قتل فاستقبلوه وهو منتقع اللون قال أنس وقد كنت أرئي أثر ذلك المخيط في صدره .
دليل الثانية : في الصحيحين عن أنس بن مالك قال كان أبو ذر يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فرج سقف بيتي وأنا بمكة فنزل جبريل صلى الله عليه وسلم ففرج صدري ثم غسله من ماء زمزم ثم جاء بطست من ذهب ممتلئ حكمة وإيمانا فأفرغها في صدري ثم أطبقه ثم أخذ بيدي فعرج بي إلى السماء فلما جئنا السماء الدنيا قال جبريل عليه السلام لخازن السماء الدنيا افتح قال من هذا قال هذا جبريل قال هل معك أحد قال نعم معي محمد صلى الله عليه وسلم قال فأرسل إليه قال نعم ففتح ... الحديثَ .
10 – أدب جبريل عليه السلام حينما يدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم لتبليغ الوحي من الرب تبارك وتعالى ، فيستأذن عليه السلام قبل الدخول.
ففي صحيح مسلم - (ج 5 / ص 102) قالت عائشة ألا أحدثكم عني وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم قلنا بلى قال قالت لما كانت ليلتي التي كان النبي صلى الله عليه وسلم فيها عندي انقلب فوضع رداءه وخلع نعليه فوضعهما عند رجليه وبسط طرف إزاره على فراشه فاضطجع فلم يلبث إلا ريثما ظن أن قد رقدت فأخذ رداءه رويدا وانتعل رويدا وفتح الباب فخرج ثم أجافه رويدا فجعلت درعي في رأسي واختمرت وتقنعت إزاري ثم انطلقت على إثره حتى جاء البقيع فقام فأطال القيام ثم رفع يديه ثلاث مرات ثم انحرف فانحرفت فأسرع فأسرعت فهرول فهرولت فأحضر فأحضرت فسبقته فدخلت فليس إلا أن اضطجعت .
فدخل فقال ما لك يا عائش حشياً رابية ، قالت : قلت : لا شيء .
قال : لتخبريني أو ليخبرني اللطيف الخبير .
قالت : قلتُ : يا رسول الله بأبي أنت وأمي فأخبرته قال فأنت السواد الذي رأيت أمامي قلت نعم فلهدني في صدري لهدة أوجعتني ثم قال أظننت أن يحيف الله عليك ورسوله .
قالت مهما يكتم الناس يعلمه الله نعم .
قال : فإن جبريل أتاني حين رأيت فناداني فأخفاه منك فأجبته فأخفيته منك ولم يكن يدخل عليكِ وقد وضعت ثيابك وظننت أن قد رقدت فكرهت أن أوقظك وخشيت أن تستوحشي فقال إن ربك يأمرك أن تأتي أهل البقيع فتستغفر لهم قالت قلت كيف أقول لهم يا رسول الله قال قولي السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين وإنا إن شاء الله بكم للاحقون .
11 – أنه عليه السلام فيه شبهاً بدحية الكلبي . وهذا في الصحيحين .
ففي صحيح مسلم - (ج 1 / ص 395) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( ورأيت جبريل عليه السلام فإذا أقرب من رأيت به شبها دحية ) .
وفي الصحيحين عن أبي عثمان قال أنبئت أن جبريل أتى النبي صلى الله عليه وسلم وعنده أم سلمة فجعل يتحدث فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأم سلمة من هذا أو كما قال قالت هذا دحية فلما قام قالت والله ما حسبته إلا إياه حتى سمعت خطبة النبي صلى الله عليه وسلم يخبر خبر جبريل أو كما قال قال أبي قلت لأبي عثمان ممن سمعت هذا قال من أسامة بن زيد .
قال ابن حجر : ( دحية ابن خليفة الكلبي الصحابي المشهور ، وكان موصوفا بالجمال ، وكان جبريل يأتي النبي صلى الله عليه وسلم غالبا على صورته ).[11]
12 – أن عليه السلام كان يوصي رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجار و الوصية به ، و هذا يدلُّ على أنه لا ينزلُ بالعقوبات فحسب كما تقوله اليهود .
ففي الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه .
13 – أنه جاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه في غزوتين:
أ – بدر ، لما في صحيح البخاري - (ج 12 / ص 387) من حديث رفاعة بن رافع الزرقي عن أبيه وكان أبوه من أهل بدر قال جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال ما تعدون أهل بدر فيكم قال من أفضل المسلمين أو كلمة نحوها قال وكذلك من شهد بدرا من الملائكة .
وفي صحيح البخاري - (ج 12 / ص 389) عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم بدر هذا جبريل آخذ برأس فرسه عليه أداة الحرب .
ب – الخندق : ففي صحيح البخاري - (ج 9 / ص 389) عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رجع يوم الخندق ووضع السلاح واغتسل فأتاه جبريل وقد عصب رأسه الغبار فقال وضعت السلاح فوالله ما وضعته فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فأين قال ها هنا وأومأ إلى بني قريظة قالت فخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم .
و هناك مشاركة منه عليه السلام في غير هاتين الغزوتين ، كما في صحيح مسلم - (ج 11 / ص 432) عن سعد قال رأيت عن يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن شماله يوم أحد رجلين عليهما ثياب بياض ما رأيتهما قبل ولا بعد يعني جبريل وميكائيل عليهما السلام .
قال النووي : ( فيه بيان كرامة النبي صلى الله عليه وسلم على الله تعالى ، وإكرامه إياه بإنزال الملائكة تقاتل معه ، وبيان أن الملائكة تقاتل ، وأن قتالهم لم يختص بيوم بدر ، وهذا هو الصواب ، خلافا لمن زعم اختصاصه ، فهذا صريح في الرد عليه ).[12]
و بهذا يتبين وجه الشبه بين جبريل عليه السلام وبين الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين :
1 – فكلاهما جاهدا في الله حقَّ جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم .
2 – و كلاهما بلغاَّ لنا هذا الدين حتى وصلَ إلينا ، فالطعنُ في هذين إنما هو طعنٌ في الدين .
3 – أنَّ الرافضة تبغضُ جبريل عليه السلام و كذلك تبغض الصحابة رضوانُ الله عليهم لأمرين :
      الأمر الأول : إمعاناً في التشبه باليهود .
      الأمر الثاني : إفساد الشريعة ، فإنَّ المبلغ إذا فسدَ بطل ما يبلغه .
4 – كلاهما قد زكاه الله تبارك وتعالى ، فقد أثنى الله على رسوله جبريل عليه السلام ، كما أثنى على الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين .
5 – كلاهما واسطة لتبليغ هذا الدين .
فهذه أوجه الشبه بين جبريل عليه السلام وبين الصحابة رضوان الله عليهم، ثمَّ قد أمرَ الرب تبارك وتعالى بأنَّ من عادى جبريل بأن يقول له : إنه لا وجه أبداً لهذا العداء ؛ لأنه نزلَّ هذا الكتاب من عند الله تبارك وتعالى ، و هذا الأمر لا يوجب العداوة ، بل يقتضي المحبة .
كما قال تعالى : (قُلْ مَن كَانَ عَدُوّاً لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللّهِ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ )[البقرة : 97] .
وكذلك من عادى صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإننا نقولُ له : إنهم هم الواسطة بيننا و بين رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كما أنَّ جبريل عليه السلام هو الواسطة بين الرب تبارك وتعالى و بين رسوله البشري محمد صلى الله عليه وسلم .
وقال الإمام الحافظ أبى زُرْعة الرازي- رحمه الله تعالى- : " إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله ، فاعلم أنه زنديق ، وذلك أن الرسول عندنا حق ، والقرآن حق ، وما جاء به حق ، وإنما أدى إلينا هذا القرآن ، والسنن ، أصحاب رسول الله ، وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة ، والجرح بهم أولى ، وهم زنادقة " [13]0
ويُسئل الإمام النسائي عن معاوية بن أبى سفيان - رضي الله عنهما - فيقول : " إنما الإسلام كدار لها باب ، فباب الإسلام الصحابة ، فمن آذى الصحابة إنما أراد الإسلام ، كمن نقر الباب - أي نقبه - إنما يريد دخول الدار، قال : فمن أراد معاوية فإنما أراد الصحابة[14]0
وسوفَ تأتي كنوزُ هذه الآيتين في الحلقات القادمة .
اللهم افتح لنا إنك أنتَ الفتاح العليم .
قال تعالى : (وَهَـذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) [الأنعام : 155] .
وصلى الله وسلم على محمد و على آله وصحبه أجمعين .

 

[1] - تفسير الطبري - (ج 2 / ص 377) .
[2] - تفسير الطبري - (ج 2 / ص 387) .
[3] - صحيح البخاري - (ج 10 / ص 483)
[4] - تفسير الرازي - (ج 2 / ص 232) .
[5] - تفسير السعدي - (ج 1 / ص 912) .
[6] - تفسير ابن كثير - (ج 8 / ص 338) .
[7] - تفسير ابن كثير - (ج 8 / ص 339) .
[8] - تفسير السعدي - (ج 1 / ص 912) .
[9] - أضواء البيان - (ج 3 / ص 80) .
[10] - فتح الباري لابن حجر - (ج 13 / ص 438) .
[11] - فتح الباري لابن حجر - (ج 14 / ص 185) .
[12] - شرح النووي على مسلم - (ج 8 / ص 10) .
[13] - رواه الخطيب فى الكفاية ص 97، والحافظ ابن حجر في الإصابة 1/10 0
[14] - تـهذيب الكمال للحافظ للمزى 1/339 ترجمة الإمام النسائى0


التعليقات ( 0 )