• ×

د. أحمد القاضي

العقيدة والسياحة

د. أحمد القاضي

 0  0  1.1K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده . أما بعد :
فإن طلب النُّقلة، والضرب في الأرض (السفر)، ظاهرة بشرية، تدعو إليها عدة دواع، وتفرضها عدة أسباب . وهي كسائر الأنشطة البشرية تتعلق بها الأحكام التكليفية الخمسة ، ويؤطرها إطار العقيدة . والسفر أنواع :
1- سفر طاعة : لحجٍ، أو عمرةٍ، أو زيارة، أو هجرة، أو جهادٍ، أو صلة رحم، أو تفكر واعتبار. قال تعالى : (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) [الأنعام/11]، وقال : (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ) [يوسف/109]،وقال: (قدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) [آل عمران/137]، قَالَ صلى الله عليه وسلم : (لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَسْجِدِ الْأَقْصَى) رواه البخاري.
2- سفر معصية : كشد الرحال لغير المساجد الثلاثة، تعبداً، وقصد أماكن الخنا والفجور، والسكنى بين ظهراني المشركين، لغير ما مسوغ .
3- سفر مباح : لا يتعلق به شرعٌ، ولا منعٌ، لذاته : كالسفر للتجارة، والنزهة، ونحوهما. فالأصل في هذا الإباحة، إلا أن يقترن به نية صالحة، أو فاسدة، تخرجه إلى أحد النوعين السابقين .
وفي العقود الأخيرة، وفي ظل الترف الغربي، نشأ ما اصطلح على تسميته (سياحة). وهي بالمفهوم الغربي، نوعٌ من السفر، يضم ألواناً من المتع المباحة والمحرمة؛ حيث يزاولون خلالها استكشاف بلادٍ جديدة، والتعرف على عادات وثقافات جديدة، وممارسة أنواع من اللهو والعبث في المراقص، والبارات، والشواطئ، بحسب المستوى المادي للسائح، وطبيعة البلاد المزورة.
وامتد هذا التقليد إلى المجتمعات الإسلامية، فصار يزاوله الملأ، وأرباب الأموال بينما كانت الأغلبية الساحقة من الشعوب، ولا زالت، غارقةً، في معاناتها المعيشية، لتوفير الضرورات، ولا يدور بخلدها التفكير في الرفاهية والسياحة . ولكن الشركات السياحية تمكنت من استدراج أصحاب الدخول المتوسطة إلى الانخراط في المجموعات السياحية، التي توفر نفقات أقل، وتحقق لهم ما يحلمون به، من الوصول إلى الأماكن الجذابة التي تدغدغ مشاعرهم في الأفلام .
إن المتأمل للسياحة بالمفهوم الغربي، والممارسة الواقعية، يجد فيها اغتراباً عن المقصود الإيماني من السياحة، الذي يهدف إلى الاعتبار، والتأمل، كما تقدم ، بل ويقلل من الاستمتاع المباح المتمثل في تسريح الطرف، وإمتاع البصر في بديع صنع الله، كما دل عليه قوله : (أَمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ . أَمْ مَنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) [النمل/60، 61].
لقد آلت السياحة، حتى في البلاد الإسلامية، إلى أن تصبح :
1- غشياناً لأماكن اللهو، والفسوق، من مسارح، ومراقص، وحفلات غنائية.
2- اختلاطاً سافراً بين أطباق من البشر الذين لا يقيمون وزناً لخلقٍ، ولا دين، تحت مظلة الحرية الشخصية، وإطلاقاً للبصر في تقحم المناظر المحرمة .
3- تسوقاً، وبذخاً، وإسرافاً، وإضاعةً للأموال .
4- تحللاً من القيم، والآداب، التي يتحلى بها كثير من أولئك السياح في بلادهم الأصلية ! فما أن تتجاوز الطائرة أجواز الفضاء المحلي، حتى يتجاوز هؤلاء حدود الله، في اللباس، والعادات، ويتماهون مع اليهود، والنصارى، والذين لا يعلمون ، وكأن المعبود في بلادهم ليس معبوداً في البلاد الأخرى ! وكأن الأحكام الشرعية السائدة في بلادهم منسوخة في البلاد الأخرى !
ألا ما أحوج أهل الإيمان إلى البصيرة، والذكرى، وأن يصطحبوا إيمانهم، وتدينهم، وعقيدتهم، وشريعتهم، في حلهم ، وترحالهم ، على الأقل، ليقولوا للعالمين : (اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ )[آل عمران/64]

التعليقات ( 0 )