• ×

خالد بن محمد القرعاوي

تعالوا لنحقق السعادة

خالد بن محمد القرعاوي

 0  0  1.7K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

الحمدُ لله لا عزَّ إلا بطاعته , ولا سعادةَ إلا بتقواه , نشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريكَ له ولا ربَّ لنا سواه , ونشهدُ أنَّ محمداً عبدُ اللهِ ورسولُه ومصطفاه , اللهم صلِّ وسلِّم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسانٍ وإيمانٍ إلى يوم أنْ نلقاه . أمَّا بعد: عباد الله: أوصيكم ونفسِي بِتقوى الله عزَّ وجلَّ، فلا سعادةَ ، ولا فَوز ولا نجاةَ إلاَّ بإتباع هُداه. قال تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) أيُّها المسلمون، اتَّفقَ الناسُ على البحثِ عن السَّعادةِ والطمأنينةِ وراحةِ البالِ ،وقد عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ في ذلكَ! فكلٌّ يبحثُ عنها ، من المثقَّفِ الْمُتَعَلِّمِ ، إلى العاميِّ البَسيطِ، إلى السُّلطانِ في قصره الْمَشِيدِ، والفقير في بَيتِهِ الْمُتَهالِكِ. ذلكَ عبادَ اللهِ: لأنَّ فُقدانَ السَّعادةِ من قَلبِ العبد، يعني حُلولَ القلقِ والاضطرابِ ! دخل رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - المسجدَ ذاتَ يوم فإذا هو بأبي أمامةََ - رضي الله عنه - فقال: " يا أبا أمامةَ، مالي أراك جالساً في المسجد في غير وقت الصَّلاةِ ؟! " قال: يا رسولَ اللهِ همومٌ لزمتني وديونٌ أرهقتني. فقال - صلى الله عليه وسلم - : " أفلا أعلِّمُك كلاما إذا قلتَه أذهبَ الله همَّك وقضى عنك دَينَكَ" قال: بلى يا رسولَ الله، قال: " قل إذا أصبحت وإذا أمسيت: الله إني أعوذُ بك من الهمِّ والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبةِ الدينِ وقهرِ الرجال" قال أبو أمامة - رضي الله عنه - : "ففعلت ذلك، فأذهب الله همِّي وقضى عني ديني" رواه أبو داودَ. وفي الصحيحين أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقولُ: ( اللهمَّ إنِّي أعوذُ بكَ من الهمِّ والحزنِ والعجزِ والكسلِ، والبخلِ والجبنِ وَضَلَعِ الدَّين، وَغَلَبَةِ الرِّجالِ ) فالسعادةُ الحقَّةُ يا مؤمنون، ليست وفرةََ المال , ولا كثرةَ الولد، السَّعادةُ لا تتمثَّل في بناءِ الدُّور وتشيدِ القُصُور، السَّعادةُ يا مؤمنونَ: دينٌ يتبعه عملٌ ، السعادةُ هي الرضا بالله والقناعةِ بما قَسَمَ,واستمدادِ العون من الله وحده، من ذاق طعمَ الإيمان ذاق طعم السَّعادةِ، قال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وآلهِ وسلَّم -: " ذاقَ طعمَ الإيمانِ من رضي باللهِ ربَّاً وبالإسلام ديناً وبمحمدٍ - صلى الله عليه وسلم - رسولاً ". ولقد صدقَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - ؛ حيثُ يقول:( مِن سعادة ابن آدم رضاه بما قضى الله، ومن شقاوةِ ابنِ آدمَ سخطُه بما قضى الله ) ( الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ * الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ ) إخوة الإسلام، ومِن أسباب الحياةِ الطيِّبة تقوى الله تعالى :وذلكَ بأداءِ الفرائضِ واجتنابِ المعاصي، فإذا كنتَ في ضيقٍ وشدَّة فاتَّق الله في أمرِك وتفكَّر في حالِك ، قال تعالى : ( أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ ءامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِى الآخِرَةِ). فالمؤمنُ التَّقيُّ من أطيبِ النَّاس عيشاً، وأنعمِهِم بالاً، وأشرَحِهِم صَدْراً، وهذه جنَّةٌ عاجلةٌ قبلَ الجنَّة الآجلة، والصلاةُ عبادَ الله: من أعظم أسبابِ تحقيقِ الحياةِ الطيِّبةِ، وانشراحِ الصَّدرَ، ، فالعبدُ كأنَّه في سجنٍ وضيق حتى يَدْخُلَ فيها، فيستريحُ بِها لا منها ! وكان - صلى الله عليه وسلم - إذا حَزَبَهُ أمرٌ وأهمَّه شيءٌ فَزِعَ إلى الصلاة.ويقولُ: " وجعلت قرةُ عيني في الصلاة " فاللهم أعنا جميعا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك . اللهم واشرح صدورنا بالإيمان, وحبِّب إلينا القرآن , واجعلنا في سعادة وهناء, وفي أعلي الجِنان, أقول هذا القول وأستغفرُ اللهَ لي ولكم , ولسائر أهلِ والتُّقى والإيمان, فاستغفروه وتوبوا إليه إنَّه غفورٌ رحيم. الخطبة الثانية الحمدُ لله وفَّقَ من شاءَ لعبادتِه، نحمدُه سبحانه ونشكره على تيسيرِ طاعتِه، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وعدَ المؤمنين بلوغِ جنَّتِه، وحذَّر العُصاةَ أليمَ عقوبتِه، ونشهد أنَّ سيِّدَنَا ونَبِيَّنا محمداً عبدُ الله ورسوله، إماماً في دعوتِه، وقدوةً في منهجه، صلَّى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته، صلاةً دائمةً حتى نَبْلُغَ دارَ كرامتِه , ومن اهتدى بهديه واستنَّ بسنَّته . أمَّا بعد: فأوصيكم عبادَ الله ونفسي بتقوى الله تعالى في السِّر والعلن. ثم اعلموا - رَحِمَكُمُ اللهُ - أنَّ الإحسانَ إلى الخلقِ بالقولِ أو الفعلِ، من أعظمِ أسبابِ السَّعادةِ , وبالإحسانِ يدفعُ اللهُ عنكَ من الهموم مالا يخطر لك على بالٍ، ذلكَ لأنَّ إحسانَك صادرٌ عن إخلاصٍ واحتسابٍ لثوابِ اللهِ !قال تعالى: (لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) يا مؤمنون: ومن أهمِّ أسباب الحياةِ الطيبةِ دوامُ ذكرِ الله تعالى ، فالذِّكرُ طمأنينةٌ للقلبِ، وأمانٌ للنفس، وحفظٌ لها من الشُّرورِ. والقلبُ الممتلئُ بذكر الله قلبٌ قويٌّ، لأنه يستشعرُ دائماً معيةَ الله ونُصرَتَه، فهو سبحانه القائلُ في الحديثِ القدسي: ( أنا مع عبدي ما ذَكَرَنِي وتحرَّكت بي شَفَتَاهُ ) وربُّنا جلَّ وعلا يقول: (فَاذْكُرُونِى أَذْكُرْكُم) وأعظمُ الذِّكر ملازمةُ الاستغفارِ فقد كان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ : ( وَاللهِ إنِّي لأَسْتَغْفِرُ اللهَ وَأتُوبُ إلَيْهِ فِي اليَومِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً ) ويقول : ( مَنْ لَزِمَ الاسْتِغْفَارَ جَعَلَ اللهُ لَهُ مِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجاً ، وَمِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجاً ، وَرَزَقهُ مِنْ حَيثُ لاَ يَحْتَسِبُ ) عبادَ الله : سرُّ الحياةِ الطَّيبةِ الهانئةِ القناعةُ بالرِّزقِ والرِّضا بما قَسَمَ اللهُ لك، يُجلِّي هذا المعنى حديثُ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -: ( مَنْ أصْبَحَ مِنْكُمْ آمِناً في سربِهِ ، مُعَافَىً في جَسَدِهِ ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ ،فَكَأنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا )، فالتطلُّع لِمَا في أيدي الناس يُورثُك همًّا ينغِّصُ عيشَك، وغمًّا يكدِّر عليكَ حياتَك. ( فانْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ أسْفَلَ مِنْكُمْ وَلاَ تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ ؛فَهُوَ أجْدَرُ أنْ لاَ تَزْدَرُوا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ). (وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ) يا من تشتكي الهمومَ والأحزانَ , لازم دُعَاءَ اللهِ تعالى كما كان نَبِيُّنا - صلى الله عليه وسلم - يدعو ويقول : ( اللَّهُمَّ أصْلِحْ لِي دِيني الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أمْرِي ، وأصْلِحْ لِي دُنْيَايَ الَّتي فِيهَا مَعَاشِي ، وأصْلِحْ لِي آخِرتِي الَّتي فِيهَا مَعَادي ، وَاجْعَلِ الحَيَاةَ زِيَادَةً لِي في كُلِّ خَيْرٍ ، وَاجْعَلِ المَوتَ رَاحَةً لِي مِنْ كُلِّ شَرٍّ ) فإذا لَهَجْتَ بهذا الدُّعاءِ الذي فيه صلاحُ مُستَقْبَلِكَ الدِّينيِّ والدُّنيوي بِقلبٍ حاضرٍ، ونِيَّةٍ صادقةٍ، واجتهدتَ فيما يُحَقِّقُ ذلك، حَقَّقَ اللهُ لكَ ما دعوتَ ورجوتَ ، فانقلبتَ فَرِحاً مَسرُورَاً. يا من تريدُ السُّرورَ والحبورَ: عليكَ بتقوى اللهِ تعالى ! فلا مَنْجَا ولا مَلْجَأَ من الله إلا إليه , إذا أظلمتِ الدُّنيا في وجهِكَ, وتعاظمتِ الْمُشكِلاتُ عليكَ , وضاقَ صدرُكَ وقسا قلبُكَ فلازمَ تقوى اللهِ وطاعتَهُ ! تَجِدُ أُنْسَاً وسعادةً, وهناءً وسروراً ، ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ () قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ) فاللهم اجعل القرآنَ العظيم ربيعَ قلوبنا , ونورَ صدورِنا وجلاءَ أحزانِنا وهمومِنا . اللهم إنا نعوذ بك من الهمِّ والحزن, ونعوذ بك من العجز والكسل , ونعوذ بك من الجبن والبخل , ونعوذ بك من غلبة الدَّين وقهر الرجال . اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمةُ أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلحْ لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادةً لنا في كل خير، والموت راحة لنا من كل شر . اللهم اهدنا لما تحب وترضى و زيِّنا بزينة الإيمان و التقوى . رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ .رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. عباد الله أذكروا الله العظيمَ يذكركم واشكروه على عمومِ نعمه يزدكم ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون



التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 09:31 مساءً الخميس 8 ربيع الثاني 1441 / 5 ديسمبر 2019.