• ×

عادل بن عبد الله باريان

هدهد التوحيد (3)

عادل بن عبد الله باريان

 0  0  1.3K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ، أما بعد :
فقد انتهيت بحمد الله تعالى في الحلقتين السابقتين من قصة هدهد التوحيد وفي هذه الحلقة والحلقات التالية سأكتب بإذن الله تعالى في فوائد الآيات نسأل الله التوفيق والإعانة .
هداية الآيات :
1 – أن سليمان مع ما سخرَّ الله له هذا الملك العظيم وتسخير الإنس والجن والرياح فهو موصوفٌ بوصف البشرية فهو لا يعلم الغيب، ويدل لذلك موضعين في قصتنا هذه :
الموضع الأول : قوله عليه السلام : ( مالي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين ) .
الموضع الثاني : قول هدهد التوحيد لسليمان عليه السلام ( أحطت بما لم تحط به ) .
قال القرطبي ( فكان في هذا رد على من قال: إن الأنبياء تعلم الغيب) .[1]
و نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أفضل الأنبياء عليهم السلام ومع ذلك فلا يعلم الغيب ،قال تعالى : (قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ )[الأنعام : 50] .
و قال تعالى : (قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) [الأعراف : 188] .
و قال سبحانه : (وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللّهِ وَلاَ أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلاَ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلاَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَن يُؤْتِيَهُمُ اللّهُ خَيْراً اللّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنفُسِهِمْ إِنِّي إِذاً لَّمِنَ الظَّالِمِينَ ) [هود : 31] .
2 – أن من غير الأنبياء من يكون أعلم من الأنبياء في بعض الأمور لقول الهدهد ( أحطت بما لم تحط ). وقصة موسى مع الخضر شاهدٌ على هذا . عند من يقول بأن الخضر ولي والصحيح أنه نبي ، كما يدل عليه سياق الآيات .
3 – يقول تعالى : ( وتفقد الطير ) في هذه الجملة دليل على تفقد الإمام أحوال رعيته، والمحافظة عليهم.
فانظر إلى الهدهد مع صغره كيف لم يخف على سليمان حاله، فكيف بعظام الملك.
ويرحم الله عمر فإنه كان على سيرته، قال: لو أن سخلة على شاطئ الفرات أخذها الذئب ليسأل عنها عمر.
و كان يتفقد أحوال رعيته وأحوال أمرائه بنفسه، فقد دل القرآن والسنة وبينا ما يجب على الإمام من تفقد أحوال رعيته، ومباشرة ذلك بنفسه، والسفر إلى ذلك وإن طال.[2]
4 – أنَّ الاشتراك في الأسماء لا يوجب الاشتراك في الحقائق
و هذه القاعدة من أنفع القواعد المهمة في صفات الله تبارك وتعالى ، فإذا علمتَ أنَّ لله تبارك وتعالى يداً وللفيل يداً وللإنسان يداً فهذا لا يوجب الاشتراك في نفس وحقيقة الصفة .
و نستفيدُ هذه الفائدة من " هدهد التوحيد" فالهدهد لما وصف لسليمان عرش هذه المرآة قال : (إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ ) [النمل : 23] .
و قال كذلك حين وصفَ عرش الله تبارك وتعالى : (أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ * اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ) [النمل : 26] .[3]
5 – ليس في قول الله تبارك وتعالى (وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ ) [النمل : 24] مستمسك للجبرية القائلين بأن الإنسان مجبور على أفعاله وتصرفاته ؛ لأنَّ الشيطان لم يجبر أحداً على الكفر والعصيان بل غاية ما عنده هي الوسوسة وتزيين المعاصي .
و قد أثبت الله تبارك وتعالى أنَّ للعبد مشيئةً واختياراً بها يفعل وبها يترك ، قال تعالى (وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ )[الكهف : 29] .
و أخبر سبحانه أنَّ الشيطان يحاولُ جاهداً على إغواء بني الإنسان ولا يجبره على الفعل ، وقد دلَّ على هذا نصوصٌ عديدة ، ومن ذلك ما أخبر به الشيطان في خطبته – نعوذُ بالله من أن يكون خطيبنا في جهنم – اللهم آمين .
( وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) [إبراهيم : 22] .
فقول الشيطان {وما كان لي عليكم من سلطان} أي تسلط عليكم بإظهار حجة على ما وعدتكم به وزينته لكم { إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي } أي إلا مجرد دعائي لكم إلى الغواية والضلال بلا حجة ولا برهان . وقيل المراد بالسلطان هنا القهر : أي ما كان لي عليكم من قهر يضطركم إلى إجابتي .[4]
و قد أوضحَ هذا المعنى الإمام أبو حنيفة النعمان –يرحمه الله –في كتابه الفقه الأكبر فقال : [ ولا يجوزُ أن نقولَ : إنَّ الشيطانَ يسلُبُ الإيمانَ مِنْ العبدِ المؤمنِ قهراً وجبراً، ولكنْ نقولُ: العبدُ يدَعُ الإيمانَ فحينئذٍ يسلب ُمنهُ الشيطانُ ].
6 – فيه عموم علم الرب تبارك وتعالى ، قال تعالى : ( وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ ) .
و قال تبارك وتعالى : (وَإِن تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى ) [طه : 7] .
و من هنا فيستفيد الموحد المبارك دوام مراقبة الرب تبارك وتعالى في الخلوات والجلوات ، لا سيما عند الاختفاء عن الأعين ، فعين الرب تبارك وتعالى لا تنام (اللّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ ) .
وإلى الحلقات القادمة مع بقية فوائد طائر التوحيد ، بإذن الله تعالى

[1] - تفسير القرطبي - (ج 13 / ص 181) .
[2] - تفسير القرطبي - (ج 13 / ص 178) .
[3] - تفسير القرطبي - (ج 13 / ص 184) قال الزمخشري: فإن قلت كيف سوى الهدهد بين عرش بلقيس وعرش الله في الوصف بالعظيم ؟ قلت: بين الوصفين بون عظيم، لان وصف عرشها بالعظيم تعظيم له بالإضافة إلى عرش أبناء جنسها من الملوك، ووصف عرش الله بالعظيم تعظيم له بالنسبة إلى ما خلق من السماوات والأرض.
[4] - فتح القدير - (ج 3 / ص 148) .


التعليقات ( 0 )