• ×

خالد بن محمد القرعاوي

وصايا في أيامِ الاختباراتِ

خالد بن محمد القرعاوي

 0  0  1.5K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ  

نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريكَ له الحليمُ الشَّكُورُ، ونشهدُ أنَّ محمداً عبد الله ورسوله الشافعُ المُشَفَّعُ يومَ النُّشُورِ ، صلَّى الله وسلَّم وباركَ عليه وعلى آله الأطهار وأصحابه الأخيار، ما تعاقب ليلٌ ونَهارٌ

أمَّا بعدُ:فيا مؤمنون أوصيكم ونفسي بتقوى الله فبها السَّعادةُ والفلاحُ , والفوزُ والنجاةُ.

 

أيُّها الكرامُ: مما قيل من الأمثال: يومُ الامتحانِ يُكرمُ المرءُ أو يُهان! ومناسبةُ الاختباراتِ تَتَكَرَّرُ كلَّ عامِ، والَّلبيبُ العاقلُ مَنْ يستلهِمُ الدروسَ والعبرَ، وها هنا بعض الوقفات.    

فأيامُ الاختباراتِ تَكْشِفُ لنا المواهبَ والقُدُراتِ التي نَمْتَلِكُها ولكنَّنا مع الأسفِ لا نستثمرُها، فهي تعلِّمُنا أنَّ بإمكانِ أبنائِنا الصبرَ والجَلَدَ على العلمِ ساعاتٍ طِوالٍ. وأنَّ بإمكانِهم التَّحكُمَ في نومِهم وأوقاتِهم.

 

أيُّها الكرامُ: وحينَ تأتي الاختباراتُ تُجتَنَبُ في الغالبِ الْمُنكراتُ وتُجافى الْمُحرماتُ، ويلجأُ بعضُ الطُّلابِ إلى المساجدِ، مُظهرين النُّسكَ والضراعةَ للهِ ربِّ العالمين أملاً بالتَّفوقِ والنَّجاحِ ، وهذه العودةُ دليلُ خيريَّةٍ وإيمانٍ في نفوسِهم ؛ لأنَّهم علِموا أنَّ اللهَ تعالى لا تُطلبُ خيراتُه، ولا تنُال بركاتُه إلا بطاعتِهِ والتزامِ أوامرِهِ، وهذهِ فرصةٌ للمربينَ وأئمةِ المساجدِ، أنْ يزيدوا في إيمانِهم ويحرصوا على ارتباطهم بالله تعالى !

إذا لم يكن عونٌ من الله للفتى      فأوَّلُ ما يقضي عليه اجتهادهُ

 

فيا معشر الشَّبَابِ: حريٌّ بكم ألا تقتصرَ عودتُكم لِرَبِّكم على أيام اختباراتِكم فقط؛ فإيَّاكم أنْ تشبَّهوا بالمشركينَ الذينَ إذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ

 

معاشر الشَّبَابِ: عليكم بالاستعانةِ بالله والتَّوكُّلِ عليه، واسألوه التَّوفيقَ والنَّجاحَ ، واحرصوا على بِرِّ الوالدينِ وطلبِ الدُّعاءِ منهما قبل الاختبارِ وبعدَه وتذكَّروا قولَ النبيِّ - صلَّى الله عليه وآله وسلَّم - (ثَلاَثُ دَعَوَاتٍ مُسْتَجَابَاتٌ لاَ شَكَّ فِيهِنَّ دَعْوَةُ الْوَالِدِ وَدَعْوَةُ الْمُسَافِرِ وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ).

معاشر الطُّلابِ: احرصوا على تنظيمِ أوقاتِ الْمُذاكَرَةِ, واحذروا السَّهر,فإنَّهُ يُرهقُ الجسمَ والعقلَ ، ويهدمُ  أكثرَ مما يبني ، فلنفسِكَ عليك حقَّا. والله تعالى يقول: (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا) وإيَّاكَ والقلقَ والهمَّ، فلا تجعلْ للشَّيطانِ عليك سبيلاً، وليكنِ التفاؤلُ حادِيكَ في كلِّ أعمالِكَ.( فقد كَانَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يُحِبُّ الْفَأْلَ الْحَسَنَ) .

 

معاشر الطُّلابِ: أيامُ الاختباراتِ تحتاجُ منكم أن تَتَراحَمُوا وتَتَعاضَدُوا، فاحذروا الشَّحنَاء والحسد، فَأَحِبَّ لأخيكَ ما تُحِبُّهُ لنفسكَ. واللهُ في عونِ العبدِ ما كان العبدُ في عونِ أخيهِ.

 

أخي الطالب: حاذرِ الغشَّ! فهو حيلةُ العاجزِ وأسلوبُ الكسلانِ, والوقْتُ الَّذي تضيِّعه في التَّحضيرِ للغشِّ اصْرِفه في المذاكرةِ الجادَّة؛ واعلم أنَّ الأمرَ عظيمٌ ؛فكم من شخصٍ يعيشُ الآنَ في ضِيقٍ ونكدٍ ، بعدما كَبُرَ سِنُّه واستيْقَظَ ضميرُه ،فهو دائماً يستفتي عن المال الَّذي يأخذُه أحلالٌ هو أم حرام؟! وهل يبقى في وظيفتِه أم يتْرُكها؟ فيا أخي جنِّب نفسَكَ هذا الشَّقاءَ والعناءَ، وصدق المصطفى - صلَّى الله عليه وآله وسلَّم-: (من غشَّنا فليس منا)

معاشر الطُّلابِ: اجعلوا بدايتَكُم ذِكْراً وتَسْبِيحاً وارتباطاً بالله عزَّ وجلَّ ، فالله تعالى يقول: (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) وخذوا بدعاءِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم,: (يَا حَيُّ يَا قَيُّوم ُبِرَحْمَتِك أَسْتَغِيث أَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّه وَلَا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَة عَيْن)

فاللهُ بيده مفاتيحُ الفرجِ ومنابعُ اليُسرِ والتَّوفِيقِ. قالَ تعالى، (مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ)

 

أبنائَنا الطُّلابِ: نرى كلَّ عامٍ إهانَةً من بعضِ طُلاَّبِنا لكتبِ العلم ورميِها وتَمزِيقِها في الطُّرقات،مع أنَّها تحتوي آياتٍ كريمةٍ وأحاديثَ نبويَّةٍ شريفةٍ،واللهُ تعالى يقولُ: ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ واحترامُ العلمِ وكُتُبِهِ من تعظيمِ شَعَائِرِ اللَّهِ !

 

ممَّا يُؤخَذُ عَلَى بعضِ شَّبَابِنا أَيَّامَ الاختباراتِ إِيذَاؤهمُ الآخَرِينَ، ودَوَرَانُهُم في الشَّوَارِعِ، بِسُّرعَةٍ جُنُونِيَّةٍ داخِلَ الأحياءِ ،وَسَدُّ الطُّرُقَاتِ في وُجُوهِ المَارَّةِ ، واللهُ - جَلَّ وَعَلا - يقولُ: (وَالَّذِينَ يُؤذُونَ المُؤمِنِينَ وَالمُؤمِنَاتِ بِغَيرِ مَا اكتَسَبُوا فَقَدِ احتَمَلُوا بُهتَانًا وَإِثمًا مُّبِينًا)

وَقَالَ:( مَن آذَى المُسلِمِينَ في طُرُقِهِم وَجَبَت عَلَيهِ لَعنَتُهُم) .

وَقَالَ: (لا يَحِلُّ لِمُسلِمٍ أَن يُرَوِّعَ مُسلِمًا).

(وَالمُسلِمُ مَن سَلِمَ المُسلِمُونَ مِن لِسَانِهِ وَيَدِهِ).

نسأل الله لكم التَّوفيقَ والسَّدادَ, والهدايةَ والرَّشَادَ, أقولُ ما تسمعونَ وأستغفرُ الله لي ولكم وللمؤمنينَ، فاستغفروه إنَّه غفورٌ رحيمٌ .

 

الخطبة الثانية

الحمدُ لله، جعلَ كتابَه لِكلِّ خيرٍ هاديًا، ومن كلِّ داءٍ شافيًا، وعمَّا سواه كافيًا، نشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهدُ أنَّ محمدًا عبدُ اللهِ ورسولُه، قامَ بالحقِّ داعيًا، وللتَّوحيدِ حاميًا، صلَّى اللهُ وباركَ عليه وعلى آله وأصحابِهِ وسلَّم تسليمًا مُتواليًا. أمَّا بعد.

فاتقوا الله عبادَ الله وقوموا بما أوجبَ اللهُ عليكم: (فكُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عن رَعِيَّتِهِ).

 

معاشرَ المعلمينَ الأفاضلَ: يا من بذلتم واجتهدتم شَكَرَ الله سَعْيَكم وأجزلَ لكم أجرَكُم , اللهَ الله بأبناءِ المسلمينَ أخلصوا لهم النُّصح واعدلِوا بينهم , وأعطُوا كلَّ ذي حقٍّ حقَّه. وتذكَّروا قولَ الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا)

ولنَتَذَكَّرَ أنَّ رسولُ الله - صلَّى الله عليْه وسلَّم - امتَدَحَ العادلينَ فقال: (إنَّ المقْسِطين عندَ اللهِ على منابرَ من نورٍ عن يَمينِ الرَّحْمنِ عزَّ وجلَّ وكِلْتا يديْه يَمينٌ ، الذين يعدِلُونَ في حُكمِهم وأهلِيهم وما وَلُوا)

 

وجَّهَ الشيخُ ابنُ العثيمينَ - رحمه الله تعالى - للمعلمينَ كلاماً مفادهُ:

"على مُراقبِ الطَّلَبَةِ ؛ أنْ يمنعَ أيَّ طالبٍ من الغشِّ ؛ لأن تمكينَهُ خيانةٌ وظلمٌ لزملائِهِ الْمُجدِّينَََََ وظلمٌ للمجتمعِ ؛ فتكونُ ثقافةُ المجتمعِ مُهلهَلَةً يظهرُ فَشَلُها في ميادينِ السِّبَاقِ، إنَّ على المراقبِ أن لا يراعيَ شريفَاً لِشَرَفِهِ ولا قريبًا لقرابتِهِ ولا غنيًا لِمَالِهِ ،إنَّ عليه أن يراقبَ اللهَ - عزَّ وجلَّ - الذي يعلمُ خائنةَ الأعينِ وما تخفي الصدورُ،عليه أن يؤدِّيَ الأمانةَ كما تحمَّلَها لأنَّهُ مسئولٌ عنها يومَ القيامةِ"

 

معاشرَ الأولياءِ الكرامِ: احفظوا أولادَكُم وحافظوا عليهم و تابعوهم بأنفسِكُم لِئَلا يكونوا سَبَبَاً في أذيةِ عبادِ الله أو فريسةً لأهل الشَّرِ والمكرِ الفسادِ الذينَ يكثرونَ في هذه الأيامِ . 

 

أيُّها الأولياءُ الكرامُ: إنَّ أولادَنا أمانةٌ في أعناقِنا، وَسَنُسْأَلُ عنهم ولا بُدَّ، قال: ( كلُّكُم راعٍ وكُلُّكُم مسئولٌ عن رعيتِهِ) .فالمصيبةُ أن نحرصَ على دنياهم ونَغْفلَ عن آخِرتِهم فكم مِن أَبٍ حريصٍ عَلَى إيقاظِ أبنائِهِ عِندَ الفَجرِ أَيَّامَ الاختباراتِ،بينما لم يَهتَمَّ بِإِيقَاظِهِم لِصَلاةِ الفَجرِ أو العَصرِ،طِيلَةَ العامِ؟! مَعَ عِلمِنا بِأَهَمِّيَّةِ الصلاةِ وَخَطَرِ تَركِها، فالخَسَارَةُ الحَقِيقِيَّةُ هِيَ خَسَارَةُ الآخِرَةِ، قَالَ سُبحَانَهُ: (قُلْ إِنَّ الخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُم وَأَهلِيهِم يَومَ القِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الخُسرَانُ المُبِينُ) .

 

فَاتَّقُوا اللهَ أَيُّهَا المُسلِمُونَ، وَاحرِصُوا عَلَى النَّجَاحِ الحَقِيقي في يَومٍ يُسأَلُ المَرءُ فِيهِ عَن عُمُرِهِ فِيمَ أَفنَاهُ، وَعَن شَبَابِهِ فِيم أَبلاهُ، وَعَن عِلمِهِ مَاذا عَمِلَ فِيهِ، وَعَن مَالِهِ مِن أَينَ اكتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنفَقَهُ، فَأَعِدُّوا لِلسُّؤَالِ صَوَابًا؟!،

 

جَعَلَنَا اللهُ وَإِيَّاكُم مِنَ الفَائِزِينَ يَومَ الامتِحَانِ الأَكبرِ،اللهمَّ َوَفِّقَ أَبنَاءَنَا وَيَسَّرَ أَمورَهُم وَسَهَّلَ عَلَيهِم مَا يَطلُبُونَ,اللهم أصلح أحوالَنا وسدِّد أعمالَنا ووفِّقنَا لِما تُحبُّ وترضى, اللهم أصلح شبابَ الإسلامِ والمسلمينَ ووفقهم لِما تُحبُّ وترضى,اللهم خذ بنواصيهم للبِرِّ والتَّقوى.اللهم احفظ علينا دِينَنَا وأخلاقَنا،وعافِنَا في أنفسِنَا وأهلِينا،ورُدَّ ضالَّ المسلمين إليك ردًّا جميلاً. اللهم أحفظ بلادَنا وشبَابَنا والمسلمينَ من كلِّ شرٍّ ومكروه. اللهم وفِّق ولاةَ لِما تُحبُّ وترضى.اللهم قويِّ عزائِمَهُم على الْحقِّ والهدى والدِّينِ.

رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ

رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ

اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ



التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 04:13 مساءً الخميس 20 شعبان 1440 / 25 أبريل 2019.