عادل بن عبد الله باريان

هدهد التوحيد (5)

عادل بن عبد الله باريان

 0  0  1.7K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ، أما بعد :
ففي هذه الحلقة أكمل بإذن الله تعالى ما ابتدأته من تعداد فوائد قصة هدهد التوحيد ، أسأل الله سبحانه وتعالى الإعانة .
والفائدة التالية هي الفائدة رقم :
14 – الداعية إلى التوحيد لا بدَّ أن يتابعَ من دعاهم حتى تكتمل هدايتهم ، ويكتمل للداعية الأجر والثواب من عند الله تبارك وتعالى ، وقد أمر سليمان عليه السلام الهدهد أن يلقي إليهم الخطاب ثم يتولى عنهم لينظر ماذا يرجعون . قال سبحانه : ( اذْهَب بِّكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ ) [النمل : 28] .
15 – أنَّ الدعوة إلى الإسلام مقدمة على القتال ؛ وذلك أنَّ الغرض من الجهاد في سبيل الله تبارك وتعالى هو إعلاء كلمة الله وجعلها هي العليا ، وليس المقصود هو التسلط واسترقاق الأحرار . قال تعالى : ( وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ فَإِنِ انتَهَواْ فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ ) [البقرة : 193] .
فنبي الله سليمان أول ما بدأ دعوته بدأ بالدعوة السلمية للإسلام ، ثم بعد أن تحايلوا على الدخول في دين الله هددهم بالإتيان بالجيوش العظيمة ، قال سبحانه : (ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَّا قِبَلَ لَهُم بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُم مِّنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ) [النمل : 37] .
و هذا الأمر كان يوصي به رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه الغزاة ، فعن سليمان بن بريدة عن أبيه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمرَّ أميراً على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيراً ، ثم قال اغزوا باسم الله في سبيل الله قاتلوا من كفر بالله ، اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال أو خلال فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم :
ثم ادعهم إلى الإسلام فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين فإن أبوا أن يتحولوا منها فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين فإن هم أبوا فسلهم الجزية فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم فإن هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم .[1]

 
16 – أنَّ الدعوة إلى التوحيد لا بدَّ لها من سيفٍ ينصر ، فالإسلام انتشر بأمرين : بالحجة والبرهان وبالسيف والسنان ؛ وذلك أنَّ من الناس من لا يتواضع للحجة والبرهان فهنا يأتي دور السيف والسنان ، وفي هذا الرد على من قال : إنَّ الإسلام انتشر بالسيف فحسب ، وكذلك في هذا ردٌ لمن قال : إنَّ الإسلام انتشر بالحجة والبرهان فحسب أو بالأخلاق والتعامل .
قال ابن تيمية ( حيث أظهره الله في العرب بالحجة والبيان والسيف والسنان )[2]
ولن تقوم للدين قائمة إلا بكتاب يهدي وسيف ينصر ، ومن رام إقامته بالأول دون الثاني أذله الله[3]، ومن رام إقامته بالثاني دون الأول أضله الله [4]، ومن أقامه بهما هدي إلى صراط مستقيم .[5]
17 – إثبات آيات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، ومن أمثلة ذلك : ناقة صالح عليه السلام ، وانشقاق القمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال تعالى : (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَونُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُوراً ) [الإسراء : 101] ، قال تعالى ذاكراً بعض هذه الآيات : (فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُّفَصَّلاَتٍ فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ ) [الأعراف : 133] . وقال تعالى مبيناً لما وهبَ عيسى عليه الصلاة والسلام : (وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللّهِ وَأُبْرِئُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِـي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ) [آل عمران : 49] .
وهذه الآيات يسميها بعض أهل السنة بـ ( دلائل النبوة ) كما جاء ذلك في كتاب البيهقي – رحمه الله - . وبعضُ أهل الكلام يسميها بـ ( المعجزات ) ، وهذا لفظٌ لم تأتِ به النصوص ، والذي جاء في النصوص لفظ : ( الآية – البرهان – البينة ) . وقد انتقدَ ابن تيمية تسميتها بـ ( معجزات ) ؛ لأنه لفظ لم تأتِ به النصوص ؛ ولأنه قد يطلق على كرامات الأولياء ، فليس في هذا اللفظ ما يقتضي اختصاص الأنبياء به [6]
وفي مسند أحمد عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ما من الأنبياء نبي إلا قد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة .[7]
و من الآيات التي أعطاها الله تبارك وتعالى لسليمان عليه السلام تسخير الجن له ، وتعليمه منطق الطير ، وجعل له الله ملكاً عظيماً .
و كذلك إحضار سليمان عليه السلام لعرشها قبل أن تأتيه وقومها ؛ فاستدعاه ليريها القدرة التي هي من عند الله، ويجعله دليلا على نبوته، لأخذه من بيوتها دون جيش ولا حرب، وهذا قول ابن عباس .
قال تعالى : (وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ [النمل : 16]
و قال سبحانه وتعالى : ( وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ ) [النمل : 17] .
18 – في الآيات الإشارة إلى ركني قبول الأعمال ، وهما :
أ – تجريد الإخلاص لله تبارك وتعالى .
ب –تحقيق المتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم .
ووجه ذلك في هذه الآيات أنَّ هذه المرأة حينما أكرمها الله تبارك وتعالى بالهداية والإيمان قالت : ( رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ )[النمل : 44] .
فالمتابعة بقولها : ( أسلمتُ مع سليمان ) .
و تجريد الإخلاص لله تعالى بقولها : ( لله رب العالمين ) .

 
19 – أنَّ الشرك في العبادة ظلمٌ للنفس (قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) [النمل : 44] .
بل هو ظلمٌ عظيم ، قال لقمان موصياً ابنه محذراً له من الشرك بالله تبارك وتعالى : (وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ) [لقمان : 13] .
و قال موسى عليه الصلاة والسلام لقومه لما عبدوا العجل من دون الله تبارك وتعالى : (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُواْ إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ) [البقرة : 54] .
20 – أنَّ الله لا ينتفع بطاعات المطيعين ولا يتضرر سبحانه بسيئات المذنبين ، قال تعالى على لسان سليمان حينما رأى عرش المرأة العظيم بين يديه وقد جاءه في غمضة عين (وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ ) [النمل : 40] .
فالله تبارك وتعالى غني فمنذُ أن خلق السموات لم يغض وينقص ما في يمنه وهو غني عن طاعتنا وعبادتنا بل نحن الفقراء المتحاجون إلى رحمته وفضله وجوده وكرمه وإنعامه .
وهو سبحانه أيضاً كريم لمن أطاعه وآمن به واتقاه (فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ) [الحج : 50] .


 
[1] - صحيح مسلم - (ج 9 / ص 150) . وهذا على الوجوب فيمن لم تبلغه دعوة الإسلام ، أما من بلغته دعوة الإسلام فهل يجب دعوته تأكيداً قبل قتاله أم لا يجب ذلك ؟ اختلف الفقهاء رحمهم الله في هذه المسألة على قولين . والأرجح والعلم عند الله تعالى هو استحباب دعوتهم لا وجوبها ، لكن مع هذا ينبغي التأكيد بوصول دعوة الإسلام لهم ، وكونه يستحب لا يعني تركه ، إلاَّ إن كانت دعوة العدو يترتب عليها مفسدة كاستعداد العدو للمجابهة ونحوه فهنا يبدأ بقتالهم ؛ لبلوغهم الدعوة ، والقول بالإستحباب جمعاً بين الأدلة التي فيها الأمر بالدعوة قبل القتال ، وبين النصوص التي جاء فيها الإغارة على العدو كما هو الحال مع بني المصطلق . انظر للمزيد كتاب / أحكام المجاهد بالنفس في سبيل الله عزوجل . د . مرعي بن عبدالله بن مرعي . ج1 / 340 .
[2] - مجموع فتاوى ابن تيمية - (ج 4 / ص 182) .
[3] - كما جاء في خبر العينة حين تترك الأمة الجهاد فإن الله يسلط عليها الذل .
[4] - كما فعلت الخوارج حين قاموا برفع السلاح بلا علم فسفكوا الدماء وانتهكوا الحرمات !! .
[5] - كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم .
[6] - انظر الجواب الصحيح لابن تيمية 4 / 67 وما بعدها .
[7] - المسند (ج 19 / ص 495) .


التعليقات ( 0 )