• ×

د. أحمد القاضي

العقيدة والأفراح

د. أحمد القاضي

 0  0  1.3K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده . أما بعد :
تعيش المجتمعات الإسلامية، بصورة عامة، مع إقبال الإجازة الصيفية، حالةً من الأفراح المتنوعة، على الصعيد الشعبي، دعك من الحالة المأساوية العامة للأمة، تتمثل في:
1- مناسبات النجاح والتخرج .
2- مناسبات الأعراس .
3- السفر والسياحة .
وكل هذه الممارسات تعبير بشري طبيعي، جرت به سنة الله، واقتضته طبيعة البشر. ولم يزل بنو آدم يعربون عن انفعالاتهم الإنسانية؛ في السراء، والضراء، بألوان من الأداء . وكانت مهمة الأنبياء، عليهم السلام، توجيه هذه الانفعالات القلبية، والممارسات العملية، لكي تندرج في دائرة العبادة الواسعة؛ فتقابل السراء بالشكر، والضراء بالصبر، وتنضبط التصرفات بضابط الوحي الإلهي، والهدي النبوي.
و(الفرح) في منظور العقيدة نوعان :
أحدهما : فرح مذموم : وهو فرح الأشر، والبطر، والعُجب، والغرور. ومن شواهده:
(إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآَتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ) [القصص/76]
(ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ) [غافر/75]
(فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ) [الأنعام/44]
(مَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) [غافر/83]
وبعض الناس تدركه خفة، ويطيش ميزانه، حين نجاحه، وتفوقه ؛ فينسب الفضل لنفسه، وحذقه، وذكائه، وجهده ، وينسى المنعم المتفضل !
وبعض الناس يكلل فرحة زواجه، باجتراح جملة من المعاصي والمنكرات، يعدُّها فرحاً، تتطلبه (ليلة العمر) ، يفتتح بها حياته الزوجية التي امتن الله بها عليه !
وبعض الناس يجعل التوسعة على النفس، والأهل، بما وسَّع الله به عليه من الرزق، سياحةً محرمة؛ تغشى أماكن السوء، وتتحلل من الآداب، والحرمات، تحت دعوى الفرح والتنفيس !
الثاني : فرح محمود : وهو الفرح بفضل الله ورحمته، والاغتباط بنعمته، واللهج بذكره، وشكره . وذلك فرح المؤمنين . ومن شواهد ذلك :
(قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) [يونس/58]
(وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ . بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ) [الروم/4، 5]
(فَلَمَّا رَآَهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ) [النمل/40]
فالمؤمن يبصر بنور الله، ويتلمس حكمة الله، ويخاف من مكر الله، ويستمتع بفضل الله، ويعترف بالنعمة لمسديها، ويثني بها عليه :
أفادتكم النعماء مني ثلاثة *** يدي ولساني والضمير المحجبا
إن العقيدة الحقة تحفظ توازن المؤمن في السراء، كما تحفظ توازنه في الضراء، اعتمادا على رصيده من اليقينيات القلبية، والآداب الشرعية، فيبدو في فرحه شاكراً شكراً كريماً، كما يبدو في حزنه صابرا صبراً جميلاً.


التعليقات ( 0 )