• ×

يونس الصباحي

التمائم والحلقة النحاسية

يونس الصباحي

 0  0  1.4K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير الأنام والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد:

فاعلم -أرشدك الله لطاعته- أن أهل الجاهلية كانوا مرتكسين في حضيض الغواية، ومتمرغين في أوحال الضلالة ، وهائمين على وجوههم في وادي الخرافة، قد  تخبطت نفوسهم في ظلمات الجاهلية، وأشربت قلوبهم حب الوثنية، لا عقل يزجرهم ، ولا زاجر يعقلهم، قد انفردت بهم الشياطين انفراد السباع الضارية بالشياه المسيبة، فنشبت أنياب الضلالة في عقولهم، وغرست مخالب الخرافة في قلوبهم، فلم تتركهم إلا بعد أن سقطوا على أرض الشقاء يتشحطون في دماء  الانحطاط والبهيمية ، ويلفظون أنفاس الرفعة والإنسانية، تراهم يتعلقون بخرزات علقوها، ويعتقدون في أوتار صنعوها، كالكحلة والينجلب ، والقبلة وكعب الأرنب.

 شبح الإصابة بالعين يلاحقهم في كل مكان ، قد شخصت أبصارهم وبلغت قلوبهم حناجرهم خوفا من الإصابة بعين الحيوان، كالحيات والثعالب والطواويس والكلاب، بل تجاوز الأمر إلى ما هو أقبح وأنكر، وأفظع وأشر: وهو عدم تهجي بعضهم حروف أسمائها خشية الإصابة بعينها.

وهكذا استمر غرقهم في بحر لجي مضطرب الأمواج ، قعر سخافاته تنقطع دونه أنفاس الأقلام ، وكثرة ضلالاته يقصر عنها نظم  الكلام، فقام سيد البشرية -صلى الله عليه وسلم- وأشرف البرية على منبر الإصلاح كأنه النذير العريان، ناصحا أمينا ، مشفقا رحيما ، فغلظ وأوعد، وتلطف ووعد، وأبدى وأعاد، ومد يد الحق لينقذ الخلق من الغرق، وغزا معسكر الشيطان بجيش عرمرم من الحجة والبرهان، فضرب أعناقهم ومزق أحشاءهم، ونكس راياتهم وهدم حصونهم، فتركهم صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية، لا تسمع لهم ركزا ولا ترى لهم باقية.

واعلم –رحمك الله تعالى- أن مما كسر النبي -صلى الله عليه وسلم- صنمه الذي نحته الأفاكون، ونسف عجله الذي صنعه السامريون، التعلق بالتمائم والحلق ونحوها لدفع البلاء قبل وقوعه أو رفعه بعد حصوله، فقال -صلى الله عليه وسلم -: (من تعلق تميمة فلا أتم الله له، ومن تعلق ودعة فلا ودع الله).

وقال –صلى الله عليه وسلم-:(من تعلق تميمة فقد أشرك).

وقال –صلى الله عليه وسلم-:(من تعلق شيئا وكل إليه).

وقال –صلى الله عليه وسلم- : (إن الرقى والتمائم والتولة شرك). 

ورأى -صلى الله عليه وسلم- رجلا في يده حلقة من صفر، فقال: “ما هذه”؟ قال: من الواهنة. فقال: “انزعها فإنها لا تزيدك إلا وهنا، فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبدا).

وأرسل -صلى الله عليه وسلم- في بعض أسفاره رسولا: ( أن لا يبقين في رقبة بعير قلادة من وتر، أو قلادة إلا قطعت).

فلا مقفأ بعد اليوم ولا معمى، ولا قلادة وتر ولا حلقة صفر، ولا سن ثعلب ولا سن هر.

فالحمد لله رب العالمين الذي أنعم علينا ببعثة هذا النبي الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.

وأحب في الختام أن أنبه القارئ الكريم على مسألتين متعلقتين بلبس تلك المحقرات المهلكات لأجل دفع البلاء قبل الوقوع أو رفعه بعد الوقوع .
فأقول وبالله أستعين:

1-[المسألة الأولى]: من علق تلك الأشياء بقصد السببية ، بمعنى أن هذا الخيط أو تلك الحلقة ونحوها سبب لدفع البلاء قبل وقوعه أو رفعه بعد وقوعه ، فقد وقع في الشرك الأصغر ، وأما إن اعتقد أن ذلك يدفع استقلالا لا سببا فقد وقع في الشرك الأكبر والذنب الذي لا يغفر ، إلا من تاب منه واستغفر.

قال الشيخ العلامة عبد الرحمن بن قاسم  -رحمه الله تعالى- في [الحاشية]: (وطلب الشفاء والبركة بالحلق والخيوط وغيرها هضم لجناب التوحيد ، ولبسها على قسمين، اعتقاد أنه سبب، فشرك أصغر ، أو يدفع أو ينفع فشرك أكبر) اهـ

وقال العلامة السعدي –رحمه الله – في: [القول السديد]: (إذا علم ذلك فمن لبس الحلقة أو الخيط أو نحوهما قاصدا بذلك رفع البلاء بعد نزوله، أو دفعه قبل نزوله فقد أشرك ; لأنه إن اعتقد أنها هي الدافعة الرافعة فهذا الشرك الأكبر.
وهو شرك في الربوبية حيث اعتقد شريكا مع الله في الخلق والتدبير.
وشرك في العبودية حيث تأله لذلك وعلق به قلبه طمعا ورجاء لنفعه، وإن اعتقد أن الله هو الدافع الرافع وحده ولكن اعتقدها سببا يستدفع بها البلاء، فقد جعل ما ليس سببا شرعيا ولا قدريا سببا، وهذا محرم وكذب على الشرع وعلى القدر.) اهـ

وقال العلامة ابن باز –رحمه الله تعالى- في: [تعليقاته على فتح المجيد]: (ومثل ذلك ما يعلقه بعض الناس اليوم على السيارات من صورة قرد ونحوه، وما يضعه بعضهم على أبواب البيوت والحوانيت من (حدوة) حمار أو حصان ، وتعليق سنابل من الحنطة أو غير ذلك كله من عمل الجاهلية المنهي عنه أشد النهي، وقد يصل إلى الشرك الأكبر عند بعضهم حين يعتقد فيه أنه هو الذي يدفع حقيقة الضر والسوء)اهـ

وقال العلامة العثيمين –رحمه الله تعالى- في : [القول المفيد]: (ولبس الحلقة ونحوها إن اعتقد لا بسها أنها مؤثرة بنفسها دون الله فهو مشرك شركا أكبر في توحيد الربوبية ؛ لأنه اعتقد أن مع الله خالقا غيره.

وإن اعتقد أنها سبب ، ولكنه ليس مؤثرا بنفسه ، فهو مشرك شركا أصغر؛ لأنه اعتقد ما ليس بسبب سببا)اهـ

وقال العلامة صالح آل الشيخ –حفظه الله تعالى- في: [شرح فتح المجيد]: (فإن اعتقد في الحلقة ، والخيط أنها مؤثرة بنفسها فهذا شرك أكبر، إذا اعتقد أنها ليست سببا ، ولكن هي تؤثر بنفسها، أو ترفع المرض بنفسها أو ترفع العين بنفسها، ليست أسبابا ولكن بنفسها مؤثرة فهذا شرك بالله شركا أكبر ) اهـ

2-[المسألة الثانية]:  ما حكم لبس (الحلقة النحاسية) التي يزعم بعض الأطباء المعاصرين أنها علاج لمرض (الروماتيزم) وغيره من الأمراض، وأنها كثيرة النفع وقوية التأثير؟

 والجواب: هذه الحلقة قد أكثر العلماء عليها الكلام واختلفت فيها الأفهام:

فقال الشيخ بن حميد في: [شرح كتاب التوحيد/ الشريط الخامس: (00:55)]: (يتخذ على عضده حلقة من حديد أو صفر بزعمه أنها تمنع من الحمى وأن لها خاصية بذلك كل هذه من الأمور الباطلة، وأي خاصية عند هذه الحديدة لكن هذه من وسائل الشرك وذرائعه أما لو اعتقد أن هذه بذاتها هي التي تدفع البلاء وتجلب النفع هذا كفر وهذا هو توحيد الربوبية منكرا لتوحيد الربوبية حينئذ حيث اعتقد أن هذه الحلقة تنفع وتضر ، فإذا قال أن لا أعتقد أنها تنفع وتضر لكن أن بها خاصية وبها كذا تمص أو تشحذ (الروماتيزم) أو ما أشبه ذلك نقول هذا من الوسائل وأي خاصية عند هذه ؟! فلو قلت هذا من الأسباب ، نقول لك: إنا لا ننكر الأسباب لكن الأسباب على حسب ما جاءت بها الشريعة أما أنك تأتينا بوسائل الشرك وتقول أسباب)اهـ

وقال العلامة ابن باز –رحمه الله تعالى_: ( سلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:
فقد وصلني كتابكم الكريم وصلكم الله برضاه، وأشرفت على الأوراق المرفقة المتضمنة بيان خصائص (الأسورة النحاسية) التي حدثت أخيراً لمكافحة (الروماتيزم)، وأفيدكم أني درست موضوعها كثيراً، وعرضت ذلك على جماعة كثيرة من أساتذة الجامعة ومدرسيها، وتبادلنا جميعاً وجهات النظر في حكمها، فاختلف الرأي، فمنهم من رأى جوازها؛ لما اشتملت عليه من الخصائص المضادة لمرض (الروماتيزم)، ومنهم من رأى تركها؛ لأن تعليقها يشبه ما كان عليه أهل الجاهلية، من اعتيادهم تعليق الودع والتمائم والحلقات من الصفر، وغير ذلك من التعليقات التي يتعاطونها، ويعتقدون أنها علاج لكثير من الأمراض، وأنها من أسباب سلامة المعلق عليه من العين، ومن ذلك ما ورد عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من تعلق تميمةً فلا أتم الله له ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له))، وفي رواية: ((من تعلق تميمة فقد أشرك))، وعن عمران بن حصين رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً في يده حلقة من صفر فقال:((ما هذا؟)) قال: من الواهنة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إنزعها فإنها لا تزيدك إلا وهنا، فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبدا))، وفي حديث آخر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه في بعض أسفاره أرسل رسولاً يتفقد إبل الركب ويقطع كل ما علق عليها من قلائد الأوتار التي كان يظن أهل الجاهلية أنها تنفع إبلهم وتصونها.
فهذه الأحاديث وأشباهها يؤخذ منها أنه لا ينبغي إن يعلق شيئا من التمائم أو الودع أو الحلقات، أو الأوتار أو أشباه ذلك من الحروز كالعظام والخرز ونحو ذلك لدفع البلاء أو رفعه.

والذي أرى في هذه المسألة هو ترك (الأسورة) المذكورة، وعدم استعمالها سداً لذريعة الشرك، وحسماً لمادة الفتنة بها والميل إليها، وتعلق النفوس بها، ورغبة في توجيه المسلم بقلبه إلى الله سبحانه ثقة به، واعتماداً عليه واكتفاء بالأسباب المشروعة المعلومة إباحتها بلا شك، وفيما أباح الله ويسر لعباده غنية عما حرم عليهم، وعما اشتبه أمره وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:((من اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه))، وقال صلى الله عليه وسلم: ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)) ولا ريب أن تعليق (الأسورة) المذكورة يشبه ما تفعله الجاهلية في سابق الزمان، فهو إما من الأمور المحرمة الشركية، أو من وسائلها، وأقل ما يقال فيه أنه من المشتبهات، فالأولى بالمسلم والأحوط له أن يترفع بنفسه عن ذلك، وأن يكتفي بالعلاج الواضح الإباحة، البعيد عن الشبهة، هذا ما ظهر لي ولجماعة من المشايخ والمدرسين، واسأل الله عز وجل أن يوفقنا وإياكم لما فيه رضاه، وأن يمن علينا جميعا بالفقه في دينه والسلامة مما يخالف شرعه، إنه على كل شيء قدير، والله يحفظكم والسلام.) اهـ

وقال العلامة العثيمين: (ظهر في الأسواق في الآونة الأخيرة حلقة من النحاس يقولون: إنها تنفع من (الروماتيزم)، يزعمون أن الإنسان إذا وضعها على عضده وفيه (روماتيزم) نفعته من هذا الروماتيزم، ولا ندري هل هذا صحيح أم لا؟ لكن الأصل أنه ليس بصحيح؛ لأنه ليس عندنا دليل شرعي ولا حسي يدل على ذلك، وهي لا تؤثر على الجسم؛ فليس فيها مادة دهنية حتى نقول: إن الجسم يشرب هذه المادة وينتفع بها؛ فالأصل أنها ممنوعة حتى يثبت لنا بدليل صحيح صريح واضح أن لها اتصالا مباشرا بهذا (الروماتيزم) حتى ينتفع بها.)اهـ

وقال الفوزان : (إذا كان فيها خاصية طبية وعلاج فلا بأس أما إذا كانت تلبس  لاعتقاد للاعتقاد أنها لا تنفع ولا تضر فهذا لا يجوز هذا شرك أو وسيلة إلى الشرك أما إذا كان فيها خاصية طبية ولا بأس بذلك ) اهـ

وبعد هذه النقول أقول:

الأحوط للمسلم أن يبتعد عنها، خاصة إذا علم أن أقوال الأطباء في فاعليتها ونفعها على طرفي نقيض، وأن الدراسات فيها متضاربة متنافرة.

هذا والله أعلم

وصلى الله وسلم على خير من أرسل وعلى آله وصحبه ومن والاه



التعليقات ( 0 )