• ×

عادل بن عبد الله باريان

هدهد التوحيد (6)

عادل بن عبد الله باريان

 0  0  1.6K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ، أما بعد :
ففي هذه الحلقة أيضا أكمل بإذن الله تعالى ما ابتدأته من ذكر فوائد من قصة هدهد التوحيد ، أسأل الله سبحانه وتعالى التوفيق والسداد .
21 – قيل إنَّ الذي عنده علم من الكتاب وأحضر العرش لسليمان عليه السلام قد كان يعلمُ اسم الله الأعظم .
و في كتاب ربنا تبارك وتعالى الذي هو هدى ونور وشفاء لما في الصدور لم يحدد الله تبارك وتعالى اسم هذا الرجل ، ولا هذا العلم الذي من الكتاب . بل أبهمه الله تبارك وتعالى لنا . ولم يأتِ نصٌ يدل على ذلك ويبينه ويوضحه .
فغاية ما في الآية أنها دليلٌ على فضل العلم .
أما الاسم الأعظم لله تبارك وتعالى فثابتٌ وروده في السنة ، ومن ذلك ما أخرجه أبو داود في السنن من حديث عبد الله بن بريدة عن أبيه رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع رجلا يقول اللهم إني أسألك أني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد فقال لقد سألت الله بالاسم الذي إذا سئل به أعطى وإذا دعي به أجاب .[1]
و العلماء في تحديد الاسم الأعظم مذاهب ، أذكرها على سبيل الإيجاز :
المذهب الأول : قالوا بنفي وجود الاسم الأعظم ، وهو ما ذهب إليه ابن جرير الطبري صاحب التفسير ، وكذلك قال به أبو الحسن الأشعري ، قالوا : لا يجوز تفضيل بعض الأسماء على بعض ، واستدلوا ببعض التعليلات ، لكنها لا تخلو من نظر .[2]
المذهب الثاني : قالوا بإثبات الاسم الأعظم للنصوص الواردة في هذا الباب ، وهؤلاء اختلفوا على مسلكين :
المسلك الأول : قالوا بعدم تعيين اسم بعينه ، وذلك أنَّ النصوص لم تأتِ بتحديده على وجهٍ معلوم .
و ذلك لأن يجتهد الداعي في دعاء الله تبارك وتعالى بدعاء أسماء الله تبارك وتعالى كلها فيجتهد في تعلم أسماء الله والدعاء بها .
قالوا : ولهذا نظير مثل إخفاء ليلة القدر ؛ لحصول الاجتهاد في جميع العشر الأواخر من رمضان .
و من نظائره أيضاً : إخفاء ساعة الجمعة التي يستجاب فيها الدعاء .
و من نظائره كذلك : ساعة الاستجابة في الليل كما جاء ذلك في صحيح مسلم .
و من نظائره : إخفاء موعد يوم القيامة ، وإخفاء أجل العبد وموعد موته .
و ينبغي الحذر من أنَّ بعض المتصوفة قالوا : إنَّ هذا الاسم الأعظم لا يعلمه إلاَّ الخاصة على خلافٍ بينهم في تحديدهم .[3]
المسلك الثاني : قالوا بتحديد الاسم الأعظم وهؤلاء اختلفوا على عدة أقوال كثيرة وقد قال الشوكاني رحمه الله : ( إنها على نحو أربعين قولاً ) .[4]
و الذي يترجح والعلمُ عندَ الله تبارك وتعالى هو القول بعدم تحديد ؛ لأنَّ التحديد لا بدَّ له من توقيف .
و لا علاقة بالآية بالاسم الأعظم على الصحيح ؛ لأن الله تبارك وتعالى وصفه بقوله (قالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ) [النمل : 40] .
و لم يأتِ تحيداً له .[5]
لكن الذي نستفيده من هذه الجملة من كلام الله تبارك وتعالى أحد أمرين :
الأمر الأول : أهمية العلم بكتاب الله تبارك وتعالى .
الأمر الثاني : أهمية الدعاء ؛ لأنَّ معظم أهل العلم قالوا : إنَّ هذا الذي عنده علمٌ من الكتاب دعا الله وتوجه إليه ، ويكفي في بيان أهمية الدعاء قوله تبارك وتعالى (قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً ) [الفرقان : 77] .
22 – إثبات الكرامات للأولياء .
قال تبارك وتعالى : (قالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرّاً عِندَهُ قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ ) [النمل : 40] .
فهو أراد مقدار ما يفتح عينه ثم يطرف، وهو كما تقول: افعل كذا في لحظة عين، وهذا أشبه، وهذا الأمر والفعل إن كان الفعل من سليمان فهو معجزة، وإن كان من آصف أو من غيره من أولياء الله فهي كرامة، وكرامة الولي معجزة النبي .[6] ودليلٌ على صدق النبي .
وقد انقسم الناس في هذا الأصل إلى أقسام ثلاثة طرفين ووسط :
1- فقسم غلوا في شأن الكرامة وأفرطوا وتجاوزوا فيها الحد -وهم المتصوفة- حيث ادعوا باسم الكرامة للأولياء ما هو من خصائص الله وحده؛ كقول بعضهم: أن لله عباداً لو شاءوا من الله ألا يقيم القيامة لما أقامها، وقول بعضهم: إنه يعطى في أي شيء أراده قول كن فيكون، وقول بعضهم: لا يعزب عن قدرته ممكن كما لا يعزب عن قدرة ربه محال إلى غير ذلك من الضلالات الواضحة والكفريات الظاهرة، التي يدعيها هؤلاء باسم الكرامة.
2- قسم جفوا في شأنها وفرطوا، فقالوا بإنكار الكرامة، ونفوا وقوعها -وهم المعتزلة ومن تأثر بهم- وزعموا أن الخوارق لو جاز ظهورها من الأولياء لالتبس النبي بغيره إذ فرق ما بينهما -عندهم- إنما هو المعجزة، وبنوا على ذلك أنه لا يجوز ظهور خارق إلا لنبي.
وبنوا على ذلك : قولهم بإنكار السحر ، وقابلهم الأشاعرة فقالوا : بوجوب تعلم السحر ؛ حتى يتمَّ التفريق بين النبي وبين الساحر المستخدم للأحوال الشيطانية . واختار الرازي بأنَّ تعلم السحر فرض كفاية ، وذلك لأنه أشكل عليه القول بأنَّ النبوة لا تثبت إلاَّ بالمعجزة مع القول بإثبات السحر ؛ لذلك قال : السحر هو الأعيب – جمع أُلعوبة – ثم قال : إنَّ الاتصال بالجن ليس خرقاً للعادة ، وإنما هو خرقٌ لعادة اهـ . ومعنى ذلك : أنك عندما تأتي بعض الناس بشيء جديد قالوا عنه : هذا سحر ؛ لأنه خرقٌ لعادتهم ، لا خرقٌ لنفس العادة ، فيقول : إنَّ السحر له اتصال بالجن ، والجن لهم عادة كالسرعة ونحوها فهو خرقٌ لعادة . لذلك قال الرازي : لأجل هذا لا نستطيع القول بأنَّ عمل السحرة معجزة . فقيل له : إنَّ المعجزة لعلها نوعٌ من السحر . فقال : هو فرض كفاية ؛ حتى يتم التفريق .
3- قسم أهل وسط واعتدال، وهم الخيار العدول؛ لتوسطهم بين الطرفين المذمومين، حيث ارتفعوا عن تقصير المفرطين، ولم يلحقوا بغلو المعتدين، وهم أهل السنة والجماعة، فأثبتوا الكرامات للأولياء على ضوء النصوص ووَفقِ الأدلةِ دون غلو أو جفاء أو إفراط أو تفريط.
23 -أنَّ الكرامات تكون لأهل العلم بالله تبارك وتعالى ، الذين اقتفوا الأثر ، واتبعوا ، ولم يبتدعوا في دين الله ما ليس منه ، كما هو حال الكثير من أهل الخرافة ، والدجل من المتصوفة ، أو من أهل السحر والشعوذة ، فهؤلاء لم يحرصوا على العلم الذي جاءت به الأنبياء من عند الله سبحانه .
و تؤخذ هذه الفائدة وتستنبط من قوله تعالى (قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ) فهذه الكرامة حصلت لهذه الذي عنده علمٌ من الكتاب دليل على أهمية العلم بالله تبارك وتعالى ، وقد حثَّ الله تبارك وتعالى على العلم قبل القول والعمل فقال سبحانه وتمجد (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ ) [محمد : 19] .
و لذلك كان من أبرز صفات أهل السنة والجماعة – جعلنا الله منهم – أنهم حرصوا على العلم النافع حتى وفقهم الله تبارك وتعالى للأعمال الصالحة .
و لذلك جاء عن جماعة من السلف أنهم فسروا الطائفة الناجية بأنهم أهل الحديث .[7]
و بهذا كذلك يعلم ظلال الطوائف التي ابتعدت عن العلم الشرعي الأصيل ، وراحوا يحكمون أهوائهم وعقولهم ومناماتهم ومشايخهم وأقطابهم وأوتادهم كما زعموا !!
و قد ضربَ أهل السنة والجماعة أروع الأمثلة وأشجعها في باب طلب العلم وفي الرحلة لطلبه ، وما حصلَ لهم من المصاعب والمتاعب في هذا الباب الشيء الكثير ، وأضربُ لذلك مثالاً للتمثيل لا للحصر ، وهو ما حصل مع الشيخ أبي صالح عبدالقادر الجيلاني - رحمه الله – حيثُ يقول واصفاً حاله حين رحلَ لطلب العلم : [ وكنتُ أقتتات خرنوب الشوك ، وقمامة البقل ، وورق الخس من جانب الشط والنهر وبلغتُ الضائقة في غلاء نزل ببغداد أن بقيتُ أياماً لم آكل طعاماً بل كنتُ أتبعُ المنبوذات أطعمها ، فخرجتُ يوماً من شدة الجوع لعلي أجدُ ورق الخس أو البقل أو غير ذلك فأتقوتُ به فما ذهبتُ إلى موضعٍ إلاَّ وغيري قد سبقني إليه ، وإن وجدتُ أحد الفقراء يتزاحمون عليه فأتركه حياءً ) .[8]

 


[1] - سنن أبي داود - (ج 4 / ص 290) . والحديث صححه الألباني رحمه الله في تخريج المشكاة حديث رقم ( 2289 ) وهذا أصح الأحاديث الواردة في إثبات الإسم الأعظم ، قال الحافظ ابن حجر في الفتح : ( هو أرجح حديث من حيث السند من جميع ما ورد في ذلك ) 11 / 228 .
[2] - انظر كتاب الاسم الأعظم للدكتور / عمر الدميجي . صـ 98 وما بعدها .
[3] - المرجع السابق صـ 117 .
[4] - تحفة الذاكرين صـ 71 .
[5] - بعض المفسرين حدد هذا القائل ، وحددوا العلم الذي من الكتاب فقالوا في ذلك أقوالاً :
قال مجاهد: دعا فقال: يا إلهنا وإله كل شئ يا ذا الجلال والإكرام.
قال السهيلي: الذى عنده علم من الكتاب هو آصف ابن برخيا ابن خالة سليمان، وكان عنده اسم الله الأعظم من أسماء الله تعالى.
وقال الزهري: دعاء الذى عنده اسم الله الأعظم، يا إلهنا وإله كل شئ إلها واحدا لا إله إلا أنت ايتنى بعرشها، فمثل بين يديه.
قال ابن عطية: وقالت فرقة هو سليمان عليه السلام، والمخاطبة في هذا التأويل للعفريت لما قال: " أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك " كأن سليمان استبطأ ذلك فقال له على جهة تحقيره: " أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك " واستدل قائلو هذه المقالة بقول سليمان: " هذا من فضل ربى ".
قال القرطبي : تفسير القرطبي - (ج 13 / ص 205) [ قلت: ما ذكره ابن عطية قاله النحاس في معاني القرآن له، وهو قول حسن إن شاء الله تعالى] .
[6] - تفسير القرطبي - (ج 13 / ص 206) .
[7] - قال الشيخ الألباني – رحمه الله – في السلسلة الصحيحة - (ج 1 / ص 269) : [ وقد يستغرب بعض الناس تفسير هؤلاء الأئمة للطائفة الظاهرة والفرقة الناجية بأنهم أهل الحديث ، ولا غرابة في ذلك إذا تذكرنا ما يأتي . أولا : أن أهل الحديث هم بحكم اختصاصهم في دراسة السنة وما يتعلق من معرفة تراجم الرواة وعلل الحديث وطرقه أعلم الناس قاطبة بسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم وهديه وأخلاقه وغزواته وما يتصل به صلى الله عليه وسلم .
ثانيا : أن الأمة قد انقسمت إلى فرق ومذاهب لم تكن في القرن الأول ، ولكل مذهب أصوله وفروعه ، وأحاديثه التي يستدل بها ويعتمد عليها . وأن المتمذهب بواحد منها يتعصب له ويتمسك بكل ما فيه ، دون أن يلتفت إلى المذاهب الأخرى وينظر لعله يجد فيها من الأحاديث ما لا يجده في مذهبه الذي قلده ، فإن من الثابت لدى أهل العلم أن في كل مذهب من السنة والأحاديث ما لا يوجد في المذهب الآخر ، فالمتمسك بالمذهب الواحد يضل ولابد عن قسم عظيم من السنة المحفوظة لدى المذاهب الأخرى ، وليس على هذا أهل الحديث فإنهم يأخذون بكل حديث صح إسناده ، في أي مذهب كان ، ومن أي طائفة كان راويه ما دام أنه مسلم ثقة ، حتى لو كان شيعيا أو قدريا أو خارجيا فضلا عن أن يكون حنفيا أو مالكيا أو غير ذلك ، وقد صرح بهذا الإمام الشافعي رضي الله عنه حين خاطب الإمام أحمد بقوله : " أنتم أعلم بالحديث مني ، فإذا جاءكم الحديث صحيحا فأخبرني به حتى أذهب إليه سواء كان حجازيا أم كوفيا أم مصريا " فأهل الحديث - حشرنا الله معهم – لا يتعصبون لقول شخص معين مهما علا وسما حاشا محمد صلى الله عليه وسلم ، بخلاف غيرهم ممن لا ينتمي إلى الحديث والعمل به ، فإنهم يتعصبون لأقوال أئمتهم - وقد نهوهم عن ذلك - كما يتعصب أهل الحديث لأقوال نبيهم ! ! فلا عجب بعد هذا البيان أن يكون أهل الحديث . هم الطائفة الظاهرة والفرقة الناجية . بل والأمة الوسط ، الشهداء على الخلق . ويعجبني بهذا الصدد قول الخطيب البغدادي في مقدمة كتابه " شرف أصحاب الحديث " انتصارا لهم وردا على من خالفهم : " ولو أن صاحب الرأي المذموم شغل بما ينفعه من العلوم ، وطلب سنن رسول رب
العالمين ، واقتفى آثار الفقهاء والمحدثين ، لوجد في ذلك ما يغنيه عن سواه ، واكتفي بالأثر عن رأيه الذي يراه ، لأن الحديث يشتمل على معرفة أصول التوحيد
و بيان ما جاء من وجوه الوعد والوعيد ، وصفات رب العالمين - تعالى عن مقالات الملحدين - والإخبار عن صفة الجنة والنار ، وما أعد الله فيها للمتقين
و الفجار ، وما خلق الله في الأرضين والسماوات وصنوف العجائب وعظيم الآيات وذكر الملائكة المقربين ، ونعت الصافين والمسبحين . وفي الحديث قصص الأنبياء وأخبار الزهاد والأولياء ومواعظ البلغاء ، وكلام الفقهاء ، وسير ملوك العرب والعجم ، وأقاصيص المتقدمين من الأمم ، وشرح مغازي الرسول صلى الله عليه وسلم ، وسراياه ، وجمل أحكامه وقضاياه ، وخطبه وعظاته ، وأعلامه ومعجزاته ، وعدة أزواجه وأولاده ، وأصهاره وأصحابه ، وذكر فضائلهم ومآثرهم ، وشرح أخبارهم ومناقبهم ، ومبلغ أعمارهم ، وبيان أنسابهم . وفيه تفسير القرآن العظيم ، وما فيه من النبأ والذكر الحكيم ، وأقاويل الصحابة في الأحكام المحفوظة عنهم ، وتسمية من ذهب إلى قول كل واحد منهم ، من الأئمة الخالفين ، والفقهاء المجتهدين . وقد جعل الله أهله أركان الشريعة ، وهدم بهم كل بدعة شنيعة ، فهم أمناء الله في خليقته ، والواسطة بين النبي صلى الله عليه وسلم وأمته ، والمجتهدون في حفظ ملته ، أنوارهم زاهرة ، وفضائلهم سائرة ، وآياتهم باهرة ، ومذاهبهم ظاهرة ، وحججهم قاهرة . وكل فئة تتحيز إلى هوى ترجع إليه ، وتستحسن رأيا تعكف عليه ، سوى أصحاب الحديث ، فإن الكتاب عدتهم ، والسنة حجتهم ، والرسول فئتهم ، وإليه نسبتهم ، لا يعرجون على الأهواء ، ولا يلتفتون إلى الآراء .
يقبل منهم ما رووا عن الرسول ، وهم المأمونون عليه العدول . حفظة الدين وخزنته ، وأوعية العلم وحملته ، إذا اختلف في حديث كان إليهم الرجوع ، فما
حكموا به فهو المقبول المسموع . منهم كل عالم فقيه ، وإمام رفيع نبيه ، وزاهد في قبيلة ، ومخصوص بفضيلة ، وقارىء متقن ، وخطيب محسن . وهم الجمهور العظيم وسبيلهم السبيل المستقيم ، وكل مبتدع باعتقادهم يتظاهر ، وعلى الإفصاح بغير مذاهبهم لا يتجاسر ، من كادهم قصمهم الله ، ومن عاندهم خذله الله ، لا يضرهم من خذلهم ، ولا يفلح من اعتزلهم ، المحتاط لدينه إلى إرشادهم فقير ، وبصر الناظر بالسوء إليهم حسير ، وإن الله على نصرهم لقدير . ( ثم ساق الحديث من رواية قرة ثم روى بسنده عن علي بن المديني أنه قال : هم أهل الحديث والذين يتعاهدون مذاهب الرسول ، ويذبون عن العلم لولاهم لم تجد عند المعتزلة والرافضة والجهمية وأهل الإرجاء والرأي شيئا من السنن : قال الخطيب ) فقد جعل رب العالمين الطائفة المنصورة حراس الدين ، وصرف عنهم كيد العاندين ، لتمسكهم بالشرع المتين ، واقتفائهم آثار الصحابة والتابعين ، فشأنهم حفظ الآثار ، وقطع المفاوز والقفار ، وركوب البراري والبحار في اقتباس ما شرع الرسول المصطفى ، لا يعرجون عنه إلى رأي ولا هوى . قبلوا شريعته قولا وفعلا ، وحرسوا سنته حفظا ونقلا ، حتى ثبتوا بذلك أصلها ، وكانوا أحق بها وأهلها ، وكم من ملحد يروم أن يخلط بالشريعة ما ليس منها ، والله تعالى يذب بأصحاب الحديث عنها ، فهم الحفاظ لأركانها ، والقوامون بأمرها وشأنها ، إذا صدف عن الدفاع عنها ، فهم دونها يناضلون ، أولئك حزب الله ، ألا إن حزب الله هم المفلحون " ] انتهى .
[8] - الخرنوب : شجر بري ذو شوك ذو حمل كالتفاح لكنه بشع ، والقصة بتمامها في الذيل على طبقات الحنابلة لابن رجب 1 / 298 . وضربتُ المثال للشيخ أبي صالح الجيلاني – رحمه الله – للكرامات التي حصلت له ، ولكثرة من ينتسب له من المتصوفة ، وكان قد طلب العلم ، لكنه تأثر بشيخه حماد بن مسلم الدباس وكان دائماً يعيره بأنه يدرس الفقه ، يقول الشيخ عبدالقادر – رحمه الله – واصفاً حال شيخه ( وكنتُ إذا غبتُ عنه لطلب العلم ورجعتُ إليه يقولُ لي : إيش جاء بك إلينا ، أنت فقيه سر إلى الفقهاء ) .قلائد الجواهر في مناقب الشيخ عبد القادر ، صـ 12 .


التعليقات ( 0 )