• ×

المشرف العام

هدهد التوحيد (4)

المشرف العام

 0  0  1.4K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله . أما بعد :
فأشرع في هذه الحلقة بإتمام ما ابتدأته من بيان الفوائد من قصة طائر التوحيد . وفي الحلقة السابقة توقفت عند الفائدة السادسة وفي هذه الحلقة أبدأ بالفائدة التي تليها .
7 – أنَّ التوحيد أمرٌ فطري ، بدلالة أنَّ هذا الهدهد عرفَ الله تبارك وتعالى وأنكرَ الكفر والشرك لما رأى هؤلاء يسجدونَ للشمس من دون الله تبارك وتعالى .
و في هذا الرد على من قال بأنَّ أول ما يجب على المكلف هو النظر في الملكوت وفي الكون ، وقالوا : إنَّ الإيمان بالنظر يكون عن اجتهاد ، ومن لم يؤمن عن اجتهاد نفسه ففي إيمانه نظر .
و قد خلق الله تبارك وتعالى العباد حنفاء على التوحيد فاجتالتهم الشياطين ، وأخبر عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بأنه ما من مولود إلاَّ يولدُ على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه .
8 – في هذه الآيات غيرة الهدهد على التوحيد حيث لم يقف الموقف السلبي مما رآه من الكفر والإشراك بالله تبارك وتعالى ، بل وقفَ موقفاً إيجابياً حينَ أوصلَ ما رآه إلى نبي الله سليمان عليه السلام .
فلم يمرَّ الهدهد على القوم المشركين مرور اللاهين ولا تأول موقفهم ، لكنه انتفض وجاء لنبي الله عليه السلام بالخبر اليقين .
إننا نحتاج لأن نغار على توحيدنا وعقيدتنا لا سيما في هذه الأزمان التي كثرت فيها الأضرحة ، وكثر فيها عباد القبور .
فكيف لو مرَّ " هدهد التوحيد " في هذه الأزمان على ديار المسلمين اليوم ورأى ذلك الإقبال وذلك الاندفاع إلى القباب والقبور والأضرحة ، ولو سمع تلك الصيحات ... من بعض المسلمين تتوجه لغير الله .
ورأى حولها الطواف ، وذبح النذور ... لماتَ كمداً وأسىً على حالنا والله المستعان .
قد فتن البعض بقبر زينب *** وتركوا الله مزيل الكربِ
وفتن البعض بقبر الهادي *** وتركوا ذا الطول والأيادي
وفتن البعض بقبر المهدي *** وتركوا من يبتلي ويهدي
بقبر عيدروس قد ضل الغبي *** وتركوا منهاج أحمد النبي
دع كل بابٍ غير باب ربي *** ولذ به وسله كشف الكرب
فأوصي نفسي وإخواني دعاة التوحيد .. بأن نحمل جميعاً همّ التوحيد والدعوة إليه ..
فو الله إنه ليتفطر قلب المسلم حسرةً وأسىً على واقع بعض المسلمين حينما يرى هؤلاء الجهلة وقد عبثت بهم البدع والشركيات..
فترى جماعات في إثر جماعات يتقاطرون كالسيل المنهمر يتمسحون بالمقبور ويتمرغون على أعتابه ويتعلقون بأستاره..
يرحل أحدهم الليالي ذوات العدد ويتكبّد المشاق حاملاً نذره ليذبحه بين يدي القبر ..!! يلتمس القربى والبركة ويطلب الدعاء والعون والمدد فكيف والحال هذه .. يلذّ لنا طعام وشراب .. فهذه الجموع أمانة في أعناقنا يوم القيامة .. فليسأل كلّ نفسه : ماذا قدمنا لتوضيح حقيقة الدين؟ وشرح أصول التوحيد، وقواعد الشهادة؟! .
قال تبارك وتعالى : (ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ )[التكاثر : 8] ، وأعظم النعيم الهداية إلى صراط الله المستقيم .
9 – افتتاح المراسلات بالبسملة .
و قد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يراسل رؤساء الكفر ويدعوهم إلى التوحيد وكان يبدأ في مراسلاته بالبسملة .
10 – استخدام المراسلات للدعوة إلى التوحيد ، وكافة ما يمكنه الإنسان .
قال أبو العباس القرطبي – رحمه الله – ( في هذه الآية دليل على إرسال الكتب إلى المشركين وتبليغهم الدعوة، ودعائهم إلى الإسلام ، وقد كتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى كسرى وقيصر وإلى كل جبار ).[1]
11 – أنَّ دين الأنبياء عليهم الصلاة والسلام واحد وهو الإسلام وهو الدعوة إلى توحيد الله تبارك وتعالى ، فهم كلهم بعثوا بتقرير عبودية الله تبارك وتعالى وتفريد الرب تبارك وتعالى بالعبادة .
قال سليمان في كتابه للمرأة حين دعاها للإسلام : (أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ) [النمل : 31] .
و لما أسلمت قالت : (ربِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) [النمل : 44] .
و قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أنه قال: ( الأنبياء إخوة من علات وأمهاتهم شتى ودينهم واحد ) .[2]
قال النووي : ( قوله صلى الله عليه وسلم : ( ودينهم واحد ) ، فالمراد به أصول التوحيد ، وأصل طاعة الله تعالى ، وإن اختلفت صفتها ، وأصول التوحيد والطاعة جميعا ) .[3]
و قال تبارك وتعالى مبيناً حقيقة دعوة جميع الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ )[النحل : 36] .
12 – ينبغي للإنسان التفطن لكيد أعداءه وأنهم لا يريدون به خيراً ، فنبي الله سليمان عليه السلام لم يقبل هديتهم وتفطنَّ أنهم يريدون بهذه الهدايا التي أرسلوها له أن يصدوه عن دعوته للتوحيد بالمال أو بشيء من متاع الدنيا قليل زائل .
لذلك قال تبارك وتعالى : (إنَّ الْكَافِرِينَ كَانُواْ لَكُمْ عَدُوّاً مُّبِيناً )[النساء : 101] .
13 – وهنا يتساءل البعض فيقول : ما حكم قبول هدايا الكفار ؟
قال القرطبي : [ وأما الهدية المطلقة للتحبب والتواصل فإنها جائزة من كل أحد وعلى كل حال، وهذا ما لم يكن من مشرك فإن كانت من مشرك ففي الحديث " نهيت عن زبد المشركين " يعنى رفدهم وعطاياهم.[4]
وروى عنه عليه السلام أنه قبلها ... [5]، فقال جماعة من العلماء بالنسخ فيهما، وقال آخرون: ليس فيها ناسخ ولا منسوخ،
والمعنى فيها: أنه كان لا يقبل هدية من يطمع بالظهور عليه وأخذ بلده ودخوله في الإسلام، وبهذه الصفة كانت حالة سليمان عليه السلام، فعن مثل هذا نهى أن تقبل هديته حملا على الكف عنه، وهذا أحسن تأويل للعلماء في هذا، فإنه جمع بين الأحاديث.].[6]
وللحديث بقية إن شاء الله في الحلقة القادمة . والله تعالى أعلم

 

 


 
[1] - تفسير القرطبي - (ج 13 / ص 191) .
[2] - صحيح مسلم - (ج 12 / ص 60) .
[3] - شرح النووي على مسلم - (ج 8 / ص 92) .
[4] - لحديث عياض بن حمار – رضي الله عنه – أنه أهدى للنبي _صلى الله عليه وسلم_ هدية أو ناقة، فقال النبي _صلى الله عليه وسلم _"أسلمت؟ قال: لا. قال: إنّي نُهيت عن زَبْد المشركين". رواه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه. وقد نقل الشوكاني عن الخطابي ما نصه:
في رد هديته – أي هدية عياض – وجهان:
أحدهما: أن يغيظه برد الهدية فيمتعض منه فيحمله ذلك على الإسلام، والآخر أنّ للهدية موضعاً من القلب، وقد روي "تهادوا تحابوا"، ولا يجوز عليه _صلى الله عليه وسلم_ أن يميل بقلبه إلى مشرك فردّ الهدية قطعاً لسبب الميل".
[5] - كما جاء ذلك في عدة أحاديث منها : حديث أنس – رضي الله عنه- في الصحيح "أنّ يهودية أهدت إلى رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ شاة مسمومة" متفق عليه، وأخرج البخاري في الصحيح عن أبي حميد "وأهدى ملك آيلة للنبي _صلى الله عليه وسلم_ بغلة بيضاء وكساه برداً.." ، وأخرج البخاري ومسلم من حديث عبد الرحمن بن أبي بكر – رضي الله عنهما- كنّا مع رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ ثلاثين ومائة، فقال النبي _صلى الله عليه وسلم_ هل مع أحد منكم طعام؟ فإذا مع رجل صاع من طعام أو نحوه، فعُجن ثم جاء رجل مشرك مُشعان طويل بغنم يسوقها، فقال النبي _صلى الله عليه وسلم_: "أبيع أم عطية؟"، أو قال: "أم هبة؟" قال: لا بل بيع... الحديث ، فقوله: "أبيع أم عطية؟" وفي اللفظ الآخر "أم هبة" هذا هو الشاهد على مسألة جواز قبول الهدايا من الكفار .
[6] - تفسير القرطبي - (ج 13 / ص 198) .


التعليقات ( 0 )