• ×

أ.د. أحمد القاضي

العقيدة واستقبال رمضان

أ.د. أحمد القاضي

 0  0  2.2K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده . أما بعد : ما هي إلا أيام معدودات، وليال باقيات، ويهل على الأمة الإسلامية شهر كريم، ويظلها موسم عظيم، فتلبس لباس التقوى، وتظهر شعار الإسلام، والعبودية لله رب العالمين. إنه رمضان: درة الشهور، وزينة العام؛ مدرسة إيمانية، تربوية، تعبدية، اجتماعية. وصوم رمضان: أحد أركان الإسلام، ومبانيه العظام، وأحد محاسن الشريعة، ودلائل صحتها، وموافقتها لمصالح العباد، وانسجامها مع الفطرة. فمع تكراره كل عام، ورغم منافاته لشهوات النفس، تظل النفوس المؤمنة تهفو إليه، وتترقب حلوله، وتتنعم بصيامه وقيامه. وسر هذا الشوق والتوق خبيئة إيمانية في شغاف القلوب، مبناها على عقيدة العبودية والتأله لله رب العالمين. ذلك أن المرء يمضي شهور العام منهمكًا في مصالحه المعيشية، منشغلًا بمجريات الحياة، فيشعر بحاجة ماسة لالتقاط الأنفاس، وعودة السكينة، وتجديد العهد مع ربه، وتلاوة كتابه، والقيام لمناجاته، والركون لبيوته التي أذن الله أن ترفع، ويذكر فيها اسمه، وإصلاح ما بينهم وبينه. فلأجل هذا المخزون العقدي، والسر الإيماني تنشأ اللهفة، وتحتدم الرغبة. فبين العقيدة ومواسم الطاعات حبل متين، وشاهد مبين. وقد أثبت الله حقيقة هذه المحبة لخصال الإيمان، ورونقها في قلوب المؤمنين، فقال: (وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ. فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) [الحجرات: 7 - 8] . إي والله! فضلًا من الله ونعمة؛ لا يد لنا فيها ولا منة. وكل ذلك يتم في حال انقطاع عن المألوف من المطاعم والمشارب والمناكح، فتنكسر النفس، وتذهب فوعتها، وسطوتها، وتستكين لله رب العالمين. قال ابن القيم -رحمه الله : (المقصود من الصيام: حبس النفس عن الشهوات، وفطامها عن المألوفات، وتعديل قوتها الشهوانية، لتستعد لطلب ما فيه غاية سعادتها، ونعيمها، وقبول ما تزكو به مما فيه حياتها الأبدية، ويكسر الجوع والظمأ من حدتها، وسورتها، ويذكرها بحال الأكباد الجائعة من المساكين، وتضيق مجاري الطعام والشراب) إلى أن قال: (والمقصود أن مصالح الصوم، لما كانت مشهودة بالعقول السليمة، والفطر المستقيمة، شرعه الله لعباده، رحمةً بهم، وإحساناً إليهم، وحميةً لهم وجنة)([1]). عجباً لأمر هذا الدين، وشرائعه، ومقاصده، وأحكامه! خيرٌ كله، عدلٌ كله، رفقٌ كله! (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) [النساء:82]. ما أن تهب نسائم رمضان، حتى تهفوا القلوب لمقدمه، وتشرئب الأعناق لرؤية هلاله، وتستعد النفوس، والأبدان لصيامه، وقيامه. إن ذلك لمن أصرح الأدلة على أنه دين الفطرة التي فطر الله الناس عليها. فهذه العبادات العظيمة؛ من الصيام، والقيام، والزكاة، والعمرة، والتلاوة، والذكر، التي يعمر بها العمر، ويختص باجتماعها هذا الشهر الكريم، ليست (تكاليف)، كما يسميها الفقهاء، والأصوليون، بل هي حاجة فطرية، ومطلب ضروري لاستقامة النفس الإنسانية، واعتدالها. وإنما جرى تسمية الشرائع (تكاليف)، وتسمية العباد (مكلفين) في أزمنة متأخرة، فأحدث ذلك شعوراً بالثقل، والإلزام القهري. يجد المؤمنون في مواسم الطاعات مستراحاً لقلوبهم، وأنساً، وانشراحاً في صدورهم، وقرباً من خالقهم؛ يبثونه شكواهم، ويطَّرحون بين يديه، ويناجونه، ويسألونه حاجاتهم. فللصائم دعوةٌ لا ترد، وأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، وفي السحر يناديهم: (من يدعوني، فأستجيب له، من يسألني، فأعطيه، من يستغفرني، فأغفر له)([2]). ويجدون في هذه العبادات المتنوعة ساحاً فساحاً للتعبير عن عبوديتهم لربهم. وكثير من الناس يتلهف لإدراك الشهر، ويأسى على من أدركه الأجل قبل دخوله، وهو صادق في شعوره، لكن سرعان ما تنفثئ هذه الفقاعة الكبيرة، وتبرد هذه السَّورة العاطفية، خلال أيام معدودة من أيامه الأولى! ولا شك أن للطبيعة البشرية دور في هذا التراجع، لكن جزءاً من تفسير هذه الظاهرة، يرجع إلى أمرين : - أحدهما: عدم التهيؤ النفسي، والتكيف الوجداني التام لاستقبال الشهر، الذي يتأتى بإجالة النظر في الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، في فضائل الشهر، والتأمل في آثاره العاجلة، والآجلة، والتفكر في مقاصده، وثمراته. فإذا امتلأت النفس بهذه المعاني، صار ذلك وقوداً، وذخيرة، يمدها إلى آخر الشهر، ويغذيها بالعزيمة، والثبات، والاستقامة. قال ابن رجب، رحمه الله: ( كان النبي r، يبشر أصحابه بقدوم رمضان، كما خرجه الإمام أحمد، والنسائي، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: كان النبي r يبشر أصحابه، يقول: " قد جاءكم شهر رمضان، شهر مبارك، كتب الله عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب الجنان، وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتغل فيه الشياطين، فيه ليلة خير من ألف شهر، من حرم خيرها، فقد حرم"([3]). قال بعض العلماء: هذا الحديث أصل في تهنئة الناس بعضهم بعضاً بشهر رمضان)([4]). قلت: هذا الحديث أصل في تهيئة النفس لصيام رمضان. الثاني: عدم التخطيط العملي، والتصور التفصيلي لتنفيذ الأعمال، فتتبخر الأماني، وتتبدد الأحلام، ويقع الاضطراب، بسبب عدم وضع خطة واضحة، ممكنة، لليوم، والليلة. فينبغي للمؤمن الجاد تحديد أهدافٍ واضحة، والتزام برنامج متوازن، حازم، لاغتنام الشهر الكريم، ومن ذلك على سبيل المثال: 1- المحافظة على الصلوات الفرائض، والسنن الرواتب، والتبكير إلى المساجد، فور سماع النداء، بالنسبة للرجال. 2- الالتزام بحزب معين من تلاوة القرآن يوميًا، لا يقل عن ثلاثة أجزاء، مثلًا، والاستكثار من الختمات، فهذا الشهر هو شهر القرآن، كما قال تعالى: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ) [البقرة:185]. 3- تدبر القرآن، ومدارسته، بالرجوع إلى كتب التفسير المعتمدة، والتنقيب عما خفي عليه من خطاب الله لعباده، وإعمال الفكر في معانيه. فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، رضي الله عنهما، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ r أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ، حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ، فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ. فَلَرَسُولُ اللَّهِ r أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنْ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ) متفق عليه([5]). 4- الائتمام بإمام حسن التلاوة، مطمئن الصلاة، في التراويح والقيام. الحرص على القيام الشرعي، لا الصوري، بأن يصرف وقتاً مجزئاً يقنت فيه لرب العالمين، يترنم بكلامه، ويطمئن في قيامه، وركوعه، وسجوده، إيماناً، واحتساباً. ولا يغتر بصلاة النقَّارين، التي لا يحصل بها المقصود الأعظم، وهو الخشوع. 5- تعيين مبلغ من المال لإخراجه في رمضان، على سبيل الزكاة، أو الصدقة. فيطهر ماله، كما يطهر قلبه. 6- الترتيب المبكر لأداء عمرة في رمضان. فعن ابْنِ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: لَمَّا رَجَعَ النَّبِيُّ r مِنْ حَجَّتِهِ، قَالَ لِأُمِّ سِنَانٍ الْأَنْصَارِيَّةِ: (مَا مَنَعَكِ مِنْ الْحَجِّ؟) قَالَتْ: أَبُو فُلَانٍ، تَعْنِي زَوْجَهَا، كَانَ لَهُ نَاضِحَانِ، حَجَّ عَلَى أَحَدِهِمَا، وَالْآخَرُ يَسْقِي أَرْضًا لَنَا. قَالَ: (فَإِنَّ عُمْرَةً فِي رَمَضَانَ تَقْضِي حَجَّةً، أَوْ حَجَّةً مَعِي) رواه البخاري([6]) 7- التخفف من الشواغل الثانوية، والتوفر لتحقيق المقاصد الرمضانية. وقد كان السلف، من المحدثين، والفقهاء، يقطعون مجالس العلم والرواية، في رمضان، ويقبلون على القرآن. فكيف بما سوى ذلك من شواغل الدنيا التي لا تنقضي!؟ وهكذا، فإن تحضير الذهن، وشحذ العزم، مع الاستعانة بالله، يحصل به المقصود، كما وصى نبينا r بقوله : (احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلاَ تَعْجِزْ) رواه مسلم([7]). بلغنا الله، وإياكم، رمضان، وأعاننا فيه على الصيام، والقيام، ومنَّ علينا بالقبول، والغفران، والعتق من النيران، والفوز بالجنان. إنه ولي ذلك، والقادر عليه. ([1])زاد المعاد (2/27-28) الرسالة. ([2])صحيح البخاري (1145). ([3])المسند (8991), سنن النسائي (2103) قال الألباني صحيح لغيرة. ([4])لطائف المعارف (147) ط ابن حزم. ([5])صحيح البخاري (3220), صحيح مسلم(2308). ([6])صحيح البخاري (1863). ([7])صحيح مسلم (2664).



التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 08:37 مساءً الثلاثاء 18 رجب 1442 / 2 مارس 2021.