• ×

د. أحمد القاضي

موسم الامتحانات

د. أحمد القاضي

 0  0  1.6K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده . أما بعد :
فقد باتت (الامتحانات) حدثاً موسمياً، ومعلماً بارزا من معالم الحياة العلمية، بل والاجتماعية، المعاصرة. وما أن يحل هذا الموسم الدوري حتى تجري حركة دائبة في صفوف الطلاب والطالبات، وينسحب ذلك على أهليهم، وتتأثر كثير من مرافق الحياة من حلول هذا الضيف الثقيل .
ولسنا بصدد حديث فني، أو أكاديمي، عن الامتحانات، فقد قتلت بحثاً، ولكن ثمَّ بعض اللفتات الإيمانية المتعلقة بهذا الحدث :

 
أولاها : (المحنة) معيار الصدق والكذب ! فما نيل المطالب بالتمني، ولا قيمة للدعاوى ما لم تقم عليها بينات . فهذا مبدأ يجمع عليه البشر، ويستعملونه للتقويم والفحص، والثواب والعقاب . أفلا يشعر كثير من الناس أن الحياة برمتها امتحان طويل، خطير، يفضي إلى تحديد المصير ؟! قال تعالى : (الم. أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ.وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ) [العنكبوت/1-3].

 
الثانية : وظيفة القلب النبض ! فهو يضخ الدم إلى جميع أجزاء الجسم، ولكنه ينبض أيضاً بالانفعالات المختلفة؛ من الحب والكره، والخوف والرجاء، وخلافه. وعند الامتحانات تنتفض القلوب الخاملة، وتتحرك المشاعر الراكدة، وتتعلق بالله تعالى، وتلتفت إليه بقوة؛ دعاءً، ورجاءً، وتوكلاً، واستعانةً. وهذا أداءُ طبيعي لكل قلب فيه إيمان. لكن يا ترى ! ألسنا أحوج إلى تحريك هذه المشاعر العظيمة، وإبقاء وهجها، وألقها، دوماً، في كل تقلبات الحياة الدنيا، ومآلنا في الحياة الأخرى ؟

 
الثالثة : تتفجر الطاقات الكامنة، وتنطلق العزائم الخاملة، في فترة الامتحانات؛ فإذا بالفتيان والفتيات قد استحالوا خلقاً جديداً؛ تبرق أعينهم، وتتقد أذهانهم، وتتنبه حواسهم، بصورة تمكنهم من التهام الصفحات، واستيعاب المعضلات ! فأين هذه الطاقات عن الانبعاث بصفة مستديمة، وإن بمستوى أقل، لتحصيل العلم، وإدراك المنافع الدينية والدنيوية، على حد قول النبي صلى الله عليه وسلم : (الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجَزْ ) رواه مسلم . أين هذه الهمم ؟ لمً لا تستثمر إلا بصفة موسمية ؟

 
الرابعة : قيمة الزمن ! ما أرخص الزمن على عموم الناس، وما أشد غبنهم فيه، كما قال نبينا صلى الله عليه وسلم : (نعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ) رواه البخاري. قال الشاعر :
والوقت أعظم ما عُنيتَ بحفظه *** وأُراه أسهل ما عليك يضيع
وفي موسم الامتحانات تحتسب الدقائق والثواني، ويتصل الليل والنهار، في دأب مستمر، وسهر متواصل، ويرمق المرء ساعته عدة مرات في الجلسة الواحدة ! ألا ياليتنا نشعر أننا في هذه الحياة الدنيا في سباق مع الزمن، فنقوِّم الساعات والدقائق والثواني بما تستحق، بدلاً من ذهابها هدراً. وهي مركب يحملنا إلى آجالنا. والله المستعان .


التعليقات ( 0 )