• ×

عادل بن عبد الله باريان

هدهد التوحيد (7)

عادل بن عبد الله باريان

 0  0  1.5K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ، أما بعد :
ففي هذه الحلقة أيضا أكمل بإذن الله تعالى ما ابتدأته من ذكر فوائد من قصة هدهد التوحيد ، أسأل الله سبحانه وتعالى التوفيق والسداد .
24 – وجوب التسليم للنصوص متى صحت وثبتت وعدم معارضتها بحكم أنَّ العقل لا يقبلها .
فهذه القصة تعلمنا هذا الدرس العقدي المهم ؛ لاسيما إذا كانت من الغيبيات ؛ فإنَّ العقل لا مجال له فيها .و ذلك خلافاً لطائفة من الملاحدة الذين أنكروا هذه القصة لمخالفتها للعقل .
و قد حكى قولهم الرزاي في تفسيره فقال:[أن الملاحدة طعنت في هذه القصة من وجوه :
أحدها : أن هذه الآيات اشتملت على أن النملة والهدد تكلما بكلام لا يصدر ذلك الكلام إلا من العقلاء ، وذلك يجر إلي السفسطة ، فإنا لو جوزنا ذلك لما أمنا في النملة التي نشاهدها في زماننا هذا أن تكون أعلم بالهندسة من إقليدس وبالنحو من سيبويه ، وكذلك القول في القملة والصئبان ، ويجوز أن يكون فيهم الأنبياء والتكاليف والمعجزات.
ومعلوم أن من جوز ذلك كان إلى الجنون أقرب .
وثانيها : أن سليمان عليه السلام كان بالشام ، فكيف طار الهدد في تلك اللحظة اللطيفة من الشام إلى اليمن ، ثم رجع إليه .
وثالثها : كيف خفي على سليمان عليه السلام حال مثل تلك المملكة العظيمة مع ما يقال إن الجن والإنس كانوا في طاعة سليمان ، وأنه عليه السلام كان ملك الدنيا بالكلية ، وكان تحت راية بلقيس حال طيران الهدهد إلا مسيرة ثلاثة أيام.
ورابعها : من أين حصل للهدهد معرفة الله تعالي ووجوب السجود له وإنكار سجودهم للشمس وإضافة إلي الشيطان وتزينه) .[1] انتهى كلامه .
و يمكن الإجابة عن هذه الأمور التي أوردوها بما يلي :
أولاً : أما كلام الهدهد والنملة فالله قادرٌ على كل شيء ، بل الله خاطب الجمادات من السموات والأرض كما في قوله تعالى : (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ ) [فصلت : 11] .
و الملاحظ أنَّ الله ذكر في هذه السورة وهي سورة النمل كلام الهدهد والنملة ثم ختمت هذه السورة بعلامةٍ ليوم القيامة وهي خروج الدابة التي تكلم الناس كما قال تبارك وتعالى : (وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِّنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ ) [النمل : 82] .
و جاء في السنة من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تقتتلون أنتم ويهود حتى يقول الحجر يا مسلم هذا يهودي ورائي تعال فاقتله .[2]
و عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود فيقتلهم المسلمون حتى يختبئ اليهودي من وراء الحجر والشجر فيقول الحجر أو الشجر يا مسلم يا عبد الله هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود .[3]
و الشجر والحجر من جملة الجمادات ومع ذلك فقد أخبر الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم بصدور الكلام منهما في آخر الزمان ، فوجبَ الإيمان والتسليم .
ثانياً : فيما يتصل بطيران الهدهد من الشام إلي اليمن ، ثم الرجوع إلى الشام ، فالذي ورد في القرآن الكريم عنه قوله تعالى : ( فمكث غير بعيد .. ) [ النمل : 22 ] ، وليس في القرآن الكريم تحديد أن الهدهد مكث " لحظة " كما يقول هؤلاء ، ولا يفهم من " غير بعيد " في سياقها إلا مدة تكفي للطيران ، وقد قرئت على صفحاء العرب من المشركين في عصر الرسالة – وهم أعلم باللغة ، وكانوا يعرفون اليمن والشام – فما أثاروا – فيما علمنا – هذا الاعتراض ، فعلم منه أن التعبير القرآني يخلوا عن دواعي اعتراض هؤلاء الملاحدة .
ثالثاً : أما خفاء سليمان مملكة سبأ مع أنه أوتي ملكاً عظيماً ، فهذا قد سبقت الإشارة إليه والجواب عنه من أنَّ الأنبياء لا يعلمون الغيب ، وأنَّ علم الغيب مما اختصَّ الله تبارك وتعالى به . قال سبحانه وتعالى : ( قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ) [النمل : 65] .
رابعاً : أما من أين حصل للهدهد معرفة الله تعالى ووجوب السجود له وإنكار سجودهم للشمس وإضافته إلي الشيطان وتزيينه ، فهذا كذلك قد سبق بيانه والجواب عليه من تقرير أنَّ التوحيد ومعرفة الله تبارك وتعالى أمرٌ فطري كما دلت على ذلك النصوص .
و جاءت الأدلة بأنَّ كل ما في السموات والأرض يسجد للرب تبارك وتعالى ، كما قال سبحانه ( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ ) [الحج : 18] .
25 – في قوله تعالى حكاية عن هدهد التوحيد والعقيدة (وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ ) [النمل : 24] .
قد يفهم البعض أنهم لو سجدوا للشمس مع الله تبارك وتعالى فلا بأس به ولا ضيرَ ولا حرج .
و الجواب عن هذا :
أنَّ هذا الفهم باطلٌ ، وذلك ؛ لأنَّ من أشرك مع الله تبارك وتعالى غيره ، فلو عبدَ الله مع هذا الشريك ، فهذه العبادة لا تنفعُ صاحبها .
كما قال الشيخ محمد بن عبدالوهاب – يرحمه الله - : [ فإذا عرفت أن الله خلقك لعبادته فاعلم أن العبادة لا تسمى عبادة إلا مع التوحيد، كما أن الصلاة لا تسمى صلاة إلا مع الطهارة، فإذا دخل الشرك في العبادة فسدت، كالحدث إذا دخل في الطهارة. فإذا عرفت أن الشرك إذا خالط العبادة أفسدها وأحبط العمل وصار صاحبه من الخالدين في النار، عرفت أن أهم ما عليك: معرفة ذلك، لعل الله أن يخلصك من هذه الشبكة وهي الشرك بالله الذي قال الله تعالى فيه: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) ][4]
و قال تبارك وتعالى : ( وَإِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ ) [المائدة : 116] .
و يؤكدُ هذا المعنى الأدلة المتكاثرة في بيان من عبدَ مع الله تبارك وتعالى آلهةً آخرى ، كقوله تعالى : (الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللّهِ إِلـهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ [الحجر : 96] .
وقوله تعالى : (لاَّ تَجْعَل مَعَ اللّهِ إِلَـهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَّخْذُولاً )[الإسراء : 22] .
وقوله تبارك وتعالى : ( ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ اللّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَّدْحُوراً ) [الإسراء : 39] .
و قوله سبحانه : (وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ ) [المؤمنون : 117] .
و قوله تبارك (فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ ) [الشعراء : 213] .
فهذه الأدلة وغيرة من الأدلة المتوافرة في تحريم الإشراك بالله تبارك وتعالى مع الله ، ولا يفهمنَّ خاطئ بأنَّ من أشرك بالله وعبدَ الله فلا يضره ذلك الإشراك مع الله ؛ لكونه عبدَ الله ، فهذا لا ينفعه ؛ لحبوط عمله بالشرك ، كما قال تعالى ( وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) [الزمر : 65] .

 

[1] - تفسير الرازي - (ج 12 / ص 25) . وقد أجاب على هذه الإيرادات بكلام لا يكفي ولا يشفي وبكلام موجز ، والأصل أنه متى طُرحت الشبهة بقوة فيجب الردُّ عليها بقوة وصرامة ؛ حتى لا تتشربها النفوس والقلوب .
[2] - صحيح مسلم - (ج 14 / ص 138) .
[3] - صحيح مسلم - (ج 14 / ص 140) .
[4] - رسالة القواعد الأربعة .


التعليقات ( 0 )